بيانات رسمية تكشف أسباب حوادث السير في سوريا وخطط تأهيل الطرق للحد من الخسائر

دمشق – حماة بلس
تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث والدفاع المدني أن حوادث السير في سوريا ما تزال واحدة من أخطر التحديات المرتبطة بالسلامة المرورية، في ظل ما تخلفه من خسائر بشرية ومادية على الطرق الدولية والرئيسية والفرعية، بالتوازي مع مواصلة الجهات المعنية تنفيذ إجراءات تهدف إلى الحد من هذه الحوادث وتعزيز أمان مستخدمي الطرق.
وتُظهر مراجعة البيانات والمنشورات الرسمية الصادرة منذ بداية عام 2025 وحتى 30 تموز 2026 استمرار تسجيل حوادث السير في مختلف المحافظات السورية، بما يعكس اتساع نطاق المشكلة والحاجة إلى تطوير منظومة السلامة المرورية، بالتوازي مع تحسين البنية التحتية ورفع مستوى الالتزام بقواعد السير.
وبحسب قراءة أجراها مراسل حماة بلس للبيانات الرسمية المعلنة، فإن المشهد المروري في سوريا يكشف عن ترابط واضح بين ارتفاع عدد الحوادث وبين جملة من العوامل، في مقدمتها السرعة الزائدة، وواقع بعض الطرق، وضعف الالتزام بقواعد القيادة الآمنة.
إحصائيات حوادث السير في سوريا تكشف حجم الخسائر
تشير الإحصاءات المنشورة من الدفاع المدني إلى أن فرقه استجابت منذ بداية عام 2025 وحتى 20 تموز من العام نفسه لـ 1412 حادث سير، أسفرت عن 81 حالة وفاة و1299 إصابة، ما يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له فرق الاستجابة والطواقم الإسعافية في التعامل مع الحوادث على امتداد الجغرافيا السورية.
وفي العام الجاري 2026، استمرت الحوادث بوتيرة مرتفعة، إذ سجل شهر حزيران 540 حادثاً أسفر عن وفاة 25 شخصاً وإصابة 537 آخرين، فيما شهد شهر تموز 516 حادثاً أدت إلى وفاة 64 شخصاً وإصابة 604 أشخاص.
ويُعد حادث اصطدام حافلتين في المنطقة الواقعة بين السخنة وتدمر على طريق دير الزور – دمشق في 25 تموز واحداً من أكثر الحوادث قسوة خلال الفترة الأخيرة، بعدما أدى إلى وفاة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين، في حصيلة صادمة أعادت ملف السلامة المرورية إلى صدارة الاهتمام العام.
كما تُظهر البيانات أن الحوادث تتوزع على عدد من الطرق الدولية والرئيسية، وفي مقدمتها طرق دمشق-دير الزور، وتدمر-السخنة، وحمص-دمشق، وحمص-طرطوس، وحماة-حلب، إلى جانب طرق أخرى في عدد من المحافظات، الأمر الذي يعكس أن الظاهرة لا تقتصر على محور محدد، بل تمتد على نطاق واسع ضمن شبكة الطرق السورية.
السرعة وتهالك البنية التحتية في صدارة الأسباب
تشير البيانات الرسمية وحملات التوعية الصادرة عن وزارة الداخلية والدفاع المدني إلى أن أسباب حوادث السير في سوريا ترتبط بعوامل متداخلة، تتقدمها السرعة الزائدة، ومخالفة قواعد المرور، والتجاوزات الخاطئة، وعدم الانتباه أثناء القيادة، واستخدام الهاتف المحمول، إضافة إلى الأعطال الفنية في المركبات، ولا سيما ما يتعلق بالإطارات والمكابح، إلى جانب واقع بعض الطرق والظروف الجوية المختلفة.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس لجنة الطرق في نقابة المهندسين السوريين الدكتور مهند ألفا في تصريح لـ حماة بلس أن الزيادة الكبيرة في الحركة المرورية الناتجة عن النشاط الاقتصادي وانفتاح سوريا على محيطها رفعت مستوى الضغط على شبكة الطرق، ما يجعل تطوير هذه الشبكة ضرورة ملحة تواكب النمو المتسارع في حركة النقل.
وأشار ألفا إلى أن وزارة النقل بدأت خلال الأشهر الماضية تنفيذ حلول هندسية لتوسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الرئيسة، ولا سيما دمشق-تدمر-دير الزور، ودمشق-نصيب، ودمشق-حمص، وحمص-حلب، مبيناً أن طريق دير الزور يحتاج إلى معالجة إسعافية عاجلة وإعادة تأهيل شاملة لمعالجة الحفر والهبوطات وتعزيز عناصر السلامة المرورية عليه.
ولفت إلى أن ضيق بعض الطرق ورداءة حالتها الفنية، ولا سيما على طريقي دير الزور-دمشق والرقة-دمشق، يشكلان أحد الأسباب المباشرة للحوادث، إلى جانب الرعونة في القيادة وتفاوت الحالة الفنية بين محاور الطرق المختلفة.
