
في خطوة استباقية لضمان الأمن المائي والحفاظ على الصحة العامة، تحركت الجهات المعنية في محافظة حماة بشكل مكثف خلال الساعات الماضية لاحتواء المخاوف التي أثيرت حول سلامة مياه الشرب في مدينة مصياف. يأتي هذا التحرك بعد رصد ارتفاع في حالات الإسهال الحاد، مما استدعى تشكيل لجنة مختصة بتوجيه من محافظ حماة، عبد الرحمن السهيان، للوقوف على أسباب هذه الظاهرة، وفحص مصادر المياه، وتطمين المواطنين حول الإجراءات المتخذة.
لجنة مختصة وتقصي ميداني شامل
تفقدت اللجنة المختصة، اليوم الأحد، كافة مصادر مياه الشرب في مدينة مصياف، وشملت الجولة الميدانية الآبار، والخزانات الرئيسية، وشبكات التوزيع. كان الهدف من هذه الجولة هو التحقق المباشر من سلامة المياه والوقوف على أسباب حالات الإسهال الحاد التي سُجلت في المنطقة.
وفي هذا السياق، أوضح مدير منطقة مصياف، نور الدين عبود، في تصريح خاص لـ حماة بلس، أن اللجنة باشرت عملها فوراً بالتنسيق مع مديرية الصحة والشركة العامة للمياه. وأكد عبود أن العمل لم يقتصر على المعاينة البصرية، بل امتد ليشمل أخذ عينات دقيقة من عدد من مصادر المياه لإخضاعها للفحوص المخبرية الشاملة، مشيراً إلى أن النتائج النهائية لهذه الفحوص ستصدر خلال فترة تتراوح بين 24 و48 ساعة، لضمان أعلى درجات الدقة والشفافية في نقل المعلومة للمواطنين.
كشف الخلل: منظومة التعقيم تحت المجهر
أظهرت أعمال الكشف والتقصي التي جرت خلال اليومين الماضيين تفاصيل تقنية هامة حول الأسباب الكامنة وراء هذه الحالة. فقد تبين وجود خلل فني في منظومة التعقيم والكلورة في “بئر ربعو”. هذا الخلل، وفقاً للمعطيات الميدانية، رجحت التقارير الأولية أنه أدى إلى انخفاض غير مقصود في مستوى تعقيم المياه المغذية للمدينة، مما تسبب بحدوث تلوث محدود في المياه ضمن شبكة التوزيع.
وبناءً على هذه المعطيات، تحركت الفرق الفنية التابعة للشركة العامة للمياه فوراً لإصلاح معدات التعقيم، وإعادة ضخ المياه المعقمة بصورة منتظمة وبالمستويات المطلوبة صحياً. وقد شدد نور الدين عبود في حديثه لـ حماة بلس على أن الفحوصات المجراة لم تظهر، بأي حال من الأحوال، اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وهو ما كان يمثل المخاوف الأكبر لدى الأهالي. وأكد عبود أن المياه حالياً تخضع للرقابة الدورية، داعياً المواطنين إلى ضرورة الاعتماد حصراً على المياه التي توفرها الشركة العامة للمياه، وتجنب مصادر المياه غير الموثوقة، وخاصة الصهاريج الجوالة التي تفتقر إلى معايير الرقابة والتعقيم اللازمة.
جهود مؤسساتية: تكامل في العمل والرقابة
من جانبه، أكد مدير الشركة العامة للمياه، عبد الستار العلي، أن مصادر المياه في مدينة مصياف سليمة تماماً وخالية من أي تلوث مزمن أو خطير. وأشار العلي إلى أن الشركة تواصل بشكل حثيث عمليات أخذ العينات من الآبار والخزانات والشبكات بشكل متكرر، للتأكد من مطابقتها التامة للمواصفات الصحية السورية والعالمية، لافتاً إلى أن الشركة تضع ملف سلامة المياه على رأس أولوياتها، ولا تهاون في هذا الجانب.
