مجتمع

اختصاصات المحكمة الدستورية العليا: قراءة معمقة في مهام حراسة الدستور وآليات النظر في القوانين السابقة

الأسمى الذي يضمن عدم انحراف القوانين الفرعية والتشريعات العادية عن المبادئ الكبرى والموجهات الأساسية التي نص عليها الدستور. وفي إطار التطورات التشريعية والمؤسسية الأخيرة التي تشهدها البلاد، شكل الاجتماع الأول للمحكمة الدستورية العليا في مقرها بدمشق، برئاسة الدكتور عصام الخليف وبحضور كافة أعضائها المعينين بموجب المرسوم الرئاسي رقم (149) لعام 2026، خطوة مفصلية وتاريخية نحو تعزيز القضاء الدستوري وتحديث آلياته الإجرائية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الراهنة والمستقبلية، ويعزز سيادة القانون فوق كل اعتبار.

مفهوم حراسة الدستور وسموه كفلسفة قضائية عليا

تمثل المحكمة الدستورية العليا هيئةً قضائيةً مستقلةً بكل ما تعنيه الكلمة من أبعاد مؤسسية وقانونية وهيكلية، حيث تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والقضائي التام الذي يحصن قراراتها من أي تأثيرات خارجية. إن غايتها الأسمى ومهمتها الرئيسية تتلخص في مفهوم “حراسة الدستور”، وهي العبارة الفقهية العميقة التي تحمل في طياتها حماية الهوية التشريعية للدولة، وضمان التوازن الدقيق بين السلطات الثلاث، ومنع أي تغول أو تجاوز من سلطة على أخرى.

وفي هذا الصدد، ووفق ما صرح به عضو المحكمة الدستورية العليا المستشار المرموق عارف الشّعال لـ مراسل حماة بلس، فإن حراسة الدستور ليست مجرد شعار نظري أو نص جامد في المتون القانونية، بل هي تطبيق عملي حيوي وديناميكي يهدف إلى النظر الدقيق والمستمر في مدى دستورية القوانين والتشريعات التي يصدرها مجلس الشعب. وأكد المستشار الشّعال في حديثه الخاص لـ مراسل حماة بلس اليوم الإثنين، أن المحكمة تعمل كرقيب دستوري مستقل يضمن تطابق كافة التشريعات مع العقد الاجتماعي الأساسي للبلاد.

فالدستور يمثل قمة الهرم القانوني في الدولة، وأي قانون أو مرسوم يصدر بصيغة تخالف نصوصه أو روحه يعتبر مساساً مباشراً بمبدأ المشروعية وبنية الدولة القانونية. ومن هنا، تبرز الأهمية البالغة لوجود هيئة قضائية عليا تمتلك الصلاحية المطلقة والنهائية في الفحص والتدقيق والمطابقة الدستورية، بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الإدارية، لتكون ملاذاً آمناً للحفاظ على الحقوق والحريات اللصيقة بالمواطنين وتأكيد مبدأ سيادة الدستور.

الاختصاصات المنوطة بالمحكمة: توزيع المحاور القانونية والإجرائية

تتوزع الاختصاصات الجوهرية المنوطة بالمحكمة الدستورية العليا على عدة محاور قانونية رئيسية، تم تصميمها وهندستها تشريعياً بدقة لضمان الرقابة الشاملة والمانعة على المنظومة التشريعية في البلاد. وحول أبرز هذه الاختصاصات وفقاً للقانون المنظم لعملها، يوضح المستشار عارف الشّعال لـ مراسل حماة بلس أنها تشمل آليات الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة، بالإضافة إلى الأدوار الاستشارية والتفسيرية للمتون التشريعية.

المحور الأول والأكثر شيوعاً في الفقه الدستوري يتعلق بالنظر في دستورية القوانين التي يصدرها مجلس الشعب قبل أن تأخذ طريقها إلى النفاذ والإصدار النهائي من قبل رئيس الجمهورية. تبدأ هذه الآلية المؤسسية بناءً على طعن رسمي يقدمه رئيس الجمهورية مباشرة، أو عبر طعن تتقدم به نسبة محددة من أعضاء مجلس الشعب (الذين يمثلون كتلة برلمانية وازنة تمتلك الحق في الاعتراض التشريعي حماية للمصلحة العامة).