مطالب هندسية ورقابية للحد من الحوادث
وأكد الدكتور مهند ألفا أهمية تعزيز الإشارات الطرقية، وتخطيط حارات السير، وتركيب الرادارات، وإنشاء نقاط إسعافية ودوريات على الطرق الحيوية، إضافة إلى تشديد الرقابة على الحمولات الزائدة للشاحنات، باعتبارها من العوامل التي تؤثر في سلامة الطرق وتسهم بشكل مباشر في تدهور بنيتها.
وبيّن رئيس لجنة الطرق في نقابة المهندسين السوريين أنه لا تتوافر حتى الآن إحصاءات وطنية موحدة لترتيب الطرق وفق عدد الحوادث أو حجم الحركة المرورية، مشيراً إلى أن سلامة الطرق لا ترتبط بأعمال التعبيد فقط، بل تشمل كذلك التصميم الهندسي، والإشارات المرورية، وحارات المرور، وجودة التنفيذ.
وشدد على أهمية تطوير قاعدة معلومات موحدة لحوادث السير تربط الجهات المعنية ببعضها بعضاً، بما يتيح تحليل مواقع الحوادث وأسبابها وزمن الاستجابة، ويدعم وضع إجراءات وقائية أكثر فاعلية. وفي هذا الإطار، رصد مراسل حماة بلس أن غياب قاعدة البيانات الوطنية الموحدة يحد من القدرة على بناء معالجات دقيقة وسريعة تستند إلى مؤشرات ميدانية شاملة.
وأشار ألفا أيضاً إلى أن وزارة النقل رصدت نحو نصف مليار دولار لتنفيذ مشاريع الطرق، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل بداية مهمة لتطوير شبكة الطرق السورية، بالتوازي مع إدخال تجهيزات وآليات حديثة وفق المواصفات الفنية المعتمدة.
إجراءات حكومية لتعزيز السلامة المرورية في سوريا
وفي إطار الحد من الحوادث، تواصل وزارة الداخلية تعزيز منظومة المرور وأمن الطرق عبر تكثيف انتشار الدوريات، وتنظيم حركة السير، وتشديد الرقابة على المخالفات، والتوسع في استخدام الكاميرات الذكية وأجهزة رصد السرعة، إلى جانب رفع مستوى الجاهزية خلال الظروف الجوية الصعبة.
ومن جهتها، تضطلع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عبر فرق الدفاع المدني بدور محوري في الاستجابة الميدانية، من خلال تقديم الإسعافات الأولية، وإنقاذ العالقين، ونقل المصابين إلى المشافي، وتأمين مواقع الحوادث، وتنفيذ عمليات الإطفاء عند الحاجة، وإزالة آثار الحوادث، وإعادة فتح الطرق أمام الحركة المرورية.
خطة لإعادة تأهيل الطرق المركزية وفق معايير حديثة
وكانت وزارة النقل قد أعلنت في 28 حزيران الماضي بدء تنفيذ خطة لإعادة تأهيل الطرق المركزية وفق أحدث المعايير الفنية، إلى جانب استقطاب شركات متخصصة لتنفيذ عدة مشاريع، أبرزها إعادة تأهيل الطريق الدولي M45 الممتد من معبر نصيب إلى معبر باب الهوى مروراً بـ دمشق وحمص وحماة وسراقب وحلب.
كما تشمل الخطة مشروع الطريق العام الممتد بين دمشق ودير الزور، بهدف تعزيز الربط بين المحافظات واستكمال البنية التحتية للمنطقة الشرقية، وهو ما يشير إلى توجه حكومي واضح لمعالجة الاختناقات المرورية ورفع كفاءة الطرق الحيوية التي تشهد كثافة في حركة النقل.
وفي سياق متصل، أطلقت الوزارة يوم أمس الخميس حملة توعوية متكاملة للسلامة المرورية ضمن فعاليات معرض “موتور شو 2026”، بهدف تعزيز الوعي بقواعد المرور والقيادة الآمنة، والحد من السلوكيات المرورية الخاطئة، وذلك بمشاركة عدد من الجهات والمؤسسات المعنية.
تكامل الجهود ضرورة ملحة لخفض الخسائر
تؤكد المعطيات الرسمية أن الحد من حوادث السير في سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر إجراء منفرد، بل يحتاج إلى تكامل واضح بين تطوير شبكة الطرق، وتعزيز الرقابة المرورية، ورفع جاهزية الاستجابة والإسعاف، بالتوازي مع ترسيخ ثقافة الالتزام بقواعد المرور، وإجراء الصيانة الدورية للمركبات، وتجنب استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، والتقيد بسرعات تتناسب مع ظروف الطريق.
ومع استمرار تسجيل الحوادث على عدد من الطرق الدولية والرئيسية، تبدو الحاجة أكبر إلى تحويل البيانات الرسمية إلى خطط تنفيذية أوسع وأكثر دقة، بما يسهم في خفض الخسائر البشرية والمادية، وتحقيق مستوى أعلى من السلامة المرورية على الطرق السورية.