صعود المؤثرين: الصحافة الجديدة في العصر الرقمي أم مجرد واجهة إعلانية؟

في العقد الأخير، شهد المشهد الإعلامي والاجتماعي تحولاً جذرياً، مدفوعاً بانتشار منصات التواصل الاجتماعي وتغلغلها في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية. في قلب هذا التحول، برزت فئة جديدة من صانعي المحتوى وقادة الرأي، يُعرفون باسم المؤثرين. لقد تحول هؤلاء الأفراد من مجرد هواة يشاركون يومياتهم إلى لاعبين أساسيين في الاقتصاد الرقمي، يمتلكون القدرة على تشكيل الآراء، وتوجيه سلوك المستهلكين، وحتى التأثير في الخطاب السياسي والاجتماعي. يطرح هذا الصعود المتسارع سؤالاً محورياً ذا طابع أكاديمي: هل يمثل المؤثرين شكلاً جديداً من أشكال الصحافة الشعبية والمواطنة، أم أنهم في جوهرهم مجرد واجهة إعلانية متطورة، تعيد تغليف الأساليب التجارية التقليدية في قالب شخصي وجذاب؟ تستكشف هذه المقالة هذه الإشكالية المعقدة، محللةً الأبعاد المزدوجة لدور المؤثرين، وتقييم إمكاناتهم كصوت إعلامي بديل مقابل طبيعتهم التجارية المتأصلة.
السياق التاريخي والتكنولوجي: كيف ولد عصر المؤثرين؟
لم تظهر ظاهرة المؤثرين من فراغ، بل هي نتاج تطور تاريخي وتكنولوجي طويل. قبل عصر الإنترنت، كان “التأثير” حكراً على فئات محددة: المشاهير من الممثلين والموسيقيين، والخبراء الأكاديميين، والسياسيين، والصحفيين المخضرمين في وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والتلفزيون. كانت هذه الشخصيات بمثابة حراس البوابة (Gatekeepers) للمعلومات والثقافة، حيث كانت قدرتهم على الوصول إلى الجماهير تمر عبر قنوات مؤسسية منظمة. لكن مع بزوغ فجر الإنترنت، وبشكل خاص مع ظهور “الويب 2.0″، بدأت هذه الهياكل السلطوية في التآكل. لقد أتاحت المنصات مثل المدونات (Blogger, WordPress)، ومنتديات النقاش، ولاحقاً يوتيوب (2005)، وفيسبوك (2004)، وتويتر (2006)، ثم إنستغرام (2010) وتيك توك (2016)، ديمقراطية غير مسبوقة في إنتاج المحتوى وتوزيعه.
في هذه البيئة الجديدة، لم يعد الفرد بحاجة إلى عقد مع دار نشر أو الظهور على شاشة تلفزيون ليصل صوته إلى الملايين. كل ما يحتاجه هو كاميرا، واتصال بالإنترنت، وفكرة. من رحم هذه الثورة التكنولوجية، ولد الجيل الأول من المؤثرين. كانوا في البداية مدونين يكتبون عن شغفهم في مجالات مثل الموضة، أو الطبخ، أو التكنولوجيا. لقد بنوا جماهيرهم ببطء، على أساس الأصالة والمصداقية والخبرة المتخصصة في مجال معين. كان نجاح هؤلاء المؤثرين الأوائل قائماً على قدرتهم على بناء علاقة شبه شخصية مع متابعيهم، وهي علاقة كانت وسائل الإعلام التقليدية الضخمة تفتقر إليها. لقد شعر المتابعون أنهم يتلقون توصية من صديق موثوق، وليس من إعلان تجاري بارد. هذا التحول في ديناميكيات الثقة هو الذي مهد الطريق لازدهار اقتصاد المؤثرين وتحولهم إلى قوة لا يستهان بها في المشهد الإعلامي العالمي. ومع تطور الخوارزميات التي تفضل المحتوى الجذاب والشخصي، ازدادت قوة المؤثرين بشكل كبير، مما جعلهم نقطة جذب رئيسية للعلامات التجارية التي تبحث عن طرق جديدة للوصول إلى المستهلكين.
المؤثرين كصوت صحفي بديل: هل هم صحافة المواطن الجديدة؟
يطرح المدافعون عن الدور الإيجابي لـالمؤثرين أنهم يمثلون شكلاً معاصراً وفعالاً من “صحافة المواطن”. في عالم يتزايد فيه انعدام الثقة بوسائل الإعلام التقليدية، التي يُنظر إليها أحياناً على أنها متحيزة أو خاضعة لسيطرة الشركات الكبرى أو الحكومات، يقدم المؤثرين بديلاً يبدو أكثر أصالة وشفافية. يمكن تلخيص الحجج الداعمة لهذا الطرح في عدة نقاط. أولاً، السرعة والوصول المباشر؛ ففي أوقات الأزمات أو الاحتجاجات الاجتماعية أو الكوارث الطبيعية، غالباً ما يكون المؤثرين المتواجدون على الأرض هم أول من ينقل الأحداث مباشرة عبر هواتفهم، متجاوزين بذلك البطء البيروقراطي للمؤسسات الإخبارية الكبرى. لقد رأينا كيف لعب المؤثرين دوراً في تغطية أحداث مثل الربيع العربي أو حركة “حياة السود مهمة”، حيث قدموا وجهات نظر لم تكن لتظهر على القنوات الإخبارية الرئيسية.
ثانياً، التخصص والخبرة في مجالات محددة. يوجد اليوم المؤثرين الذين يقدمون محتوى تحليلياً عميقاً في مجالات معقدة مثل العلوم، أو التكنولوجيا، أو الشؤون المالية، أو حتى السياسة الدولية. هؤلاء المؤثرين، الذين قد يكونون علماء أو مهندسين أو اقتصاديين، ينجحون في تبسيط المفاهيم المعقدة وتقديمها لجمهور واسع بطريقة شيقة ومفهومة، وهو دور كان يلعبه الصحفيون المتخصصون تقليدياً. إنهم بذلك يساهمون في رفع مستوى الوعي العام وثقافة المتابعين في هذه المجالات الحيوية. ثالثاً، قدرتهم على تسليط الضوء على قضايا مهمشة. يمكن لـالمؤثرين استخدام منصاتهم للدفاع عن قضايا اجتماعية أو بيئية أو إنسانية لا تحظى باهتمام كافٍ من الإعلام السائد. قدرتهم على حشد المتابعين وتوجيههم نحو التبرع أو التوقيع على عرائض أو المشاركة في حملات توعوية تجعل من العديد من المؤثرين قوة تغيير إيجابية في مجتمعاتهم. من هذا المنظور، لا يمكن إنكار أن بعض المؤثرين يمارسون بالفعل وظائف تشبه إلى حد كبير الوظائف الصحفية، من خلال نقل الأخبار، وتوفير التحليل، وتشكيل الرأي العام.
الواجهة الإعلانية: هل طغت التجارة على المحتوى؟
على الجانب الآخر من النقاش، هناك حجة قوية تعتبر أن الطبيعة التجارية لعمل المؤثرين تقوض أي ادعاء بالعمل الصحفي أو الموضوعية. ففي نهاية المطاف، النموذج الاقتصادي الذي يعتمد عليه الغالبية العظمى من المؤثرين هو التسويق والإعلان. هذا الاعتماد المالي على العلامات التجارية يخلق تضارباً جوهرياً في المصالح. فهل يستطيع مؤثر يتلقى أموالاً من شركة مستحضرات تجميل أن يقدم مراجعة نزيهة وسلبية لمنتجاتها؟ الإجابة في معظم الحالات هي “لا”. هذا الواقع يحول الكثير من المحتوى الذي يقدمه المؤثرين إلى مجرد إعلانات مقنّعة، مصممة لتبدو وكأنها توصيات شخصية صادقة.
علاوة على ذلك، يفتقر عالم المؤثرين إلى المعايير الأخلاقية والمهنية التي تحكم العمل الصحفي التقليدي. لا يوجد لدى المؤثرين مدونة سلوك ملزمة، أو هيئة تحرير تراجع المحتوى، أو آلية لتدقيق الحقائق (Fact-Checking). هذا الفراغ التنظيمي يفتح الباب أمام انتشار المعلومات المضللة، والادعاءات الصحية الزائفة، والترويج لمنتجات أو خدمات مشكوك فيها. لقد شهدنا حالات لا حصر لها لـالمؤثرين الذين يروجون لمكملات غذائية خطيرة، أو مخططات استثمارية احتيالية، أو ينشرون نظريات المؤامرة دون أي مساءلة.