في هذه الحالة، تتولى المحكمة تفكيك النص القانوني المطعون فيه، ومقارنته حرفياً وموضوعياً بالمبادئ الدستورية المقرة. وإذا ما قررت المحكمة عدم دستورية هذا النص أو القانون كلياً أو جزئياً، فإن أثر هذا القرار يكون حاسماً وقاطعاً وملزماً لكافة السلطات، حيث لا يصدر القانون بصيغته المخالفة، ويُعاد إلى الأدراج أو إلى مجلس الشعب لتعديله أو إلغائه، مما يعكس سلطة “الفيتو القضائي الدستوري” لحماية الشرعية ومنع إصدار نصوص مشوبة بعيب عدم الدستورية.

المفاجأة القانونية والأثر الرجعي: النظر في دستورية القوانين السابقة أثناء النزاعات

أحد أبرز المحاور القانونية الجوهرية التي أثارها وفصّلها المستشار عارف الشّعال في تصريحاته الخاصة لـ مراسل حماة بلس، هو الاختصاص الجوهري والمهم المتمثل بالنظر في مدى دستورية القوانين السابقة. هذا الجانب تحديداً يمثل حماية رجعية ومستمرة لحقوق المواطنين والشركات والمؤسسات على حد سواء، لأنه لا يكتفي بمراقبة ما سيصدر مستقبلاً، بل يمتد ليطهر الأرشيف التشريعي من أي عيوب دفينة.

وتتحقق هذه الآلية الرقابية الهامة أثناء نظر المحاكم بمختلف درجاتها وأنواعها وسلاسلها القضائية (كالمحكمة الإدارية العليا، أو محكمة النقض، أو محاكم الاستئناف والبدء) في دعاوى موضوعية قائمة بالفعل ومنظورة أمام القضاء العادي أو الإداري. عندما يثار في معرض هذه الدعاوى دفع بعدم دستورية نص قانوني معين من قبل أحد أطراف الخصومة (سواء كان مدعياً أو مدعى عليه وسواء كان القانون قديماً يعود لعقود سابقة أو حديثاً)، وتجد المحكمة الناظرة في الدعوى جدية هذا الدفع وخطورته، يتم فوراً وقف السير في الدعوى الموضوعية وإحالة الملف مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا للبت النهائي في مدى مطابقة هذا النص للإعلان الدستوري.

اقرأ أيضاً:  القاعدة الشعبية: المحرك الصامت للتغيير الاجتماعي والسياسي

هذا الدور الحيوي يضمن تنقية وتطهير المنظومة القانونية النافذة من أي نصوص بالية أو قوانين سابقة لم تعد تتلاءم مع المبادئ الدستورية الحديثة وحقوق الإنسان، ويمنح القضاء العادي والإداري قناة اتصال مؤسسية مباشرة مع العدالة الدستورية العليا لضمان تحقيق أقصى درجات النزاهة وحفظ الحقوق المكتسبة للمتقاضين تحت مظلة الدستور.

الاختصاص الاستشاري وتفسير النصوص الدستورية: المرجعية الفقهية للدولة

إلى جانب الدور الرقابي الصارم والملزم في فض النزاعات الدستورية، تضطلع المحكمة الدستورية العليا باختصاص استشاري وتفسيري بالغ الأهمية يسهم في فك الاشتباك القانوني والتفسيري، وإيضاح الغموض الذي قد يكتنف بعض النصوص الدستورية المكتوبة عند التطبيق العملي. وتابع المستشار عارف الشّعال توضيحه لهذا الجانب عبر منبر حماة بلس مبيناً أنه يمكن لرئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب طلب تفسير رسمي وموثق لنص دستوري محدد يثير خلافاً في وجهات النظر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أو طلب رأي قانوني تخصصي في مسألة معينة تثير جدلاً تشريعياً أو تطبيقياً في أروقة صناعة القرار.

ونوه المستشار الشّعال إلى أن هذا الرأي الاستشاري أو التفسيري الصادر بناءً على طلب إحدى السُلطتين التنفيذية أو التشريعية يعتبر مرجعية فقهية وقانونية رفيعة المستوى وتتمتع بوزن معنوي وقانوني هائل، إلا أنه من الناحية الإجرائية الصرفة يعتبر غير ملزم للجهة الطالبة في بعض سياقاته الاستشارية، مما يترك مساحة مرنة للسيادة السياسية والتشريعية لإدارة شؤون الدولة العليا، مع الحفاظ الكامل على القيمة التوجيهية الكبرى للرأي الدستوري الذي تصيغه أعلى سلطة قضائية عليا في البلاد.

سد الثغرات وتطوير البيئة التشريعية المنظمة للمحكمة: مخرجات اجتماع دمشق

في سياق متصل يتصل بالبنية الداخلية للمحكمة وتطوير أدواتها الإجرائية، بيّنت عضو المحكمة الدستورية العليا الدكتورة ريعان كحيلان لـ حماة بلس، أن الاجتماع المنعقد في مقر المحكمة بدمشق لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي أو تعارفي بمناسبة بدء الولاية القضائية الجديدة، بل ركز بشكل مكثف وعميق على مناقشة مشروع القانون الجديد المنظّم لعمل المحكمة الدستورية العليا نفسها، بغية تطويره ورفده بآليات عصرية.

اقرأ أيضاً:  بدء تنفيذ مشروع حيوي لتوسيع شبكة مياه الشرب في حي الشريعة بمدينة حماة

وأشارت الدكتورة كحيلان في تصريحاتها لموقع حماة بلس إلى أن الهدف الرئيسي والأساسي من دراسة هذا المشروع هو تجاوز أي ثغرات إجرائية، أو غموض قانوني، أو بطء في المواعيد قد يكون موجوداً في القوانين السابقة التي كانت تنظم عملها في الفترات الماضية. وأوضحت الدكتورة كحيلان لـ حماة بلس أن التعديلات المقترحة والمطروحة على طاولة النقاش تهدف في المقام الأول إلى جعل القانون يفي تماماً وبصورة مطلقة بكل ما جاء في الإعلان الدستوري، ويمكّن أعضاء المحكمة من القيام بالدور الدستوري والقانوني المنوط بهم بكل كفاءة، واقتدار، ونزاهة، وبأدوات إجرائية مرنة وسريعة تمنع إطالة أمد التقاضي الدستوري.

ولفتت الدكتورة كحيلان إلى أن المهام الأساسية الحالية والمستقبلية للمحكمة تتلخص في أربعة محاور كبرى ومتكاملة: أولاً، حماية مبدأ سمو الدستور كأولوية قاطعة لا يمكن التنازل عنها؛ ثانياً، النظر الحاسم في نصوص القوانين التي قد يطعن بعدم دستوريتها أصحاب المصلحة الحقيقية في معرض الدعاوى المنظورة أمام القضاء العادي؛ ثالثاً، تفسير القوانين والنصوص التي تحال إليها من رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب؛ وأخيراً، النظر المستقبلي الاستباقي في دستورية مشروعات القوانين التي سيسنها مجلس الشعب لاحقاً لضمان ولادة تشريعات سليمة بنسبة مئة بالمئة وخالية تماماً من العيوب الدستورية التي قد تعطّل مسيرة التنمية والعدالة.

خاتمة وأبعاد العدالة الدستورية المستدامة في ظل التحديث القضائي

إن انعقاد المحكمة الدستورية العليا بكامل أعضائها المعينين بموجب المرسوم الرئاسي رقم (149) لعام 2026 برئاسة الدكتور عصام الخليف، وفي هذا التوقيت بالذات، يمثل انطلاقة متجددة وواعدة لمؤسسة قضائية عريقة يقع على عاتقها حفظ الأمن القانوني والتشريعي للبلاد. إن الموازنة الدقيقة والذكية بين الرقابة السابقة على القوانين قبل صدورها، والنظر الشجاع والمنفتح في دستورية القوانين السابقة عبر آلية الدفع الفرعي، يضمن بقاء البيئة التشريعية متجددة، عادلة، ومتوافقة مع طموحات المجتمع ومتطلبات العصر. وهذا يؤكد للقاصي والداني أن الدستور ليس مجرد وثيقة تاريخية، بل سيبقى دائماً وأبداً الحصن المنيع الحي الذي تنطوي تحت ظلاله كافة التشريعات والقوانين، محققاً التوازن والاستقرار التشريعي المستدام للدولة والمجتمع.

فريق التحرير في حماة بلس

كاتب ومحرر صحفي يشرف على المحتوى التحريري في حماة بلس. يسعى لتقديم مادة موثوقة ومتنوعة تلبي اهتمامات القارئ العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى