تراث مادي

حمام السوق: تراث سوري حيّ يعيد للمدن نبضها

نعيم الدنيا: ذاكرة حيّة وملاذ يومي

منذ عقود طويلة يستعيد السوريون مشهد الماء الدافئ المتصاعد كضبابٍ من القباب المثقبة، فيما تتردد العبارة الشعبية التي رسخت في الوجدان: الحمام نعيم الدنيا. في المدن والبلدات، كان الذهاب إلى حمام عام تقليد أسبوعي يلمّ شمل العائلة أو الأصدقاء، ويمنح الجسد والنفس فسحة من الطمأنينة. لدى جمهور واسع، لم يكن الاستحمام مجرد حاجة صحية، بل كان رحلة قصيرة إلى فضاءٍ من الطقوس واللقاءات والضحكات والروائح والأصوات، وفي قلب هذه التجربة ظل حمام السوق عنواناً جامعاً لعاداتٍ لا تزال تقاوم الزمن.

يتوارث الناس قصص الحمّامات جيلاً بعد جيل؛ أمهاتٌ يرددْنَ أمثال الجدّات، وذاكرة ممتدة من أوائل القرن العشرين بين المدن السورية والمدن الأناضولية، حيث يلتقي إيقاع الماء بحكايات النساء والرجال في فضاءات معمارية تنطق بالحياة. كثيرون عرفوا أولى خطواتهم نحو العالم الاجتماعي من خلال حمام السوق، إذ كان المكان مفتوحاً للجميع على اختلاف الطبقات، محطةً للريفّي القادم لإنجاز عمله في المدينة كما هو للسكان المحليين، ولكلٍ متّسع من الوقت وفسحة للاستراحة.

لم يكن الفرح حكراً على المنازل، بل وجد مكاناً مختلفاً داخل حمامات عامة تحتضن جلسات الإنشاد والرقص البهيج والأكلات الشعبية، وطقوس ما قبل الزواج وما بعد الولادة، وأسئلة السوق وأخبار الحيّ. في مشهدٍ واحد تتجاور رائحة صابون الغار مع بخار الماء ونداءات الدلّاك، فيتشكّل عالمٌ صغير نابض بالحياة، وسط دفء حجارةٍ عرفت أقدام كل الأجيال. هناك، كانت الاستقبالات النسائية تلمع بمرحها، واللقاءات الرجالية تمضي في نقاشاتها، بينما يبقى حمام السوق ذاكرةً حيّة تستعيدها المدن كلما ضاقت بها الأيام واحتاجت إلى لمّة دافئة.

من الإغريق إلى الشام: جذور ممتدة لفكرة الاستحمام العام

تعود فكرة الحمّامات العامة إلى الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم انطلقت مع الحضارة الرومانية نحو مساحات أوسع وتنظيم أدق للفضاءات الحرارية والمائية، قبل أن تصل إلى بلاد الشام وتتماهى مع روح المكان وتقاليده. ومع توالي العصور، تبلورت صورة المكان الذي سيعرف لاحقاً باسم حمام السوق بوصفه مؤسسةً مدينية تجمع بين الوظيفة الصحية والبعد الاجتماعي.

نقرأ آثار تلك المرحلة في حمّامات ضخمة ومتقنة التخطيط في تدمر وبصرى وسرجيلا وشهبا، حيث تتجاور الأقسام الباردة والفاترة والحارة في منظومة تسخين ذكية، وتؤطرها قباب مضاءة بفتحاتٍ صغيرة تحاكي النجوم. كانت تلك النماذج صدى مباشراً لفنون الاستحمام العام الروماني التي أسست لتجربة حضرية معقّدة، ووضعت اللبنات الأولى لما سيصبح لاحقاً أسلاف حمام السوق في مدن الشام.

ثم جاءت العمارة الإسلامية لتعيد صوغ الفكرة وفق رؤيتها الجمالية والاجتماعية، فحافظت على التقسيمات الأساسية، وأضافت إليها ما ينسجم مع القيم المحلية. ظهرت حمامات مستقلة تستقبل عامة الناس، وأخرى ملحقة بالقصور وبيمارستانات، لتتسع خريطة المدن لهذه المنشآت التي تحولت إلى جزء من يوميات أهلها، وتواصل فيها الإرث الروماني مع حساسية فنية جديدة حافظت على روح حمام السوق وأضافت إليها زخارف وزينة وخدمات تناسب المجتمع.

هندسة الدفء والضوء: البراني والوسطاني والجواني

يتشابه التخطيط العام للحمام الإسلامي في مدن سوريا مع اختلافاتٍ تفصيلية، إذ يبدأ المسار من قاعة الاستقبال أو البراني، وهي فراغ فسيح غالباً ما يتوسطه نافور ماء وتتوجّه قبابه الصغيرة للسماء. عند العتبة الأولى تُخلع أثقال الشارع وتبدو القبة كسماءٍ داخلية تتناثر فوقها شظايا الضوء من فتحاتٍ زجاجية صغيرة. هناك، يبدأ المشهد الذي يعرّف هوية المكان: ثيابٌ تستبدل، وأحاديثٌ تتدفق، وأكواب شايٍ تتبخر مع الرطوبة، في صورةٍ هي المهاد الحميم الذي تنطلق منه تجربة حمام السوق.

من البراني يتقدّم المستحمون إلى الوسطاني، حيث الحرارة معتدلة والرطوبة أقل حدّة، وتتكاثف الروائح العطرة في المنافذ والمحراب الصغير، ثم إلى الجواني الذي يحتشد فيه البخار وتشتد فيه حرارة الأرض والهواء. تتوزع الأحواض والجران في مقاصير وأواوين تحيط بالمكان، لكل مقصورة طقسها ودرجتها وتوقيتها، ويستجيب الجسد تدريجياً للتبدّل الحراري. في هذا الانتقال التدريجي يجد روّاد حمام السوق معنى التروّي والتهيئة قبل الجلوس إلى الدلّاك أو الانغماس في الماء الدافئ.

خلف الجدران، يعمل موقد النار وغرفة التسخين، حيث يجتهد القميمي في تزويد الأتون بالوقود ليحافظ على الدورة الحرارية، وتنتقل المياه الساخنة عبر قنواتٍ محكمة إلى الجواني. يجتمع العلم الشعبي بالتجربة، والمهارة اليدوية بحسّ المكان، لتتشكل آلةٌ معمارية دقيقة تُبقي الحرارة موزّعة والضوء محسوباً والرطوبة مضبوطة. بهذه الآلية الصامتة ينهض حمام السوق كجهازٍ حراري ومعماري متكامل، يمنح الداخلين إليه توازناً جسدياً وراحةً نفسية.

دمشق: شبكة حمّامات تحرس روح المدينة القديمة

في قلب دمشق القديمة وعلى أطرافها، انتشرت الحمّامات العامة مجاورةً للمساجد والمدارس والخانات، وامتد وجودها مع توسّع المدينة خارج أسوارها نحو الشمال على محور فروع نهر تورا. هناك تتجاور الحياة اليومية بمنمنماتها مع عراقة الحجر، فيتولد مشهدٌ مديني لا يكتمل إلا بصوت الماء وظلال القباب. وسط هذا النسيج الحيّ، كان حمام السوق نقطة التقاطٍ للّقاءات وأزمنة المدينة.

يقف حمام الملك الظاهر إلى جوار المدرسة الظاهرية، شاهداً على تواشج العلم والعبادة والاستحمام العام، فيما خدم حمام نور الدين الشهيد في سوق البزورية تجار القوافل وزوار الخانات، مؤدياً دوراً محورياً في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية بوصفه حمام السوق الأبرز للأحياء المحيطة. وعلى امتداد محور تورا في الشمال، يظهر حمام أمونة واحداً من خمسة حمّامات لا تزال قيد الاستخدام، يُسمع فيها وقع القباقيب الخشبية ونداءات العمّال.

وخارج السور، تبرز حمّامات صالحية دمشق مثل حمامي المقدم وعبد الباسط، بينما يلمع نموذجٌ عثماني بديع في حي الميدان هو حمام فتحي، بما يزخر به من واجهاتٍ محفوفة بالزخارف. إلى قرب ساحة المرجة يتقدّم حمام القرماني مثالاً على حمامٍ أعيد إليه نبضه بعد ترميم، واستعاد وظيفته البسيطة والمتينة كـ حمام السوق يخدم سكان المركز وزواره، إلى جانب حمام التيروزي الذي بناه أمير مملوكي وجعل قربه ضريحه، في مجموعة معمارية متكاملة.

حلب: صابون الغار وواجهات الأبلق وقباب تنطق بالفن

في حلب، العاصمة التاريخية للصناعة والتجارة والفنون، اتخذت الحمامات العامة نكهةً خاصّة، إذ أضاف الحلبيون إلى طقس الاستحمام عنصرهم الأشهر: صابون الغار. لا تكاد تخطئ أنفك رائحة الزيت المعتّق وهو يختلط ببخار الماء، لتدرك أن المكان ليس مجرد منشأة للنظافة، بل جزء من هوية المدينة. ومن هنا تعزز حضور حمام السوق كطقسٍ متكامل يجمع النظافة بالجمال، والراحة بالحرفة.

تتوزع في المدينة أمثلة عديدة لحماماتٍ من عصور مختلفة؛ يبرز حمام النحاسين من العصر الأيوبي بقبةٍ مثقبة بفتحات الزجاج، فيما يتقدم حمام يلبغا الناصري بطرازه المملوكي-العثماني وواجهته الأبلق التي تعلوها النوافذ. تعرّضت هذه المعالم وما جاورها لامتحانات قاسية خلال سنوات الحرب، لكنّ جمالها قاوم، فبقيت ملامحها الأساسية، وظلّت قادرة على استقبال روادها. هنا أيضاً ظل نموذج حمام السوق حاضراً في الوعي والممارسة معاً.

وعلى الجانب الآخر، تعرض حمام بهرم باشا لأضرارٍ كبيرة، إلا أن واجهته الشمالية المطلة على الخارج بقيت شاهدة على التطور العثماني في عمارة الحمامات الحلبيّة. هذا الإرث يضع المدينة أمام مسؤولية حفظٍ مضاعفة، إذ يختزن قصة التحوّل من مخططاتٍ رومانية إلى روحٍ إسلامية محلية. وبين يدي الحرفيين والمعماريين، تتجدد الحكاية كلما عاد الناس إلى حمام السوق طلباً لراحةٍ حسية ودفء اجتماعي.

حماة: النواعير تسقي الحمامات القديمة وروّادها

اشتهرت حماة بحماماتها ذات الطراز التراثي المميز، وكان الماء يصلها في الماضي عبر قنوات النواعير التي تلتقطه من نهر العاصي. في الأحياء القديمة، كانت هذه الحمّامات مركزاً للحياة اليومية؛ يُخصّص الصباح للرجال وبعد الظهر للنساء، وتتلاقى الخطى في دروبٍ تقود من السوق إلى عتبة الباب، ثم إلى قاعة الاستقبال المظللة بالقباب. هنا يكتسب حمام السوق معنى المؤسسة الاجتماعية الحقيقية التي تجمع بين حاجات الجسد وفسحة اللقاء.

اليوم، لا يزال عددٌ قليل من حمامات حماة في الخدمة: الدرويشية في حي المرابط وقد أعيد ترميمه أخيراً، الأسعدية المنسوبة إلى أسعد باشا في سوق المنصورية المعروف بسوق الطويل، العثمانية في حي الباشورة إلى جانب ناعورة المأمورية، العبيسي قرب قصر محمد الأرناؤوط حيث يصل إليه الداخل عبر قبوة الحارة، والحلق في سوق الطويل الذي رمّم في السنوات الأخيرة. كما يشهد حمام السلطان شمال جامع نور الدين أعمال ترميم، في أفق إعادة استثماره. في هذه الأمكنة لا يزال حمام السوق يحتفظ بملامحه وطقوسه ومواعيده.

تتألف الحمامات في حماة، كما في عامة المدن السورية، من البراني والوسطاني والجواني، بأقواسٍ وقبابٍ وأرضياتٍ مرصوفة بالرخام. تغيّرت وسائل التسخين من مخلفات المنازل والحطب إلى وقودٍ أكثر أماناً وكفاءة، لكنّ روح الخدمة بقيت كما هي: راحةٌ ودفءٌ واستجمام. يرى الباحثون والروّاد على السواء أن المكان استعاد اهتمام الناس في السنوات الأخيرة، وأن كثيرين وجدوا فيه مهرباً من قسوة الواقع. في حديث لعدد من الروّاد يتكرر توصيف حمام السوق هنا بأنه ملتقى للفولكلور والتراث وذكريات طفولة لا تنطفئ.

من حمص إلى بصرى: خرائط أخرى لحمامات المدن

خارج دمشق وحلب وحماة، تمتد خريطة حمامات عامة في عدد من المدن السورية. في حمص، يبرز الحمام العثماني الذي شهد ترميماً أعاد إليه نبضه ووظيفته الأصيلة كـ حمام السوق يخدم السكان والسياح معاً، إلى جانب حمام الباشا وغيره من المعالم التي تشي بمرحلة تاريخية زاخرة.