إن التركيز على المقاييس الكمية مثل عدد المتابعين والإعجابات والتعليقات يدفع العديد من المؤثرين إلى إنتاج محتوى سطحي ومثير للجدل بدلاً من المحتوى العميق والمفيد، فقط بهدف زيادة التفاعل وإرضاء الخوارزميات. تصبح الصورة المثالية ونمط الحياة الفاخر الذي يعرضه الكثير من المؤثرين هو المنتج بحد ذاته، وهو منتج مصمم بعناية لبيع وهم وحلم للمتابعين، مما يغذي ثقافة استهلاكية غير صحية ومقارنات اجتماعية ضارة. لذلك، يرى النقاد أن الدور الأساسي لغالبية المؤثرين ليس إعلامياً بل تجارياً بحتاً، وأن وصفهم بـ”الصحفيين” هو إهانة للمهنة التي تتطلب الموضوعية والنزاهة والتحقق الدقيق. إن عمل المؤثرين في هذا السياق هو مجرد امتداد لقسم التسويق في الشركات.
من هو المؤثر الحقيقي وهل كل من يعمل على الإنترنت مؤثر؟
في خضم هذا الجدل، من الضروري التوقف لتحديد مصطلح “المؤثر” نفسه. هل كل شخص يمتلك عدداً كبيراً من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي هو بالضرورة “مؤثر”؟ الإجابة تتطلب تفريقاً دقيقاً بين الشهرة والتأثير. الشهرة (Fame) هي مجرد نتيجة لامتلاك جمهور واسع، وهي غالباً ما تكون عابرة وسطحية. أما التأثير الحقيقي (Influence) فهو القدرة الملموسة على تغيير سلوك الآخرين أو أفكارهم أو قراراتهم. المؤثر الحقيقي ليس مجرد ناقل للمحتوى، بل هو محفز للفعل. قد يكون لديك مليون متابع يشاهدون صورك اليومية، لكن إذا لم تكن قادراً على إقناع نسبة منهم بشراء منتج، أو تبني قضية، أو تعلم مهارة جديدة، فإن تأثيرك يظل محدوداً.
لذلك، ليس كل من يعمل على الإنترنت مؤثراً. يمكننا تصنيف العاملين في هذا المجال إلى فئات مختلفة: هناك “صانع المحتوى” (Content Creator) الذي يركز على إنتاج مواد ترفيهية أو تعليمية عالية الجودة دون أن يكون هدفه بالضرورة توجيه سلوك الجمهور. وهناك “المشهور الرقمي” (Digital Celebrity) الذي اكتسب شهرته من خلال المنصات الرقمية ولكنه لا يختلف كثيراً عن المشاهير التقليديين. أما المؤثرين الحقيقيون، فهم أولئك الذين بنوا علاقة عميقة من الثقة مع جمهورهم في مجال معين، بحيث تصبح توصياتهم وآراؤهم ذات وزن حقيقي. يمكن أن يكون هذا المؤثر “ماكرو” (Macro-influencer) بملايين المتابعين، أو “مايكرو” (Micro-influencer) بآلاف المتابعين فقط، لكن جمهوره شديد الولاء والتفاعل. إن العديد من المؤثرين الصغار يمتلكون تأثيراً أكبر على قرارات الشراء لدى متابعيهم مقارنة بالمشاهير الكبار. بالتالي، فإن جوهر عمل المؤثرين ليس في عدد المتابعين، بل في عمق العلاقة ونوعية الثقة التي تم بناؤها، وهي التي تمنحهم القدرة على “التأثير” الفعلي. وهذا التمييز مهم لفهم لماذا تنجح بعض حملات تسويق المؤثرين بينما تفشل أخرى.
التأثير الثقافي والاقتصادي: إعادة تشكيل المجتمع والاستهلاك
بغض النظر عن الجدل الدائر حول طبيعتهم، لا يمكن إنكار التأثير العميق الذي أحدثه المؤثرين على الثقافة والمجتمع والاقتصاد. على الصعيد الاقتصادي، لقد خلق المؤثرين صناعة جديدة بالكامل تُعرف بـ”اقتصاد المبدعين” (Creator Economy)، والتي تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات. لقد أتاح هذا الاقتصاد فرص عمل جديدة لملايين الأفراد حول العالم، وغيرت نماذج التسويق التقليدية بشكل جذري. لم تعد الشركات تعتمد فقط على الإعلانات التلفزيونية أو المطبوعة، بل أصبحت تخصص ميزانيات ضخمة للتسويق عبر المؤثرين، لإدراكها أن توصية من مؤثر موثوق قد تكون أكثر فعالية من أي حملة إعلانية تقليدية.
