محمية البلعاس: جوهرة التنوع الحيوي في ريف حماة الشرقي

مقدمة
على تخوم البادية السورية تتلألأ جوهرة خضراء اسمها محمية البلعاس؛ فضاء طبيعي يجمع ذاكرة المكان بثراءٍ بيولوجي نادر. تمتد محمية البلعاس في الجهة الجنوبية الشرقية من محافظة حماة بمحاذاة طريق عقيربات–تدمر، وتشكل جزءاً من السلسلة التدمرية، حيث تتعاقب التلال والسهول والوديان الموسمية في لوحة جغرافية تُغذيها أمطار الشتاء وتُقسيها شمس الصيف، لتصنع موطناً مثالياً للأنواع الجفافية. هنا تتصدر شجرة البطم الأطلسي المشهد بوصفها أيقونة الغابة الجافة، ترافقها أنواع شجيرية مثل السوّيد الفلسطيني والطرفاء واللوز والتين البري، وعلى الأرض بساط من النباتات العطرية والطبية كالشيح والزعتر البري والقيصوم والمريمية والقبار، إلى جانب نباتات رعوية تمنح المنطقة قيمة اقتصادية وبيئية. ولا تتوقف فرادة محمية البلعاس عند النباتات؛ إذ تؤوي طيفاً واسعاً من الحياة البرية والطيور مثل الذئب والضبع السوري والثعلب وابن آوى والقط البري والحجل والقطا والهدهد والبوم والعقاب. وبفضل تقسيمها إلى مناطق نواة وحزام حماية، وبرامج التحريج باستخدام الأنواع المتحملة للجفاف كالسرو والصنوبر والبطم، تعيد محمية البلعاس بناء توازنها الطبيعي خطوة بخطوة. لذلك تُعد محمية البلعاس مختبراً حياً للتنوع الحيوي ووجهة واعدة للسياحة البيئية والتعليم الميداني، وفرصة حقيقية لإحياء غابة البطم الأطلسي وصون الإرث الطبيعي لريف حماة الشرقي.
نظرة عامة
تُعد محمية البلعاس واحدة من أبرز الوجهات الطبيعية في ريف حماة الشرقي، إذ تتخذ موقعاً مفصلياً على حافة البادية السورية وتجمع بين إرث بيئي عريق وتنوع حيوي فريد. بفضل ما تحتضنه من نباتات حراجية ونباتات رعوية وطيور وحيوانات برية، اكتسبت محمية البلعاس صفة الحاضنة الطبيعية للتنوع الحيوي في المنطقة. ومع ما شهدته من تحديات، لا تزال محمية البلعاس تمثل ركيزة للبحث البيئي والسياحة المسؤولة وحماية الغطاء النباتي الأصلي.
الموقع والجغرافيا
تقع محمية البلعاس في الجهة الجنوبية الشرقية من محافظة حماة، بمحاذاة الطريق الواصل بين بلدة عقيربات ومدينة تدمر، وتتبع إدارياً لمنطقة سلمية. وتظهر تباينات في تقدير المساحة والارتفاع تبعاً للمصادر، إذ ترد تقديرات لمساحة تتراوح تقريباً بين 12 و35 ألف هكتار، بينما يرد متوسط ارتفاع بنحو 708 متر مع نقاط قد تقترب من 920 إلى زهاء 1100 متر فوق سطح البحر. يتسم الجبل بتضاريس متموجة وسهول وهضاب ومساحات مسطحة، وتربة كلسية خفيفة القوام؛ تكون عميقة في المجاري والوهاد، وأكثر سطحية على السفوح، مع بقع صخرية متفرقة. هذا الموقع يجعل محمية البلعاس حلقة وصل بين البادية والسهول الزراعية، ويمنح محمية البلعاس دوراً بيئياً فريداً يفسر غناها بالنباتات الرعوية والطبية. كما أن قرب محمية البلعاس من التجمعات السكانية والطرق الرئيسية يعزز فرص البحث العلمي والسياحة البيئية.
المناخ وخصائص الطقس
تسود المنطقة نمط مناخي يغلِّب فصلين واضحين: صيف طويل دافئ إلى حار يمتد من نيسان حتى تشرين الأول مع سطوع شمسي مرتفع، وشتاء بارد ذي رياح نشطة وأمطار محدودة غالباً بين 100 و150 ملم سنوياً، وقد تسجَّل كميات أعلى في بعض السنوات والمواقع. هذا التباين صنع بيئة قاسية نسبياً للنباتات، ما يفسّر هيمنة الأنواع الجفافية وقدرتها على التكيّف. أفضل مواسم الزيارة تكون في الربيع وبدايات الخريف حين تزهر المراعي وتعتدل الحرارة، وهو توقيت يتيح الاستمتاع بقيم محمية البلعاس الطبيعية مع الحفاظ على سلامة المسارات. ويسهم هذا المناخ في تحديد برامج التحريج والإدارة المستدامة داخل محمية البلعاس.
لمحة تاريخية وتحولات الغطاء الحيوي
تاريخياً، كانت في قلب محمية البلعاس بيئة شجرية كثيفة تقودها أشجار البطم الأطلسي وأنواع خشبية أخرى، قبل أن تتعرض لضغوط بشرية طويلة الأمد. كان جبل البلعاس يغطيه غطاء شجري وافِر من البطم الأطلسي وأنواع شجيرية وخشبية كالسّوّيد الفلسطيني واللوز البري والخوخ والأجاص، مع طبقة سفلى ثرية بالأعشاب المعمرة والرعوية. هذا التنوع وفر ملاذاً متوازناً للحيوانات العاشبة والمفترسات والطيور. غير أن فترات من الاحتطاب والرعي المكثف عبر عقود طويلة أفضت إلى انحسار الغابات وتحول أجزاء واسعة إلى أراضٍ شبه عارية، ولم يبقَ سوى أشجار معمّرة متباعدة ترافقها شجيرات منخفضة النمو. ومع ذلك، أظهرت مراقبات ميدانية حديثة مؤشرات لاستعادة تدريجية للغطاء النباتي حيثما توفرت الحماية. ويختصر مسار محمية البلعاس قصة نظام بيئي تعرض لضغوط ثم بدأ يتعافى، ما يجعل محمية البلعاس مثالاً دروسه مهمة لكل برامج الإدارة الرعوية. كما أن ارتباط محمية البلعاس بذاكرة المجتمع المحلي يمنح عمليات الاسترداد البيئي بعداً اجتماعياً وثقافياً.
الأهداف والإدارة وأساليب الحماية
ترتكز إدارة المنطقة على هدف رئيس هو صون مجتمع البطم الأطلسي كنموذج للغابات الجفافية في البادية السورية، بالتوازي مع حماية الحياة البرية وتعزيز التنوع الوراثي للأنواع المتكيفة مع الشح المائي. تعمل الجهات المعنية على تكثيف إجراءات الحماية من الرعي غير المنظّم وقطع الأشجار والصيد، بما يتيح للنظام البيئي استعادة تجديده الطبيعي تدريجياً. كما يجري تنفيذ تحريج اصطناعي لإعادة تأهيل المساحات المتدهورة، وإنتاج غراس البطم في مشتل حراج عقيربات، إضافة إلى التأسيس للسياحة البيئية كرافعة توعوية واقتصادية. إن وضوح هذه المقاربة يجعل محمية البلعاس نموذجاً عملياً للتعامل مع النظم الجافة، كما يدعم تحويل محمية البلعاس إلى وجهة للتعليم البيئي. وتأتي هذه الجهود ضمن إطار إداري يتبع منطقة سلمية، بما يضمن استمرارية برامج المتابعة داخل محمية البلعاس.
الغطاء النباتي: أشجار معمّرة وأعشاب رعوية وطبية
في محمية البلعاس يشتهر الجبل بتنوع نباتي لافت تقوده شجرة البطم الأطلسي، التي كانت تنتشر بكثافة تاريخياً من عقيربات غرباً حتى تخوم تدمر شرقاً، قبل أن تتراجع بفعل القطع الجائر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. اليوم تبدو الشجرة الأم رمزاً للصمود؛ تنتشر بشكل متناثر على معظم السفوح وتزداد كثافتها في بعض الوديان، إلى جانب حضور أشجار متفرقة من التين البري واللوز والسنديان، مع شجيرات مثل السوّيد الفلسطيني والطرفاء والدفلى والسماق.
وتضم السهول والسفوح سجلاً واسعاً من الأعشاب الرعوية والطبية والعطرية، من بينها القبار بنوعيه، والشيح الأبيض، والزعتر البري، والقتاد، والجعدة، والخردل، والثوم البري، وشقائق النعمان، والقيصوم، والمريمية، والختمية البيضاء، والعَصْلَج، إلى جانب نباتات المراعي كالروثا والشوفان والشعير البري والحرمل والشنّان والتينة والخافور. هذا التنوع يفسر لماذا تعد محمية البلعاس مرجعاً للنباتات الجفافية، وكيف يمكن أن تصبح محمية البلعاس ركيزة لإعادة تأهيل الموائل شبه الجافة، خاصة عندما تتكامل جهود المجتمع المحلي مع برامج التحريج في محمية البلعاس. كما تمنح ثمار البطم استخدامات تراثية واقتصادية، وهو ما يعزّز فرص المنتجات القائمة على موارد محمية البلعاس.
الحياة البرية والطيور: شبكة توازن طبيعي
تحتضن المنطقة طيفاً واسعاً من الثدييات والطيور والزواحف. تشمل الثدييات الذئب والضبع السوري والثعلب وابن آوى والقط البري، بينما سُجّل وجود الغزال السوري تاريخياً على شكل قطعان قبل أن يتراجع بفعل الصيد. وفي السماء وعلى الشعاب تظهر أنواع مثل الحجل الجبلي والقطا والهدهد والقبرة الصياح والمطوّق واليمام والحمام البري والعصافير المتنوعة والبوم والعقاب. كما تنتشر القوارض كالأرانب البرية والجرذان والفئران، إضافة إلى الأفاعي والسحالي.
يستدعي هذا التنوع إدارة دقيقة لمواسم الرعي والزيارة للحفاظ على توازن السلاسل الغذائية. ومع نمو الغطاء النباتي، يُتوقع أن تستعيد محمية البلعاس جزءاً من وفرة الحياة البرية، ما يتيح مشاهدات طبيعية أوسع للزوار والباحثين. وتُعد البيانات التي تُجمع ميدانياً داخل محمية البلعاس أساساً لتحديث خطط الحماية. كما أن توعية المجتمعات المجاورة بدور محمية البلعاس في حماية الكائنات تسهم في خفض الضغوط على الموائل في نطاق محمية البلعاس.
الوديان والمجاري الموسمية
يشق الجبل عدد كبير من الأودية التي تتحول في مواسم الهطل إلى مسيلات مائية تغذي التربة وتدعم التجدد الطبيعي. من أبرزها: وادي أبو رياف–الأكيرع بطول يقارب 5 كم ويتجه نحو صرة حويسيس، ووادي فنّوش الباذنجان بنحو 10 كم، ووادي ملوح المصقرة بطول مماثل يصب شمالاً في المصقرة، ووادي الطريق العام حتى المقلع (فرع الرمان) بطول يقارب 15 كم متجهاً إلى بستان صبيح ومنها إلى أم قبيبة، إضافة إلى وادي المقلع نحو الغرب (المزرور) المتجه أيضاً إلى بستان صبيح، ووادي حوايا العمور المتجه إلى المصقرة، إلى جانب أودية فرعية تصب جميعها في الشبكة الرئيسة.
هذه الشبكة الهيدروغرافية هي العمود الفقري لنجاح التحريج، إذ تتركز على جوانبها جهود الزراعة والري الأولي، وتُعد محمية البلعاس نموذجاً لاستثمار المسيلات في تثبيت الغراس. كما يشكّل انتظام الجريان الموسمي سبباً مباشراً لازدهار الأنواع العطرية والحمول الرعوية في محيط محمية البلعاس، ما يبرر تخصيص ممرات مرور للماشية خارج مناطق التحريج في محمية البلعاس.
التقسيم الداخلي ومناطق الحماية
قُسِّمت المنطقة إلى ثلاث وحدات وظيفية لضمان إدارة مرنة وفعالة:
- النواة الأولى: قطاع طبيعي تتوزع فيه أشجار البطم الأطلسي المعمّرة، وتظهر فيه ظاهرة التجدد الطبيعي بشكل واضح.
- النواة الثانية: مجال مختلط يجمع بين البطم الطبيعي ومواقع تجدد، وتشهد هذه المنطقة أعمال استصلاح وتحريج لإعادة تأهيل البقع الجرداء.
- النواة الثالثة: حزام حماية يطوّق المنطقتين السابقتين ويُراعى فيه الاستخدام الرعوي بضوابط تمنع الإضرار بالتجدد.
يساعد هذا التقسيم في تركيز الجهود حيث تكون الحاجة أكبر، ويجعل محمية البلعاس أكثر قدرة على مقاومة الصدمات البيئية. كما يتيح لبرامج المراقبة قياس أثر التدخلات في كل منطقة على حدة، ما يدعم اتخاذ القرار داخل محمية البلعاس. ومع اتساع قاعدة البيانات، تُصبح محمية البلعاس نموذجاً قابلاً للتعميم على محميات البادية الأخرى.
التحديات والضغوط البشرية
تواجه المنطقة ضغوطاً مزمنة أبرزها الرعي الجائر والاحتطاب غير المشروع، إضافة إلى محاولات التوسع العمراني المخالف في بعض الهوامش. وقد تفاقمت هذه التحديات خلال سنوات الاضطراب، مع تراجع نظم الحماية وضعف التجهيزات والكوادر الميدانية، ما انعكس على الغطاء النباتي والحياة البرية. وتظهر تقارير ميدانية تبايناً في أعداد أشجار البطم المعمّرة المتبقية بين فترة وأخرى نتيجة اختلاف مستويات الحماية. هذه الصورة تدعو إلى وضع خطة صارمة لإدارة الرعي وتنظيم دخول الزوار، كي لا تُفقد مكتسبات الاستعادة التي حققتها محمية البلعاس في الأعوام الأخيرة. كما أن رفع الوعي لدى المجتمعات الرعوية حول قيمة محمية البلعاس خطوة أساسية لتقليل الضغوط. وتبقى إزالة المخاطر المتبقية من مخلّفات النزاعات عنصراً حاسماً لضمان أمان الحركة في نطاق محمية البلعاس.
الاستعادة البيئية والتحريج: من الفكرة إلى الحقل
شهدت السنوات الماضية تطبيق برامج تحريج اصطناعي تعتمد أساساً على الأنواع المتحملة للجفاف مثل السرو والصنوبر، إلى جانب البطم الأطلسي بوصفه الركيزة المحلية. وتتم رعاية الغراس في أعمارها الأولى بريٍّ داعم وحماية من الرعي والقطع، وقد أظهرت القراءة الأولية للنتائج نسب نجاح مشجعة، لا سيما في مواقع البطم. كما يجري رفد مواقع الزراعة بغراس منتَجة في مشتل عقيربات، مع التوسع التدريجي على جوانب المسيلات حيث ترتفع فرص الترسيخ.
هذا النهج العملي يرسخ مكانة محمية البلعاس كمنصة تعلم ميدانية لزراعة الأنواع الجفافية، ويزيد جاذبية محمية البلعاس لدى المؤسسات الأكاديمية والمانحين. وتؤكد نتائج المتابعة أن استمرارية الحماية ستضاعف معدلات التجدد الطبيعي داخل محمية البلعاس.
السياحة البيئية والمسارات المقترحة
تتمتع المنطقة بمقومات سياحة بيئية مميزة تجمع بين المشاهد الجبلية والسهول والوديان، إلى جانب رصيد نباتي وحيواني يجعل الزيارة تجربة تعليمية وترفيهية في آن. يمكن اقتراح مسارات قصيرة على جوانب الأودية الغربية حيث تتجاور الشجيرات العطرية ومواقع الغراس الجديدة، ومسارات أطول نحو الهضاب الجنوبية لإطلالات بانورامية. من الضروري التنسيق المسبق مع الجهات المسؤولة، والالتزام بالممرات المحددة، وعدم إشعال النار خارج النقاط المسموحة.
وعلى الراغبين بالتصوير أو رصد الطيور اختيار ساعات الصباح الباكر أو قبيل الغروب. إن تطوير الضيافة الريفية وعروض المنتجات النباتية المحلية سيسهم في جعل محمية البلعاس وجهة مثالية لعشاق الطبيعة، كما يعزز اقتصاد المجتمعات المحيطة بمحمية البلعاس.
خاتمة
حماية هذه الجوهرة البيئية مسؤولية مشتركة؛ فالاستمرار في تطبيق إجراءات الحماية والتحريج وتفعيل الشراكات المحلية سيضمن استعادة التوازن الطبيعي وإبراز القيمة العلمية والسياحية التي تتميز بها محمية البلعاس.
في المحصلة، تُجسّد محمية البلعاس درساً بليغاً في صمود الطبيعة وقدرتها على التعافي متى توفرت الحماية والإدارة الرشيدة. بين أوديتها التي تُنعش التجدد الطبيعي وموائلها التي تحتضن النباتات الجفافية والحياة البرية، تمضي محمية البلعاس نحو استعادة ألقها عبر التحريج المنظّم وتفعيل السياحة البيئية المسؤولة. ولتبقى محمية البلعاس رئة خضراء ومختبراً مفتوحاً للعلم والسياحة، لا بد من تعزيز إجراءات الحماية، وتنظيم الرعي، وردع الصيد والاحتطاب، وإشراك المجتمع المحلي في جهود الاستدامة. إنها دعوة إلى زيارة واعية تحترم المسارات وتلتزم الإرشادات، وإلى دعم مبادرات الاستعادة التي تعيد للبادية السورية صورتها المشرقة. هكذا تتحول محمية البلعاس من قصة فقدان إلى حكاية تعافٍ تُلهم الأجيال وتضمن استمرار التنوع الحيوي في قلب ريف حماة الشرقي.
الأسئلة الشائعة
- ما موقع محمية البلعاس وحدودها الإدارية وأبرز معطياتها المكانية؟
- تقع في الطرف الجنوبي الشرقي من محافظة حماة، بمحاذاة طريق عقيربات–تدمر، وتتبع إدارياً لمنطقة سلمية. تُعد جزءاً من السلسلة التدمرية. تختلف تقديرات المساحة تبعاً للمصدر والمنهجية بين قرابة 22,800 وحتى 35,000 هكتار، بمتوسط ارتفاع يقارب 708 متراً مع مواقع أعلى قد تلامس 900–1100 متر. تضاريسها متموجة مع أودية ومسيلات موسمية، وتربتها كلسية خفيفة، عميقة نسبياً في المجاري، وأسطحية على السفوح.
- لماذا صُنِّفت محمية، وما الإطار القانوني الناظم لإدارتها؟
- صُنِّفت لحماية مجتمع البطم الأطلسي كنموذج لغابات جفافية نادرة، ولصون الحياة البرية والتنوع الوراثي للأنواع المتكيفة مع الشح المائي. تندرج ضمن المحميات البيئية الحراجية الخاضعة لأنظمة الحراج واللوائح الوزارية الناظمة (منها قرارات تنظيمية صدرت مطلع الألفية الثالثة)، ما يفرض ضوابط للرعي والاحتطاب والصيد ويحدد صلاحيات الحماية والإدارة.
- ما الذي يميز الغطاء النباتي في محمية البلعاس وكيف تكوّن عبر الزمن؟
- تاريخياً كانت المنطقة مكسوة بغابة كثيفة تقودها أشجار البطم الأطلسي مع أنواع خشبية وشجيرية مرافقة. أدى الضغط البشري (الاحتطاب والرعي المكثف) إلى تحوّل أجزاء واسعة إلى موائل شبه جرداء، مع بقاء أشجار معمرة متفرقة وتجدّد طبيعي ملحوظ على ضفاف المسيلات. يتألف الغطاء الحالي من: البطم الأطلسي، التين البري، اللوز والسنديان متفرقين، شجيرات السوّيد الفلسطيني والطرفاء والدفلى والسماق، وأعشاب رعوية/طبية مثل الشيح الأبيض، الزعتر البري، القيصوم، المريمية، القبار، الختمية البيضاء، الجعدة، الروثا، الشوفان والشعير البري، الحرمل والشنّان.
- ما حالة التنوع الحيواني والطيور في المحمية؟
- تضم ثدييات مثل الذئب، الضبع السوري، الثعلب، ابن آوى، والقط البري. سُجّل وجود الغزال السوري تاريخياً وتراجعت أعداده بفعل الصيد. الطيور تشمل الحجل الجبلي، القطا، الهدهد، القبرة الصياح، المطوّق، اليمام والحمام البري، العصافير، البوم والعقاب. وتوجد قوارض (الأرنب البري، الجرذان، الفئران) وزواحف (أفاعٍ وسحالي). تحسّن الغطاء النباتي يرتبط مباشرةً بعودة التوازن الغذائي واتساع الموائل.
- كيف تُقسَّم المحمية إلى مناطق وظيفية وما جدوى هذا التقسيم؟
- تنقسم إلى ثلاث دوائر حماية:
- النواة الأولى: موطن الأشجار المعمرة وتظهر فيها ديناميات التجدد الطبيعي بصورة أوضح.
- النواة الثانية: مجال مختلط للتجدد والتحريج والاستصلاح.
- النواة الثالثة: حزام وقاية للنواتين مع ضبط الاستخدام الرعوي.
هذا التقسيم يُيسّر تركيز التدخلات ويتيح قياس الأثر البيئي وإدارة الضغوط مكانياً.
- ما خصائص المناخ المحلية، وكيف تؤثر في الإدارة البيئية؟
- يسود مناخ جاف بمدى حراري واضح: صيف طويل حار ومشمس (نيسان–تشرين الأول) وشتاء بارد مع أمطار محدودة إجمالاً (نحو 100–150 ملم سنوياً). هذه الشروط تفرض اختيار أنواع جفافية، اعتماد الري الداعم للغراس في أعمارها الأولى، حماية المواقع الحساسة في مواسم الجفاف، وتوقيت عمليات الزراعة على حواف المسيلات لتعظيم فرص الترسيخ.
- ما أبرز التحديات البيئية الراهنة وتأثيراتها؟
- الرعي غير المنظم والاحتطاب والصيد أبرز الضغوط، مع آثار متراكمة لنقص الحماية خلال فترات الاضطراب. تؤدي هذه العوامل إلى تفكك الموائل، تراجع التجدد الطبيعي، وانخفاض وفرة بعض الأنواع. كما أن بعض المناطق احتاجت لإجراءات سلامة قبل إعادة فتحها. الاستجابة تتطلب إنفاذاً فعالاً، اتفاقات رعوية تشاركية، وبرامج توعية مجتمعية.
- ما جهود الاستعادة والتحريج ونتائجها المبكرة؟
- طُبّقت برامج تحريج باستخدام أصناف متحملة للجفاف (السرو، الصنوبر) مع البطم الأطلسي بوصفه الركيزة المحلية. شملت الإجراءات حماية من الرعي والقطع والري المبكر. أشارت قراءات ميدانية إلى نسب نجاح مشجعة للبطم، وظهور تجدد طبيعي على جوانب الأودية. كما يجري رفد المواقع بغراس منتجة في مشتل عقيربات. تقنياً، يجمع النهج بين التحريج الاصطناعي و”الاسترداد الموجّه” لتعزيز التجدد الطبيعي.
- ما مبادئ السياحة البيئية الرشيدة وأفضل مواسم الزيارة؟
- يُنصح بالزيارة في الربيع وبدايات الخريف لتفادي الذروة الحرارية وحماية الموائل في موسم الجفاف. مبادئ الزيارة: الالتزام بالمسارات المحددة، عدم إشعال النار خارج النقاط المسموح بها، عدم إطعام الحياة البرية، حمل المخلفات، واحترام هدوء موائل الطيور. يُفضَّل التنسيق المسبق مع الجهات المسؤولة للاطلاع على حالة المسارات وإرشادات السلامة.
- ما فرص البحث العلمي والتعليم الميداني التي تتيحها المحمية؟
- تُعد نموذجاً حيّاً لدراسة النظم الجفافية: ديناميات تجدد البطم، علم البيئة الرعوي، استجابات الموائل للجفاف، مراقبة الطيور، ورسم خرائط الغطاء النباتي بالاستشعار عن بعد. كما تتيح تقييم خدمات النظام البيئي (تثبيت التربة، المأوى الحيوي) ومقاربات الإدارة التشاركية مع المجتمع المحلي. النتائج المتولدة تدعم سياسات التكيّف المناخي وإدارة المناظر الطبيعية الجافة.