في جبلة على الساحل السوري، يحضر حمام التصاوير مثالاً على جمالياتٍ محلية، فيما تحتضن بصرى حمام منجك المملوكي الذي رممته الجهات الأثرية بالتعاون مع المعاهد الدولية وتحول إلى متحفٍ يروي تاريخ الاستحمام العام. وفي السلمية، يقدّم الحمام المملوكي قباباً ذات قطاعات نصف دائرية مدببة، تحفظ روح المكان وتستقبل زوّاره. تتعدد الوظائف بين الاستخدام المتواصل والتحول إلى متاحف أو محال، لكنها تتفق على تخليد جوهر حمام السوق بوصفه جزءاً من الهوية المدينية.

المجتمع داخل قاعة البخار: وظائف اجتماعية وثقافية

تتجاوز قيمة الحمّامات وظيفة النظافة لتلامس أدواراً اجتماعية وثقافية واقتصادية واضحة، ظهرت في تفاصيل الحياة اليومية، كما في مواسم الأفراح والأتراح. في هذا الفضاء المغلق المفتوح في آن، تتشكّل شبكات الثقة وتنعقد الصفقات وتتبادل الأسر خبراتها، ويُصنع جزء من المزاج العام للأحياء القديمة.

1- منصّة لقاء يومية: يتخذ كثير من الرجال والنساء حمام السوق مكاناً ثابتاً لموعد أسبوعي يجمع الأصدقاء أو المعارف أو أبناء الحي، حيث يدور الحديث في شؤون الحياة الصغيرة والكبيرة.

2- جزء من طقوس النساء: قبل الزفاف وبعد الولادة، وجلسات الحنّة وتبادل وصفات الجمال والطب الشعبي، بقي حمام السوق مسرحاً لاحتفالياتٍ حميمة تشارك فيها نساء العائلة والجارات.

3- محطة للمسافرين والريفيين: القادمين إلى المدينة يجدون في حمام السوق استراحة من عناء الطريق قبل متابعة مشاغلهم، يتركون الغبار خلفهم ويدخلون السوق بوجهٍ جديد.

4- وسيط اجتماعي اقتصادي: تجّار الحي وأصحاب الحرف ينسجون علاقاتهم وهم في ضيافة حمام السوق، فتتوطد الثقة وتُختصر مسافات الاتفاق.

5- جماليات معمارية ميسّرة: في البراني والوسطاني والجواني، يستمتع الزائر بدوزنة الضوء والظل وتناسق القباب وأصوات الماء، في مشهدٍ يجعل زيارة الحمام خبرة حسية كاملة.

طقوس الدلك والصابون: عادات لا تزال تنبض

منذ أن تطأ القدم الرخام الدافئ يبدأ طقس التهيئة: النقع بالماء الفاتر، التنفس بعمق في الجو الرطب، ثم الانبساط على بلاطات الجواني. يتقدم الدلّاك بخبرته في التدليك والكيّس، يحرّك الدم في الأطراف والظهر والكتفين، يفرّج عقداً من التعب تتراكم على مدار الأسبوع. تتناثر الروائح بين صابون الغار وزيت الورد والليمون، ويعلو صوت الدعابة في لحظاتٍ متشابكة من الخصوصية والحميمية، بينما يظل الحديث عن أسرار النظافة والجمال جزءاً من ذاكرة حمام السوق.

في القاعة، تتجاور صناديق الخشب التي تحفظ المتاع مع القباقيب والأردية القطنية، ويقف الحلاّق البلدي لتهذيب اللحى وقصّ الشعر على عتبةٍ بين عالمين. تُقدَّم أكواب الشاي الساخن أو شراب السوس والتمر الهندي، ومعها طبق صغير من الحمص أو المعجنات، كأنما تكتمل الدورة الحسية بمذاقٍ بسيط. وتظل الإشارات الصوتية من نداءات العمّال ونقرات الخشب على الحجر جزءاً من موسيقى المكان، حيث تغتسل المدن من تعبها في حمام السوق وتخرج بوجهٍ أكثر صفاء.