أما على الصعيد الثقافي والاجتماعي، فإن تأثير المؤثرين أكثر تعقيداً. من ناحية، ساهم المؤثرين في تنويع الأصوات المسموعة وإعطاء منصة للمجتمعات والفئات المهمشة. لقد ساعدوا في نشر الوعي حول الصحة النفسية، والاستدامة البيئية، وقبول التنوع الجسدي. ومن ناحية أخرى، تعرض الكثير من المؤثرين للانتقاد بسبب ترويجهم لمعايير جمال غير واقعية، وأنماط حياة استهلاكية مفرطة، وثقافة “التباهي” التي قد تؤدي إلى مشاكل نفسية لدى متابعيهم، خاصة من فئة الشباب والمراهقين. لقد أصبح المؤثرين بمثابة المرجع الجديد لتحديد ما هو “رائج” أو “مرغوب”، من الموضة والجمال إلى وجهات السفر وأساليب الحياة، مما يضع ضغطاً اجتماعياً هائلاً على الأفراد للتوافق مع هذه المعايير. إن الدور الذي يلعبه المؤثرين في تشكيل تطلعات الأجيال الجديدة هو أحد أهم جوانب تأثيرهم التي تتطلب دراسة نقدية مستمرة.
الخاتمة: نحو فهم متوازن لدور المؤثرين
في نهاية المطاف، الإجابة على سؤال ما إذا كان المؤثرين هم الصحافة الجديدة أم مجرد واجهة إعلانية ليست بسيطة أو ثنائية. الحقيقة تكمن في منطقة رمادية معقدة. إن ظاهرة المؤثرين هي طيف واسع يضم نماذج متعددة. في أحد طرفي الطيف، نجد المؤثرين الذين يمارسون بالفعل دوراً شبه صحفي، حيث يقدمون تحليلات قيمة، ويغطون الأحداث الهامة، ويدافعون عن قضايا عادلة، مستفيدين من استقلاليتهم للوصول إلى جماهير واسعة. وفي الطرف الآخر، نجد الغالبية التي تعمل كأدوات تسويقية متطورة، حيث يكون المحتوى الذي يقدمونه مصمماً في المقام الأول لخدمة الأهداف التجارية للعلامات التجارية التي يتعاونون معها.
إن المؤثرين ليسوا صحافة بالمعنى التقليدي للكلمة، فهم يفتقرون إلى الأطر المهنية والأخلاقية التي تضبط العمل الصحفي. وفي الوقت نفسه، هم أكثر من مجرد لوحات إعلانية متنقلة، لأن نجاحهم يعتمد على بناء علاقة شخصية وثقة حقيقية مع جمهورهم، وهو ما يتجاوز الإعلان التقليدي. ربما الوصف الأدق هو أن المؤثرين يمثلون فئة إعلامية هجينة جديدة، وليدة العصر الرقمي، تجمع بين عناصر الصحافة والترفيه والتسويق الشخصي والتجارة.
إن مستقبل المؤثرين سيعتمد على قدرة هذا النظام البيئي على تطوير آليات للمساءلة والشفافية. مع تزايد وعي الجمهور ونضجه، سيزداد الطلب على المصداقية والأصالة، وسيتمكن المتابعون من التمييز بشكل أفضل بين المحتوى القيم والإعلان المقنع. كما أن ظهور تشريعات وقوانين تنظم عمل المؤثرين، وتلزمهم بالكشف عن علاقاتهم التجارية، سيساهم في جعل هذا المجال أكثر نضجاً ومسؤولية. وفي نهاية المطاف، تقع المسؤولية على عاتق المستهلكين أنفسهم، ليتعاملوا مع محتوى المؤثرين بعين ناقدة، ويدركوا أن وراء كل صورة مصقولة ومنشور جذاب، هناك دائماً قصة أكثر تعقيداً ودوافع متعددة تستحق التفكير والتحليل. إن عالم المؤثرين هو انعكاس دقيق لعصرنا: سريع، تجاري، شخصي، ومعقد بشكل لا يصدق.