وفي سياق متصل، بيّن عضو فريق التقصي المركزي في مديرية صحة حماة، نبيل عبد اللطيف، أن التقصي الوبائي الذي أُجري عقب الإبلاغ عن ارتفاع حالات الإسهال الحاد الأسبوع الماضي، قد حدد بدقة مصدر الخلل في مضخة بإحدى آبار الشركة، مما أدى إلى انخفاض نسبة الكلور ضمن الشبكة. وأكد عبد اللطيف أن الحالة الصحية لجميع المرضى مستقرة، وأن عدد الحالات التي استدعت دخول المستشفى كان محدوداً جداً، مع توقعات بإعلان انتهاء تسجيل هذه الحالات خلال الساعات المقبلة، خاصة بعد اتخاذ كافة الإجراءات التصحيحية.
دور الإعلام في تبديد الشائعات
في ظل هذه الظروف، تبرز أهمية الإعلام المسؤول في نقل المعلومة الدقيقة. وفي تغطية ميدانية، أفاد مراسل حماة بلس بأن الحركة في المدينة عادت إلى طبيعتها، وأن المواطنين أبدوا ارتياحاً ملحوظاً بعد سماع التوضيحات الرسمية. وقد رصد مراسل حماة بلس خلال تواجده في مراكز الاستجابة السريعة أن الفرق الطبية مستمرة في مراقبتها الدقيقة للوضع الوبائي، مؤكدة على جاهزيتها التامة للتعامل مع أي طارئ.
إن الاعتماد على المصادر الرسمية هو خط الدفاع الأول للمواطن، فانتشار الشائعات في مثل هذه الظروف قد يخلق حالة من الهلع غير المبرر. وقد نقل مراسل حماة بلس تصريحات الأهالي التي تعكس ارتياحاً تجاه الإجراءات التي اتخذتها اللجنة المختصة، مطالبين في الوقت ذاته بزيادة وتيرة الصيانة الدورية لمحطات الضخ والآبار لتجنب تكرار مثل هذه الأعطال الفنية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية.
التدابير الوقائية والنصائح الصحية
بينما تعمل الجهات الحكومية على ضمان سلامة الشبكة، يجب على المواطنين اتباع إرشادات السلامة العامة لضمان مياه شرب آمنة داخل المنازل. توصي وزارة الصحة والجهات المعنية بالآتي:
- الاعتماد على الشبكة العامة: كما شدد المسؤولون، فإن مياه الشبكة العامة هي الأكثر أماناً وخضوعاً للتعقيم الدوري.
- الحذر من المصادر البديلة: يجب تجنب شراء المياه من الصهاريج غير المرخصة أو التي لا تتبع للشركة العامة للمياه، حيث لا يمكن ضمان خلوها من الملوثات.
- النظافة الشخصية: غسل اليدين جيداً بالماء والصابون، خاصة قبل تحضير الطعام وبعد استخدام المرافق الصحية، يظل الإجراء الوقائي الأهم للحد من انتقال أي عدوى معوية.
- المراقبة المستمرة: في حال ظهور أي أعراض صحية غير معتادة، يجب مراجعة أقرب مركز صحي فوراً، حيث تواصل مديرية الأمراض السارية وغير السارية في وزارة الصحة، بالتنسيق مع مديرية صحة حماة، متابعة الوضع الصحي في منطقة مصياف عن كثب، لضمان السيطرة الكاملة على الموقف.
الخاتمة: استقرار الوضع والآفاق المستقبلية
إن ما شهدته مدينة مصياف خلال الأسبوع الماضي يمثل اختباراً لسرعة استجابة المؤسسات الخدمية والصحية في المحافظة. ومع انحسار الحالات المسجلة وعودة منظومات التعقيم للعمل بكفاءة كاملة، يرسل المسؤولون رسالة طمأنة لأهالي المنطقة بأن المياه آمنة للاستهلاك. إن التنسيق العالي المستوى بين شركة المياه ومديرية الصحة واللجنة المختصة يعكس نهجاً إدارياً مسؤولاً يضع سلامة المواطن فوق كل اعتبار، مع التعهد بمواصلة الرقابة الصارمة لمنع تكرار أي عطل تقني مستقبلاً.
إن الدرس المستفاد من هذه الحادثة هو أهمية الصيانة الاستباقية، وتحديث البنية التحتية للمياه، وهو ما تعمل عليه الجهات المعنية في حماة حالياً لضمان عدم حدوث مثل هذه الفجوات التقنية مرة أخرى. يبقى الوعي المجتمعي هو المكمل الأساسي لهذه الجهود، عبر التواصل المستمر مع الجهات الرسمية والابتعاد عن مصادر المياه غير الموثوقة.