اقتصاد الماء والدفء: قطاع صغير بعوائد كبيرة

لم يكن حضور الحمّامات في الأحياء القديمة جمالياً أو اجتماعياً فحسب، بل اقتصادياً أيضاً. فعلى هامشها نشأت وظائف مكمّلة: القميمي الذي يدير غرفة التسخين، والمقهوي الذي يقدّم الشاي والعصائر، والدلّاك والحلاّق والجوّاخ، إلى جانب البنّاء والنجّار والمزخرف الذين يداومون على الصيانة والترميم. تخلق هذه الحلقة دورة عمل صغيرة لكنها ثابتة، ويستند إليها محيطٌ من المتاجر التي تنتعش مع حركة رواد حمام السوق.

في السياحة الثقافية، تشكل الحمّامات التقليدية نقاط جذبٍ لرحلاتٍ داخلية وخارجية، إذ يبحث الزائر عن تجربةٍ محلية أصيلة تتجاوز الفرجة إلى التماس الحسي المباشر. ولا يقتصر الاستثمار على الترميم وإعادة التشغيل، بل يمتد إلى تنظيم الفعاليات والزيارات المدرسية واستعادة طقوس الأعراس بطرقٍ تراعي الخصوصية. لذلك يتجه بعض المستثمرين إلى إحياء حمام السوق ضمن حِزمٍ خدمية متكاملة تعيد إليه جدواه الاقتصادية دون التفريط بروحه.

ولكي تتسع الدائرة، تعمل بعض البلديات والجهات الأهلية على ربط مسارات المشي التراثية بفضاءات الاستحمام العام، وإقرار تسعيرٍ عادل يضمن استدامة الخدمة، وتدريب جيلٍ جديد من العمّال على الحرفة التقليدية. بهذه الأدوات الصغيرة يمكن أن تُستعاد الحيوية من جديد، وأن يصبح المرور على حمام السوق جزءاً من برنامج الزيارة والأسواق، لا مجرد ذكرى من زمنٍ مضى.

من الحرب إلى التعافي: حمامات تصون الذاكرة

عرفت مدنٌ كثيرة في سوريا خسارةً مؤلمة في مكوّناتها العمرانية خلال سنوات الحرب، ولم تكن الحمّامات بمعزلٍ عن ذلك. تعرّض بعضها للتخريب وتحولت أخرى إلى ورشٍ أو مستودعات، فيما نجت نماذج قليلة بأضرارٍ طفيفة أُتيح ترميمها لاحقاً. ورغم الصعوبات، عاد الإقبال تدريجياً إلى بعض المواقع التي تمكنت من إعادة فتح أبوابها، فعاد حمام السوق محفزاً للذاكرة ومكاناً يعيد تدوير الأمل اليومي عبر طقس بسيط.

وبالكاد تخطئ العين ذلك الحرص على التفاصيل الذي يضع الروح قبل الحجر: تنظيفٌ منتظم، إنارة محسوبة، وحفاظٌ على نبرة الدفء. يرى روادٌ كثيرون أن الناس، حين تشتد بهم الحاجة إلى فسحة نفسٍ قصيرة، يلجؤون إلى أبسط الملاذات وأقربها إلى عاداتهم. وسط هذا السياق، توفّر زيارة حمام السوق ملاذاً اجتماعياً مشتركاً، يلمّ شتات اليوم ويعيد وضوح الإيقاع للحياة.

كيف تختبر التجربة لأول مرة: خطوات عملية لزيارة مريحة

الذين يزورون الحمّام للمرة الأولى يحتاجون إلى دليلٍ سريع يختصر عليهم التردد، ويضعهم مباشرة في قلب التجربة. هنا مجموعة خطوات عملية تبدأ قبل الدخول وتنتهي بعد العودة إلى الشارع، وتضمن للفرد رحلة مريحة وآمنة.

1- اختر المكان والوقت: ابحث عن حمام السوق المناسب في منطقتك، وتأكد من أوقات تخصيص الرجال والنساء، واطلع على الخدمات المتاحة مسبقاً.

2- التجهيز البسيط: خذ معك منشفة قطنية نظيفة، وقباقيب أو شبشباً خفيفاً، وثوباً مناسباً، ويمكن الاعتماد على ما يوفره المكان إذا رغبت.

3- بداية هادئة في البراني: عند دخولك حمام السوق ضع متاعك في الصناديق المخصصة، واطلب كأسا من الشاي أو الماء، وخذ دقائق للتأقلم مع الجو.

