أخبار

البنك المركزي الأوروبي يُثبّت الفائدة ويرفع توقعات التضخم: حرب الشرق الأوسط تُعيد رسم خريطة السياسة النقدية

في ظل مشهد اقتصادي عالمي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه عالقاً بين مطرقة التضخم المتصاعد وسندان النمو المتباطئ، في معادلة باتت أكثر صعوبة مع اشتعال الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها الكبيرة على أسواق الطاقة العالمية.

تثبيت الفائدة للمرة السادسة على التوالي

أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير في مارس 2026، مؤكداً التزامه بتحقيق استقرار التضخم عند مستوى 2% على المدى المتوسط.1 وتظل أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة عند مستوياتها الحالية: سعر إعادة التمويل الرئيسي عند 2.15%، وسعر تسهيل الإيداع عند 2.0%، وسعر الإقراض الهامشي عند 2.4%.1 وكان آخر تعديل فعلي لأسعار الفائدة هو خفض بمقدار 25 نقطة أساس أُعلن عنه في 5 يونيو 2025.2

وجاء هذا القرار وسط إجماع واسع بين الاقتصاديين. فقد أظهر استطلاع رويترز في يناير أن نحو 85% من الاقتصاديين توقعوا إبقاء البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة دون تغيير لبقية 2026.3 إلا أن الحرب في الشرق الأوسط غيّرت المعادلة بشكل جذري.

حرب الشرق الأوسط تُعيد خلط الأوراق

أكد البنك المركزي الأوروبي أن الحرب في الشرق الأوسط جعلت التوقعات أكثر غموضاً بشكل ملحوظ، حيث خلقت مخاطر صعودية للتضخم ومخاطر هبوطية للنمو الاقتصادي.4 وسيكون لها تأثير مادي على التضخم قريب المدى من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، بينما ستعتمد تداعياتها متوسطة المدى على حدة الصراع ومدته وكيفية تأثير أسعار الطاقة على أسعار المستهلكين والاقتصاد.4

هذا التحول الدراماتيكي في المشهد جعل البنك يُعدّل توقعاته بشكل جذري. فبعد أن كانت التوقعات تشير إلى تراجع التضخم دون 2% في مطلع 2026 — حيث سجلت أسعار المستهلكين في منطقة اليورو ارتفاعاً بنسبة 1.7% فقط على أساس سنوي في يناير5 — انقلب المشهد تماماً مع اندلاع الحرب في 28 فبراير.

رفع توقعات التضخم وخفض توقعات النمو

وفقاً للتوقعات الجديدة، يُنتظر أن يبلغ متوسط التضخم العام 2.6% في 2026 و2.0% في 2027 و2.1% في 2028، بتعديل صعودي مقارنة بتوقعات ديسمبر، خاصة لعام 2026، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.4 أما التضخم الأساسي (باستثناء الطاقة والغذاء)، فيُتوقع أن يبلغ 2.3% في 2026 و2.2% في 2027 و2.1% في 2028، وهو أيضاً أعلى من مسار توقعات ديسمبر بسبب تسرّب ارتفاع أسعار الطاقة إلى الأسعار الأساسية.4

وعلى صعيد النمو، جاءت الأرقام مخيّبة للآمال. فقد تم خفض توقعات النمو، خاصة لعام 2026، حيث يُتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9% في 2026 و1.3% في 2027 و1.4% في 2028، مع تأثر الثقة والدخل الحقيقي بتداعيات الحرب على أسواق السلع.1

لاغارد تُلوّح برفع الفائدة

في تطور لافت، صرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد بأن البنك مستعد لزيادة أسعار الفائدة إذا ثبت أن الارتفاع المتوقع في التضخم أكثر من مؤقت.6 وقد جاء هذا التصريح بعد أسبوع من قرار التثبيت الأخير، ليُضيف بُعداً جديداً للمشهد النقدي الأوروبي.

وحذّر البنك من أن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب سيدفع التضخم فوق 2% على المدى القريب، وأنه في حال استمرار هذا الارتفاع، قد يُفضي إلى زيادة أوسع في التضخم من خلال التأثيرات غير المباشرة وتأثيرات الجولة الثانية.4

وتزايدت التوقعات بتوجه البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، حيث قد يشهد عام 2026 زيادات إضافية تصل إلى 50 نقطة أساس موزعة على اجتماعَي يونيو وسبتمبر.7 كما تتوقع الأسواق المالية حالياً تنفيذ ثلاث زيادات في أسعار الفائدة خلال العام وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.7

الاحتياطي الفيدرالي: ترقّب حذر عبر الأطلسي

على الجانب الآخر من الأطلسي، ترك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50% إلى 3.75% في اجتماعه الأخير، في ثاني اجتماع متتالٍ يُبقي فيه على أسعار الفائدة مستقرة بعد ثلاث تخفيضات متتالية بمقدار 25 نقطة أساس لإنهاء العام الماضي.8

اقرأ أيضاً:  على ضفاف النواعير.. نهر العاصي يختنق في حماة، وصرخة إنقاذ

وتُظهر الأسواق الآن أنه من المرجح أكثر من عدمه أن يترك الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام.8 وتُشير أداة CME FedWatch إلى احتمال بنسبة 51.3% لبقاء الفائدة عند مستواها الحالي حتى اجتماع ديسمبر، مع احتمال بنسبة 35.7% لخفض واحد فقط بمقدار 25 نقطة أساس.8

مخاطر النظام المالي العالمي

وفي سياق أوسع، أطلق لويس دي جيندوس، نائب رئيسة البنك المركزي الأوروبي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن تزايد الضغوط على النظام المالي العالمي، موضحاً أن التوترات الجيوسياسية الراهنة وإغلاق الممرات الملاحية الحيوية أدت إلى حالة من عدم اليقين “غير المسبوقة”.9

نظرة مستقبلية

يُنتظر أن يعقد البنك المركزي الأوروبي اجتماعه القادم في 30 أبريل 202610، وسط ترقّب كبير لمعرفة ما إذا كانت البيانات الاقتصادية الجديدة ستدفعه نحو رفع الفائدة أم الإبقاء على موقفه الحذر. وأكدت لاغارد أن البنك في وضع جيد للتعامل مع حالة عدم اليقين، مشيرة إلى أن التضخم كان قريباً من هدف 2%، وأن توقعات التضخم طويلة الأجل راسخة، وأن الاقتصاد أظهر مرونة خلال الأرباع الأخيرة.4

في المحصلة، يقف البنك المركزي الأوروبي اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فبعد أشهر من الهدوء النسبي والتضخم المنضبط، أعادت نيران الحرب في الشرق الأوسط تذكير صانعي السياسة النقدية بأن الاستقرار هشّ، وأن صدمات الطاقة قادرة على قلب جميع الحسابات رأساً على عقب. والسؤال الذي يشغل الأسواق الآن: هل سيكتفي البنك بالمراقبة أم سيضطر إلى رفع الفائدة لأول مرة منذ سنوات لمواجهة موجة تضخمية جديدة؟

فريق التحرير في حماة بلس

كاتب ومحرر صحفي يشرف على المحتوى التحريري في حماة بلس. يسعى لتقديم مادة موثوقة ومتنوعة تلبي اهتمامات القارئ العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى