حماة تنبض من جديد: تخطيط وإعمار، مواجهة حريق أبو قبيس، وعودة "قاشوش" مع نهضة التعليم

محتوى المقالة
مقدمة
تشير مستجدات محافظة حماة خلال الأيام الأخيرة إلى مشهد متكامل تتداخل فيه ملفات التخطيط العمراني والخدمات الأساسية والثقافة والبيئة والقطاعين التربوي والزراعي. فقد وضعت ورشة “المخطط التنظيمي بين الواقع والمأمول” ملف توسعة المدينة وتحديث تشريعاتها على طاولة نقاش متخصص، بهدف الانتقال من طرح المشكلات إلى إنتاج حلول قابلة للتنفيذ، فيما واجهت فرق الإطفاء في الريف الغربي حريقاً حراجياً قرب قلعة أبو قبيس وسط صعوبات ميدانية تتمثل في سرعة الرياح ووعورة المسالك وطبيعة الغطاء النباتي سريع الاشتعال.
وعلى الضفة الثقافية، عاد منشد الثورة عبد الرحمن فرهود “قاشوش حماة” إلى مدينته بعد أكثر من عقد من الغياب، في فعالية جماهيرية نظمتها جمعية “ضع بسمتك” بعنوان “صدى الساحات”، حملت دلالات رمزية على استعادة المدينة لنبضها الاجتماعي.
بالتوازي، يتقدم مسار تحسين الخدمات بوتيرة عملية عبر تركيب منظومة طاقة شمسية في مبنى الشؤون المدنية وسط المدينة لضمان استمرارية التغذية الكهربائية وجودة الخدمة للمراجعين، فيما تتجه الأنظار إلى الغاب حيث جرى تفقد مدارس مدرجة ضمن خطة ترميم تهدف إلى تأمين بيئة تعليمية آمنة ومحفزة. وعلى صعيد البنية التحتية الحيوية، بدأت أعمال صيانة محطة ضخ أفاميا بعد توقف دام 14 عاماً، في خطوة تمهيدية لإعادتها إلى الخدمة بما يدعم الأمن المائي والقطاع الزراعي في سهل الغاب.
هذه المادة تقدم قراءة صحفية مباشرة لهذه التطورات كما وردت في التصريحات الرسمية والمتابعات الميدانية، مع إبراز دلالات كل حدث على مسار التعافي والتنمية المحلية، وبيان كيف تتكامل الجهود تحت مظلة مبادرات مثل حملة “حماة تنبض من جديد” التي تضع تحسين الخدمات وإطلاق المشاريع ذات الأثر المباشر في صلب الأولويات.
ورشة “المخطط التنظيمي بين الواقع والمأمول” في حماة: نحو توسعة مدروسة وإعمار يحفظ هوية المدينة
في مدينة حماة، انعقدت ورشة عمل تنظيمية بعنوان “المخطط التنظيمي بين الواقع والمأمول” بمشاركة وزارة الأشغال العامة والإسكان وغرفة تجارة وصناعة حماة وحضور مختصين في التخطيط العمراني، وتركزت أعمالها على مقاربة علمية لما يعتري توسيع المخطط التنظيمي للمدينة من تحديات ومشكلات، وتقديم مقترحات وحلول عملية قابلة للتطبيق على أرض الواقع، بما يعيد ضبط مسارات التنمية الحضرية ويؤمن، وفق رؤية متوازنة، شروط العيش الكريم والبنية التحتية الملائمة لجميع الشرائح.
وقد تناولت محاور الورشة واقع الاستملاك في مدينة حماة، وكيفيات مقاربته تشريعياً وتطبيقياً بما يحفظ الحقوق العامة والخاصة ويحقق الانسجام العمراني المطلوب، كما ناقشت التوسعات القديمة والجديدة وما أفرزته من آثار على توزيع استعمالات الأراضي وحركة النقل والخدمات، ووقفت عند واقع المناطق العشوائية وأساليب معالجتها من منظور “التخطيط الذي يحفظ الكرامة” بعيداً عن الحلول القسرية، مع اقتراح تحديث التشريعات لفتح الباب أمام الراغبين بالاستثمار ضمن أطر واضحة تضمن حقوق المستثمر والمدينة على حد سواء.
ووفق ما طرحه المشاركون، فإن الهدف من المقاربة الجديدة هو إعادة إعمار ما تهدم بروح تصون ذاكرة المكان وتعيد إليه الحياة من دون الإخلال بأصالة المدينة ومكوناتها التاريخية، وبطريقة تُدخل التوسع العمراني الذكي الذي يتسع للجميع ويضمن بنية تحتية متكاملة، بما في ذلك شبكات الطرق والصرف الصحي والمياه والكهرباء والاتصالات والمساحات العامة الخضراء، وصولاً إلى توفير سكن ملائم وبكلفة مقبولة لمختلف الفئات.
وأوضح محافظ حماة السيد عبد الرحمن السهيان أن الورشة ليست مجرد عرض تقني لمحاور فنية، بل هي إعلان انطلاقة جديدة نحو توسعة مدروسة للمخطط التنظيمي توازن بين أصالة حماة ومتطلبات التنمية الحديثة، مبيناً أنها ستكون بداية لسلسلة من الورشات المتخصصة لإصلاح المخططات التنظيمية في مدن وقرى وبلدات المحافظة، وإعداد خطط إعمار وتنمية شاملة للمناطق التي تضررت أو دُمِّرت بفعل الحرب، مع التشديد على أهمية التعاون بين مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي والقطاع الخاص وتحويل التوصيات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
بدورها، بينت معاون وزير الأشغال العامة والإسكان المهندسة ماري التلي أن مدينة حماة تحتاج جهداً استثنائياً لإعادة صياغة أنسجتها العمرانية بما يلبي احتياجات السكان والتوسع المستقبلي مع مراعاة بعدها التاريخي، معتبرة الورشة محطة لحوار معمق حول أهمية المخططات التنظيمية في تحقيق التنمية المستدامة، وفرصة لمناقشة التحديات التخطيطية الكبيرة وكيفية الارتقاء بمناطق السكن العشوائي والاستملاكات.
وشددت على أن المخططات التنظيمية تمثل الوجه نحو التطور المتوازن الذي يضمن تحديد الشروط الصحية والبيئية وتوفير الخدمات العامة. وتقاطعت الطروحات حول ضرورة استخدام قواعد بيانات مكانية محدثة وأدوات تقنية حديثة في نظم المعلومات الجغرافية لرسم حدود النمو وضبط التوسع، واعتماد نهج تشاركي يشرك المجتمع المحلي والفعاليات الاقتصادية والخبراء في القراءة الميدانية لحاجات الأحياء، ووضع مصفوفة أولويات واضحة تربط بين مشاريع الطرق، وإدارة المرور، وتجديد الشبكات، وإعادة تأهيل المرافق العامة، وتخصيص الأراضي السكنية والخدمية وفق معايير الإنصاف والجدوى الاقتصادية والبيئية.
كما طُرحت رؤى لتعزيز مرونة المدينة في مواجهة الكوارث والمخاطر، وتكييف التخطيط مع متطلبات التغير المناخي، وتحديث كودات البناء بما يرفع كفاءة الطاقة ويعزز السلامة الإنشائية، مع حماية المعالم التراثية التي تشكل هوية المكان. وأكد المشاركون أن توثيق مداولات الورشة وبث جزء منها عبر وسائل الإعلام ومنصات الفيديو يسهم في تعزيز الشفافية وبناء الثقة، على أن تُستتبع جلسات النقاش بخطوات تنفيذية وجداول زمنية ومؤشرات أداء تسمح بقياس التقدم وتحسين الاستجابة، بما يضمن أن تتحول الأفكار إلى مشاريع تخدم سكان المدينة في أقرب الآجال.
حريق حراجي قرب قلعة أبو قبيس: فرق الإطفاء تواجه الرياح والوعورة وتوسع خطوط العزل
وفي ريف حماة الغربي، تواصلت الجهود لإخماد حريق حراجي اندلع صباح اليوم في موقع أبو قبيس ضمن منطقة الغاب، حيث أفاد مدير المكتب الإعلامي في الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، محمد الشيخ، بأن فرق الإطفاء وصلت إلى المكان منذ الساعات الأولى وبدأت العمل على محاور عدة لاحتواء النيران ومنع تمددها إلى مناطق جديدة، مشيراً إلى أن فرق الإطفاء كانت قد أخمدت مساء أمس حريقاً في منطقة قريبة من موقع الاشتعال الحالي، ما فرض على الطواقم رفع الجهوزية تحسباً لأي رياح قد تعيد إشعال بؤر كامنة.
وأوضح الشيخ أن السيطرة أُنجزت على أجزاء واسعة من محيط الحريق، فيما تستمر الأعمال لإخماد بعض البؤر المتبقية بشكل يدوي بسبب وعورة بعض النقاط التي يتعذر وصول الآليات الثقيلة إليها، لافتاً إلى أن العمل يجري بالتوازي على توسيع وشق طرقات جديدة لتسهيل حركة سيارات الإطفاء وتمكين الفرق من الاقتراب أكثر من خطوط النار، وهو إجراء وقائي يحد من انتشار النيران ويخلق فواصل عازلة تحاصر الحريق.
وتواجه الفرق صعوبات ميدانية يتصدرها اشتداد سرعة الرياح في فترات متقطعة، وضيق الطرقات الزراعية، وطبيعة الغطاء النباتي الكثيف الذي يضم مساحات من الصنوبر البروتي سريع الاشتعال، ما يجعل امتداد النار سريعاً في بعض المواضع ذات الانحدارات، الأمر الذي يتطلب انتشاراً دقيقاً للكوادر وزيادة نقاط المراقبة وتبادل الدعم بين وحدات الإطفاء وفرق الحراج والدفاع المدني.
وتعمل الفرق وفق بروتوكول يدمج الإخماد بالمياه والرغوة في النقاط المتاحة للاقتحام مع تكثيف عمليات العزل بالحفر اليدوية وإزالة الأشجار اليابسة والأعشاب الجافة في محيط البؤر، بالتوازي مع مراقبة الدخان والانبعاثات لتحديد اتجاهات الرياح والتنبؤ بحركة اللهب.
ويجري التنسيق مع الجهات المحلية لتأمين مصادر مياه قريبة وتعويض النقص الناجم عن تكرار عمليات التزود، فيما تتخذ إجراءات احترازية لحماية المواقع الأثرية القريبة من القلعة، والحد من تأثير الدخان على القرى المجاورة.
وتؤكد الجهات المعنية أن الأولوية هي سلامة الأفراد والأملاك العامة والخاصة والحد من خسائر الغطاء النباتي وما يرتبط به من تنوع حيوي وحياة برية، مع التأكيد على أن التحقيق في أسباب الحريق سيجري وفق الأصول بعد استكمال عمليات الإخماد والتبريد، وأن نشر الوعي المجتمعي في مواسم الجفاف يبقى خط الدفاع الأول عبر تجنب حرق المخلفات الزراعية العشوائي، والتبليغ المبكر عن أي مؤشرات تصاعد دخان، والالتزام بإرشادات السلامة عند التنزه في المواقع الحراجية، ولا سيما في أيام الرياح التي تزيد من احتمالات اشتعال الحرائق وانتقالها بسرعة عبر السفوح والحواف النباتية.
عودة “قاشوش حماة”: ملتقى “صدى الساحات” يحتفي بعبد الرحمن فرهود بعد أكثر من 10 سنوات
وفي سياق ثقافي اجتماعي حمل أصداء واسعة، أقامت جمعية “ضع بسمتك” ملتقى جماهيرياً بعنوان “صدى الساحات” في مدينة حماة بمناسبة عودة منشد الثورة عبد الرحمن فرهود، المعروف بلقب “قاشوش حماة”، إلى مدينته بعد غياب امتد لأكثر من عشر سنوات قضاها في فرنسا، حيث شهدت الفعالية حضوراً لافتاً وتفاعلاً من الجمهور الذي توافد للاحتفاء بعودة صوتٍ ارتبط في ذاكرة شريحة واسعة من السوريين بأهازيج الساحات وأناشيد المطالبة بالحرية والعدالة.
وبحسب مدير العلاقات العامة في الجمعية أحمد سويد، فإن الفعالية ترمز إلى عودة الروح الثورية وإحياء تراث النضال الوطني، وتجسّد شعار “شعب واحد، وطن واحد” عبر جمع طيفٍ من الأصوات الفنية التي رافقت محطات مفصلية من التاريخ السوري المعاصر، وقد شارك في الملتقى عدد من منشدي الثورة السورية في مشهدٍ احتفائي استعاد فيه الحضور لحظاتٍ من ذاكرة عامة شكلت مادة جامعة بين أجيال مختلفة.
وكرّست الفعالية فضاءً مفتوحاً للتواصل، امتزجت فيه الأغنية الملتزمة بالحكاية الشخصية والمنولوج المسرحي والارتجال، بما أتاح لمن حضر أن يشهد على تفاعل تلقائي بين المنشد وجمهوره انعكس عبر ترديد المقاطع الأكثر رسوخاً في الأذهان والهتافات المترافقة معها، لتظهر المناسبة بوصفها لقاءً بين الفن ومسارات التحول الاجتماعي والسياسي، بما لهذا النوع من الفعاليات من قدرة على إعادة استدعاء المعنى الرمزي للأغنية عندما تصبح جزءاً من وجدان جماعي.
وأكد منظمو الملتقى أن العودة إلى المدينة بعد سنوات الاغتراب تمنح فرصة لإعادة وصل ما انقطع بين الفنان وجمهوره، وتفتح نافذة لتقديم أعمال جديدة قد تحمل تجارب ومؤثرات اكتسبها خلال إقامته خارج البلاد، مع التأكيد على أن ما يجري هو نشاط ثقافي مفتوح تحكمه قواعد الفن والالتزام بسلامة الحضور والتنظيم.
كما أشار مشاركون إلى أن الطابع الجماهيري للفعالية أعاد إلى الأذهان صورة الساحات بوصفها مكاناً عاماً للتعبير والمشاركة، وأن مثل هذه الأنشطة يمكن أن تكون جسراً للتواصل بين الداخل والشتات، وتساهم في إعادة تعريف دور الفنون في المجال العام، بعيداً عن الاستقطاب، عبر التركيز على القيم التي تجمع الناس وتخلق أرضية مشتركة للحوار. ويُنظر للملتقى، وفق ما عبّر عنه الحضور، كحدثٍ يحمل دلالات شخصية وجمعية في آن، فعودة المنشد إلى موطنه ليست مجرد انتقال جغرافي، بل لحظة عودة إلى سياق اجتماعي وثقافي أوسع يعاد فيه اختبار معنى الانتماء والذاكرة والهوية.
منظومة طاقة شمسية في الشؤون المدنية بحماة: ضمن حملة “حماة تنبض من جديد” لتحسين الخدمة واستدامة الطاقة
وفي إطار تحسين منظومة الخدمات الأساسية وتعزيز كفاءة الطاقة في المرافق العامة، بدأت مديرية الشؤون المدنية بحماة تنفيذ أعمال تركيب منظومة طاقة شمسية على مبنى المديرية وسط المدينة، ضمن حملة “حماة تنبض من جديد” التي تستهدف دعم القطاعات الخدمية والاقتصادية عبر حلول عملية مستدامة.
وبيّن مدير الشؤون المدنية في حماة علاء الشيخ أن المنظومة تتألف من 36 لوحاً باستطاعة 720 واط، إلى جانب بطاريات ليثيوم وإنفيرترات لإدارة التخزين والتحويل، بما يغطي احتياجات الطابقين الأرضي والإداري من التغذية الكهربائية الأساسية، موضحاً أن المشروع يتضمن أيضاً صيانة الإنارة السقفية في صالة الأحوال المدنية التي تشهد ازدحاماً يومياً لتقديم الخدمات للمراجعين.
وتأتي هذه الخطوة بهدف تحسين جودة الخدمات وتقليل الوقت والجهد على المواطنين، إذ يتيح الاعتماد على الطاقة الشمسية تقليص أثر انقطاعات التيار وتذبذب التغذية في ساعات الذروة، ما يعني استمرارية أكبر في تشغيل منصات الخدمة والربط الشبكي والأجهزة الحاسوبية والطابعات وأنظمة الأرشفة الإلكترونية، وبالتالي تسريع إنجاز معاملات تتعلق باستخراج الوثائق الرسمية وتحديث البينات الشخصية والعائلية.
وأشار الشيخ إلى أن المديرية سبق أن ركّبت منظومات مماثلة في الدوائر الفرعية بمناطق صوران والسقيلبية وسلمية، في إطار مسارٍ تدريجي لتعميم التجربة على الوحدات الخدمية، بحيث تتكامل مصادر الطاقة البديلة مع الشبكة العامة وتخفف الأحمال عنها. وتطرقت النقاشات التقنية إلى أهمية اختيار مكونات ذات موثوقية عالية وتوفير الصيانة الدورية وضمان السلامة الكهربائية، مع تدريب الكوادر على تشغيل المنظومة وإدارتها وتفعيل إجراءات المراقبة لمؤشرات الأداء والإنتاجية، بما يحقق الاستدامة ويطيل عمر الاستثمار.
كما أُبرزت جوانب بيئية واقتصادية للمشروع، إذ يسهم في خفض البصمة الكربونية للمرفق ويقلل من الاعتماد على مصادر تقليدية قد تكون مكلفة أو متذبذبة، ويشكل، في الوقت ذاته، نموذجاً تحفيزياً لتبني حلول الطاقة المتجددة في مبانٍ حكومية أخرى وفي القطاع الخاص.
ومن المنتظر أن تنعكس هذه المبادرة إيجاباً على تجربة المراجعين اليومية، من خلال استقرار الإنارة وأنظمة الانتظار والنداء الآلي وحوسبة الإجراءات، ما يرفع مستوى الرضا العام ويعزز ثقة المواطنين بالخدمات المقدمة ويخلق بيئة عمل أكثر كفاءة للعاملين في المركز، لاسيما أن تصميم المنظومة يراعي الأولويات الحرجة من الأحمال ويتيح إدارة ذكية للطاقة بما يتناسب مع ساعات الذروة وعدد المراجعين وتوزع الأقسام داخل المبنى.
ترميم مدارس الغاب في حماة: خطة أولويات لبيئة تعليمية آمنة ومحفزة ضمن حملة “حماة تنبض من جديد“
وبما يواكب جهود تحسين البيئة التعليمية وتعافي المرافق العامة، نفذ وفد تربوي وإداري ضم مدير منطقة الغاب فايز لطوف، ومشرف المجمع التربوي في مدينة السقيلبية خالد محمد صالح الفارس، وأمين سر المجمع عبد الرزاق الشحادة، جولة ميدانية على عدد من المدارس المدرجة ضمن خطة الترميم، في إطار حملة “حماة تنبض من جديد” الهادفة إلى تحسين واقع العملية التعليمية في المحافظة.
وشملت الجولة الاطلاع على الحالة الراهنة للأبنية ومستوى جاهزيتها، ورفع احتياجاتها الإنشائية والفنية تمهيداً لإطلاق أعمال الصيانة وفق أولويات مدروسة تضع سلامة الطلاب والكوادر في صدارة الاعتبارات، وتستهدف خلق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة.
ووفق المعطيات الميدانية، فإن الأعمال المزمع تنفيذها ستغطي، بحسب حالة كل مدرسة، معالجة التشققات وتبديل الأبواب والنوافذ وصيانة الأسقف والعزل المائي، وتأهيل المرافق الصحية وشبكات المياه والكهرباء والإنارة الصفية، وإعادة تأهيل الفناءات والحدائق وممرات الحركة بما يراعي معايير السلامة والوصول، إضافة إلى تجهيز بعض القاعات بالوسائل التعليمية الأساسية.
وتندرج هذه التحركات ضمن سلسلة مشاريع تنموية تشمل إعادة تأهيل المرافق الخدمية والتعليمية في مختلف مناطق ريف حماة، بما يسهم في تعزيز جودة التعليم ودعم المجتمعات المحلية عبر تقليل الفاقد التعليمي وتخفيف معدلات التسرب وإتاحة فرص تعليم متكافئة في المدارس الأقرب إلى أماكن السكن.
وتؤكد الجهات المشرفة أن خطة التطوير تأخذ في الاعتبار خصوصية المناطق التي تأثرت خلال السنوات الماضية، ما يستوجب معالجات تراعي البنية الاجتماعية والاقتصادية للأسر وقدرتها على مواكبة التغيير، مع العمل على إشراك الأهالي والمجالس المحلية في تحديد الأولويات وتعزيز حس المسؤولية المشتركة تجاه المدرسة بوصفها فضاءً مجتمعياً حيوياً.
كما يُطرح، في سياقٍ متصل، اعتماد برامج دعم نفسي اجتماعي داخل المدارس بهدف مساندة الطلاب والمعلمين على التعافي من آثار الأزمات وتعزيز المهارات الحياتية، وتوسيع نطاق الأنشطة اللاصفية التي تخلق بيئة جاذبة وتزيد ارتباط الطلاب بالمدرسة، مع التأكيد على أهمية التدريب المستمر للكوادر التعليمية والإدارية ورفع جاهزية فرق الطوارئ المدرسية وتحديث خطط الإخلاء والسلامة.
وتبرز في هذا الإطار قيمة الشراكات مع الفعاليات الأهلية والتنموية للمساهمة في توفير بعض التجهيزات أو دعم المبادرات المدرسية الصغيرة، وهو ما يعزز من استدامة أثر الترميم ويحول المدرسة إلى نقطة ارتكاز لأنشطة اجتماعية وثقافية في محيطها. وتأتي هذه الجهود ضمن رؤية أشمل لتطوير البنية التحتية التربوية وتوفير مقومات الاستقرار المدرسي، بما يجعل قطاع التعليم محوراً أساسياً في عملية التعافي وإعادة البناء وإطلاق طاقات الأجيال الجديدة.
صيانة محطة ضخ أفاميا بعد 14 عاماً: خطوة لإحياء ري سهل الغاب وتعزيز الأمن المائي
وبعد توقفٍ امتد لأكثر من أربعة عشر عاماً، باشرت مديرية الموارد المائية، عبر مركز الغاب، تنفيذ المرحلة الأولى من أعمال صيانة محطة ضخ أفاميا الرئيسية في ريف حماة الغربي، في خطوة تُعدّ مفصلية لإعادة تشغيل هذا المرفق الحيوي الذي كان له، لعقود، دور محوري في دعم الزراعة واستقرار الموارد المائية في منطقة سهل الغاب.
وتأتي هذه المباشرة ضمن خطة تقييم الأضرار التي لحقت بالمحطة خلال سنوات الأزمة، وبالتنسيق مع مدير منطقة الغاب فايز لطوف، تمهيداً لتسليمها لإحدى المنظمات الدولية المعنية بغرض إعادة تأهيلها ووضعها في الخدمة مجدداً.
وذكر مدير مركز الموارد المائية بالغاب، المهندس أسامة محيميد، أن الأعمال بدأت بسحب كميات كبيرة من المياه الراكدة في قاع مبنى المحطة، تمهيداً لإجراء الكشف الفني على أجهزة الضخ وتحديد حجم الأضرار الناتجة عن التخريب والإهمال والسرقة التي طالت تجهيزاتها خلال فترة التوقف الطويلة، على أن يتلو ذلك تقييمٌ دقيق للمكونات الميكانيكية والكهربائية والإنشائية لتحديد ما يلزم استبداله أو إصلاحه.
وتُعد محطة أفاميا من أكبر محطات الضخ في منطقة الغاب، إذ تضخ المياه من نهر العاصي باتجاه سد أفاميا، ما يتيح ري مساحات زراعية واسعة تتجاوز 30 كيلومتراً طولاً و12 كيلومتراً عرضاً، ولا سيما في فصل الصيف حيث يرتفع الطلب على المياه الزراعية بصورة ملحوظة، ما يجعل عودتها إلى الخدمة عاملاً حاسماً في استقرار الدورة الزراعية وخفض تكاليف الري وتحسين إنتاجية المحاصيل. وتمثل إعادة تأهيل المحطة خطوة استراتيجية ضمن مسار دعم الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن المائي في المنطقة، إذ تسهم في توازن توزيع المياه بين الحيازات الزراعية والحد من السحب العشوائي من المصادر السطحية والجوفيات، وتخفف من الضغط على قنوات ري أخرى، بما ينعكس مباشرة على معيشة المزارعين واستدامة سبل العيش في القرى المعتمدة على الزراعة.
ومن شأن إعادة التشغيل أن تشجع على استعادة أنماط زراعية تقليدية وحساسة مائياً ضمن برامج إدارة الطلب على المياه، وأن تعيد الثقة بسلاسل القيمة الزراعية المرتبطة بالري المنتظم من حيث التمويل والتسويق والتخزين.
كما يتوقع أن تتضمن مراحل التأهيل اللاحقة أعمالاً لإعادة تركيب المضخات الرئيسية والفرعية ولوحات التحكم ومحولات التغذية الكهربائية وأجهزة القياس والحماية، وتنظيف القنوات وربما تعزيز الأعمال المدنية للمبنى بحسب ما يظهره الكشف الفني، مع اعتماد أنظمة حديثة لمراقبة التشغيل عن بعد وقياس الضغوط والتدفقات، بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويقلل فاقد الطاقة والمياه.
ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها بداية مسار طويل لإعادة منظومة الري في الغاب إلى مستوياتها التصميمية، خاصة أن توقف المحطة خلال الأعوام الماضية ترك آثاراً سلبية على الواقع المائي والزراعي، من تراجع المساحات المروية إلى زيادة تكلفة الضخ الفردي بالوسائل البديلة وتذبذب الإمدادات، وهو ما انعكس على الدخل الريفي والاستقرار الاجتماعي.
ومع انطلاق أعمال الصيانة، تُفتح صفحة جديدة نحو استعادة البنية التحتية الحيوية وتعزيز القدرة المؤسسية على إدارة الموارد المائية بكفاءة وشفافية، إذ إن إشراك منظمة دولية في التأهيل يفتح المجال لتطبيق ممارسات معتمدة عالمياً في إدارة المحطات، وتوفير قطع الغيار والخبرات الفنية اللازمة، وتدريب الكوادر المحلية على نظم التشغيل والصيانة، ما يضمن استدامة الخدمة ويقلل احتمالات الأعطال المفاجئة.
ويؤكد القائمون على المشروع أن نجاح هذه العملية يتطلب أيضاً تعاوناً وثيقاً مع الجمعيات الفلاحية والمجالس المحلية لتنظيم البرامج الزمنية للري وتوعية المزارعين بطرائق الاستخدام الرشيد للمياه وتكييف الأنماط الزراعية مع المتاح المائي، بما يحقق المعادلة الصعبة بين زيادة الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
خاتمة
تقدم الأخبار الواردة من حماة لوحة متناسقة لمدينة تتحرك على أكثر من مسار في آن واحد: إصلاحات تخطيطية يقودها حوار مهني بين المؤسسات والخبراء والمجتمع؛ مواجهة ميدانية لحرائق الغابات بإجراءات إخماد وعزل وفتح طرقات لتقليل الخسائر؛ عودة ثقافية جماهيرية تعيد وصل الفن بذاكرة المكان؛ حلول طاقة متجددة في المرافق العامة لتحسين استدامة الخدمة؛ خطة ترميم تربوية تعيد المدارس إلى جاهزيتها؛ ومشروع مائي إستراتيجي ينعش الزراعة ويعزز الاستقرار الريفي.
هذا التكامل بين التخطيط والخدمة والثقافة والبيئة يشي بمدينة تدير تحدياتها بواقعية وتقدم خطوات قابلة للقياس، مع رهان واضح على الشراكات بين القطاع العام والمجتمع المحلي والقطاع الخاص والمنظمات الدولية.
غير أن تحويل الزخم إلى أثر دائم يتطلب الانتقال من التوصيات العامة إلى جداول تنفيذ محددة ومؤشرات أداء معلنة: متابعة مخرجات ورشة المخطط التنظيمي بإصلاحات تشريعية وإجرائية؛ تثبيت خطوط الوقاية من الحرائق وخطط الإنذار المبكر؛ تعميم نماذج الطاقة الشمسية على مبانٍ خدمية أخرى؛ تسريع دورة ترميم المدارس قبل المواسم الدراسية؛ وإنجاز تقييم شامل لمكونات محطة أفاميا وإعادة تأهيلها وفق معايير تشغيل وصيانة تضمن الاستدامة. كما يبقى إشراك المجتمع في المتابعة وتقديم التغذية الراجعة عاملاً حاسماً لتعزيز الشفافية وبناء الثقة.
في المحصلة، تبدو حماة وهي “تنبض من جديد” أقل شعاراً وأكثر مساراً عملياً يتجسد في مشاريع ملموسة وتعاون متعدد المستويات. وبين ذاكرة المكان واستحقاقات الحاضر، تكتب المدينة فصلاً جديداً عنوانه العمل المتدرج والنتائج القابلة للقياس، بما يعيد الاعتبار للخدمة العامة ويعزز مقومات التعافي والتنمية لصالح سكانها ومحيطها الريفي على حد سواء.