4- تسلسل الحرارة: انتقل تدريجياً من الوسطاني إلى الجواني، ولا تتعجل التعرض للحرارة العالية، واتبع نصائح العمّال لتجنّب الإرهاق.

5- خدمة الدلك والكيّس: إذا رغبت بخدمة كاملة داخل حمام السوق أخبر الدلّاك بمناطق الشد أو التعب لديك، وتأكد من نظافة الأدوات المستخدمة.

6- ختام مريح: بعد الانتهاء، امنح جسمك وقتاً للراحة في البراني، وتناول مشروباً دافئاً، وتجنب الخروج فجأة إلى هواءٍ بارد.

7- العودة بوجهٍ جديد: قبل مغادرة حمام السوق رتّب متاعك جيداً، وخذ نفساً عميقاً، ثم أعد خطواتك نحو الشارع وقد حملت معك صفاءً لا يتأتّى بسهولة في أماكن أخرى.

صحة الجسد ونظافة الروح: فوائد لا تنفد

من زاوية صحية، توفّر الحمّامات التقليدية فوائد متعددة: تنشيط الدورة الدموية بفضل التعرّق المنظّم، تليين العضلات والمفاصل تحت تأثير الحرارة الرطبة، تحسين نوعية النوم، والتخفيف من التوتر عبر مزيج الهدوء الحراري والطقس الاجتماعي. ومع العناية بالنظافة والتعقيم والتهوية، تتضاعف الفوائد ويتقلص هامش المخاطر. في بيئات مثل حمام السوق يكتسب الجسد فرصة للراحة المنظمة تحميه من إرهاقٍ مزمن أفرزته الحياة المعاصرة.

ينبغي، مع ذلك، مراعاة حالاتٍ صحية خاصة كاضطرابات الضغط والقلب والجلد، حيث يلزم استشارة مختصّ قبل التعرض للحرارة العالية أو البخار لفترات طويلة. ويُستحسن شرب الماء بكمياتٍ كافية خلال الجلسة وبعدها، والحرص على نظافة الأدوات وتبديلها. وعند اعتماد زيارةٍ أسبوعية كجزء من نمط الحياة، يبقى حمام السوق مكملًا صحياً ونفسياً، لا بديلاً عن العناية الطبية عند الحاجة.

ما بعد الترميم: استدامة وحلول ذكية لمستقبل الحمّامات

يتطلب تشغيل الحمّامات العامة بكفاءةٍ عالية تفكيراً جديداً في إدارة الماء والطاقة، خصوصاً في المدن التي تسعى للحفاظ على تراثها دون تحميل المرافق أعباءً مالية ضخمة. يمكن، على سبيل المثال، اعتماد نظم استرداد للحرارة من مياه التصريف، وعزلٍ أفضل للقباب والجدران، وترشيدٍ دقيق للتدفق عبر حنفياتٍ ومنظّمات ذكية، بما يحافظ على جودة الخدمة ويخفض الهدر داخل حمام السوق.

كما يمكن للرقمنة أن تخفف الجهد وتزيد الشفافية: أنظمة حجز إلكترونية تضبط الأعداد وتقلل الازدحام، وسائل دفع رقمية، وتطبيقات تقدّم معلومات عن التاريخ والعمارة والخدمات. يمكن للخرائط التفاعلية والجولات الافتراضية أن تشرح المسارات الداخلية وتتيح للزائرين الاطلاع المسبق على التجربة، وأن تفتح المجال لسياحةٍ تعليمية وثقافية تعرّف الأجيال بتراث المكان، فتجعل قصة حمام السوق متاحة على شاشة الهاتف قبل أن تلامسها الأيدي.

في الخلاصة، يبقى الحمّام العام جزءاً من البنية العميقة للمدينة السورية، لا يقتصر على أداء خدمةٍ يومية بل يصنع قيمةً اجتماعية ورمزية وجمالية. إنّ حماية هذه الفضاءات وإعادة تشغيلها بعقليةٍ مستدامة، وبشراكاتٍ بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المحلي، كفيلةٌ بأن تحفظ الذاكرة وتنعش الاقتصاد وتمنح الناس ملاذاً بسيطاً ومتاحاً. هكذا يمكن أن نضمن أن تظل أبواب حمام السوق مفتوحة على دفءٍ مستمر، وأن تبقى عبارة “الحمام نعيم الدنيا” حقيقةً تُعاش كل يوم، لا مجرد حنين للماضي تتردّد في القصص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى