لماذا لا يسيطر ترمب على مضيق هرمز وينهي الأزمة الحالية؟
قراءة في إستراتيجية "الخنق من البحر" وتجنب مستنقع الاحتلال

نقف اليوم في منتصف نيسان / أبريل من عام 2026 أمام مشهد جيوسياسي يحبس الأنفاس. فبعد أسابيع من القصف المتبادل في حرب “الغضب الملحمي” أو “زئير الأسد”، وتحت مظلة هدنة الثامن من أبريل الهشة التي رعتها إسلام آباد، اختارت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التصعيد من بوابة الاقتصاد بفرض حصار بحري خانق على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز. الهدف المعلن هو منع طهران من فرض رسوم على حركة الملاحة وكسر تعنتها في المفاوضات النووية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في أروقة مراكز الأبحاث العسكرية هو: لماذا يكتفي ترامب بـ “الخنق من البحر” ولا يوجه أوامره للجيش الأميركي بالسيطرة التامة والاحتلال المادي لمضيق هرمز لإنهاء هذا التهديد الاستراتيجي إلى الأبد؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب منا الغوص في أعماق العقيدة العسكرية الأميركية الحالية، والحسابات السياسية الداخلية، والتعقيدات الجغرافية التي تجعل من فكرة “الاحتلال” فخاً إستراتيجياً كارثياً.
جحيم التضاريس ومعضلة الحرب غير المتماثلة
إن السيطرة على أي ممر مائي ضيق لا تتحقق بمجرد نشر السفن في مياهه، بل تستوجب بالضرورة السيطرة الميدانية والاحتلال البري للسواحل المطلة عليه. وهنا الساحل الإيراني المطل على مضيق هرمز ليس مجرد شريط رملي يمكن تطويقه، بل هو سلسلة معقدة من الجبال الوعرة والتضاريس القاسية التي حولتها طهران على مدى عقود إلى قلعة عسكرية محصنة.
هذه السواحل تعج بشبكات عنكبوتية من الأنفاق العميقة المحفورة في قلب الجبال، والتي تخفي منصات إطلاق الصواريخ المضادة للسفن، وأسراب الزوارق السريعة الانتحارية، ومخازن الألغام البحرية. وإن أي محاولة لإنزال قوات مشاة البحرية الأميركية لاحتلال هذه السواحل ستعني الانزلاق الفوري إلى حرب عصابات دموية وحرب غير متماثلة. في هذه البيئة، تفقد التكنولوجيا الأميركية المتقدمة جزءاً كبيراً من تفوقها، وتتحول العملية إلى استنزاف يومي وحرب شوارع جبلية ستكلف الجيش الأميركي خسائر في الأرواح والعتاد لم يشهدها منذ حرب فيتنام.
💡 معلومة جغرافية وعسكرية:
يبلغ عرض مضيق هرمز 33 كيلومتراً فقط، وتحيط به سلسلة جبال وسواحل إيرانية شديدة الوعورة تعج بالتحصينات والأنفاق المضادة للسفن.
هذا التكوين الجغرافي المعقد يجعل من أي غزو بري أميركي عملية استنزاف انتحارية، ومستنقعاً عسكرياً يتفوق فيه المدافع على المهاجم.
الحسابات السياسية الداخلية وعقيدة أميركا أولاً
لا يمكن فصل القرار العسكري الأميركي عن مزاج الناخب في الداخل؛ فلقد بنى دونالد ترامب جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية وشعبيته على وعد إنهاء حروب أميركا الخارجية وتجنب إرسال أبناء الطبقة العاملة الأميركية ليموتوا في أراضٍ بعيدة. ومع استقبال الإدارة الأميركية مؤخراً لجثامين عدد من الجنود الذين سقطوا خلال التصعيد الأخير، أصبح الرأي العام الأميركي شديد الحساسية تجاه أي مغامرة برية جديدة.
وإن الاحتلال البري لمضيق هرمز يتناقض جذرياً مع عقيدة “أميركا أولاً”. فالناخب الأميركي قد يتقبل فكرة تحريك حاملات الطائرات وفرض حصار من مسافة آمنة، لكنه سيرفض بشدة مشاهدة النعوش العائدة من مستنقع بري جديد في الشرق الأوسط. هذا الاستنزاف البشري سيمثل انتحاراً سياسياً للإدارة الحالية، وسيدمر رصيدها الداخلي بشكل لا يمكن تعويضه.
اقتصاديات الخنق بديلاً عن كلفة الغزو
من منظور اقتصادي بحت، يرى المخطط الإستراتيجي الأميركي، وعلى رأسهم شخصيات مثل نائب الرئيس جي دي فانس الذي صاغ مصطلح مواجهة “الإرهاب الاقتصادي” الإيراني، أن تحقيق الهدف يمكن إنجازه بأقل كلفة ممكنة. الغزو والاحتلال يتطلبان ميزانيات تريليونية لتأمين خطوط الإمداد، وإدارة الأراضي المحتلة، ومواجهة حركات التمرد المستمرة.
في المقابل، تستغل الولايات المتحدة نقطة تفوقها الأبرز، وهي الهيمنة البحرية المطلقة في المياه المفتوحة. عبر نشر المجموعات القتالية في خليج عُمان وبحر العرب، يمكن للبحرية الأميركية تفتيش واعتراض السفن وخنق شرايين الاقتصاد الإيراني بالكامل بتكلفة مادية وبشرية تقارب الصفر مقارنة بالعمليات البرية. هذا “الخنق عن بُعد” يحرم طهران من عائداتها ويضعها تحت ضغط داخلي هائل، محققاً أهداف الحرب دون تكبد فاتورتها الباهظة.
💡 معلومة إستراتيجية واقتصادية
يعتمد الحصار البحري الذي فرضه ترامب على نشر حاملات الطائرات في خليج عُمان لخنق موانئ طهران ومنعها من جني رسوم الملاحة.
تهدف هذه الخطوة لاستغلال التفوق البحري الأميركي في المياه المفتوحة لإجبار إيران على التنازل نووياً دون خسارة جندي أميركي واحد على الأرض.
إبقاء الباب الدبلوماسي موارباً وتجنب الانفجار النووي
على الرغم من انهيار مفاوضات إسلام آباد، إلا أن إطار الهدنة الباكستانية لا يزال يمثل خيطاً رفيعاً يفصل المنطقة عن حرب إقليمية شاملة لن تبقي ولن تذر. في لغة الجيوسياسة، يعد الحصار البحري أداة ضغط قاسية ولكنها “قابلة للعكس”؛ فبمجرد رضوخ طهران لشروط الملف النووي، يمكن للسفن الأميركية أن تنسحب وتفتح المسارات في اليوم التالي.
أما الغزو والاحتلال، فهو خطوة “غير قابلة للعكس” بسهولة. فالتعدي على السيادة الإقليمية الإيرانية باحتلال أراضيها سيغلق باب الدبلوماسية للأبد، وسيدفع القيادة الإيرانية إلى اعتبار المعركة معركة وجودية خالصة. وإن الخوف الأكبر في واشنطن وتل أبيب هو أن تؤدي خطوة يائسة كهذه إلى تسريع طهران لبرنامجها النووي وإنتاج قنبلة ذرية كخيار أخير للردع، أو إطلاق ترسانتها الصاروخية الإستراتيجية بأكملها نحو حلفاء واشنطن في الخليج وإسرائيل، مما سيحيل المنطقة إلى رماد.
في الختام، يمثل قرار ترامب بالاكتفاء بالحصار البحري ممارسة لأقصى درجات الضغط ضمن الحدود الممكنة التي تتجنب تفجير المنطقة بأسرها أو الانزلاق في مستنقع دموي. إنها لعبة عض أصابع خطيرة تجري إدارتها من على متن البوارج وحاملات الطائرات، أملاً في أن يصرخ الخصم أولاً تحت وطأة الاختناق الاقتصادي قبل أن تضطر واشنطن لاتخاذ خيارات كارثية على الأرض.