تسليم اللواء عادل عيسى من لبنان إلى سوريا رسمياً.. سابقة قضائية قد تفتح باب استرداد ضباط آخرين

في تطور قضائي وأمني لافت، سلّمت السلطات اللبنانية رسمياً اللواء عادل عيسى، أحد ضباط جيش النظام السوري المخلوع، إلى السلطات السورية، بعد استكمال الإجراءات القضائية والأمنية المرتبطة بطلب استرداده، وذلك وفق ما كشفه مصدر دبلوماسي لبناني، الثلاثاء، في تصريحات نقلها موقع تلفزيون سوريا.
وبحسب المصدر، جرت عملية التسليم عبر الحدود اللبنانية-السورية، حيث تسلّم اللواء عادل عيسى العميد عبد الرحمن الدباغ، مدير الاستخبارات الخارجية في جهاز الاستخبارات العامة السورية، في خطوة توصف بأنها الأولى من نوعها عبر القضاء اللبناني بحق ضابط برتبة لواء في جيش النظام السابق.
موافقة قضائية لبنانية أنهت العائق القانوني
جاء تنفيذ عملية التسليم بعد موافقة النيابة العامة التمييزية في لبنان على طلب الاسترداد الذي تقدمت به دمشق، استناداً إلى المعاهدة القضائية اللبنانية-السورية الموقعة عام 1951.
ووفق المصدر الدبلوماسي، فإن الجهات القضائية اللبنانية المعنية خلصت إلى أن الجرائم المنسوبة إلى عادل عيسى تندرج في الإطار الجنائي وليست ذات طابع سياسي، وهو ما أزال المانع القانوني الذي كان يمكن أن يحول دون تسليمه إلى السلطات السورية.
هذا التوصيف القانوني شكّل نقطة التحول الأساسية في الملف، إذ إن تصنيف الاتهامات كجرائم جنائية أتاح المضي بإجراءات الاسترداد وفق الأطر المعمول بها بين البلدين، من دون الاصطدام بعقبات قانونية مرتبطة بالجرائم السياسية أو بطلبات الحماية ذات الطابع السياسي.
اتهامات بالقتل والتعذيب وقمع المظاهرات في دير الزور
الملف الذي قدمته السلطات السورية إلى القضاء اللبناني تضمّن اتهامات خطيرة موجّهة إلى اللواء عادل عيسى، شملت القتل العمد، والتعذيب المؤدي إلى الموت، إضافة إلى المشاركة في قمع المظاهرات خلال فترة خدمته في محافظة دير الزور.
كما يتهم الملف عيسى بالمسؤولية عن إحالة موقوفين إلى سجن صيدنايا، الذي يُعد واحداً من أبرز مراكز الاعتقال والتعذيب خلال عهد النظام السابق، قبل أن تنقطع أخبار عدد من هؤلاء الموقوفين لاحقاً، في معطى يزيد من حساسية الملف على المستويين القضائي والحقوقي.
ولتعزيز طلب الاسترداد، دعمت السلطات السورية ملفها بإفادة للعميد دعاس حسن علي، الرئيس السابق لفرع “أمن الدولة” في دير الزور، قال فيها إن عادل عيسى تورط بصورة مباشرة في عدد من الجرائم المنسوبة إليه، وفق ما أورده المصدر الدبلوماسي.
دفاع عادل عيسى أمام التحقيقات في لبنان
في المقابل، نفى اللواء عادل عيسى خلال التحقيقات التي خضع لها في لبنان مسؤوليته المباشرة عن تلك الانتهاكات.
وقال، بحسب المصدر نفسه، إنه لم يكن رئيساً للجنة الأمنية في دير الزور، بل كان عضواً فيها فقط، مضيفاً أن مهمته اقتصرت على تأمين عناصر لمؤازرة عمليات الدهم وتنفيذ أوامر عسكرية صادرة عن قيادته، من دون أن يكون صاحب القرار المباشر في الانتهاكات المذكورة.
هذا النفي لم يكن كافياً لوقف مسار التسليم، بعدما مضت الجهات القضائية اللبنانية في دراسة الملف وانتهت إلى توافر الأساس القانوني اللازم للموافقة على طلب الاسترداد.
خلاف داخل لبنان سبق تنفيذ قرار التسليم
وكشف المصدر الدبلوماسي أن تنفيذ قرار التسليم لم يمر بسلاسة كاملة، بل سبقه خلاف داخل المؤسسات اللبنانية. وأوضح أن المدير العام للأمن العام اللبناني، اللواء حسن شقير، عارض المضي في العملية، وسعى إلى تأخيرها وإقناع الجهات الرسمية بعدم تنفيذ القرار.
وبحسب المصدر، فإن شقير حذّر من أن تسليم عادل عيسى قد يكرّس سابقة قانونية يمكن أن تستند إليها دمشق مستقبلاً للمطالبة بتسليم ضباط ومسؤولين سابقين آخرين يقيمون في لبنان، وهو ما جعل القضية تتجاوز بعدها الفردي إلى أبعاد سياسية وقضائية أوسع.
وأضاف المصدر أن هذه الممانعة ترافقت مع اتصالات وتحركات قام بها مقربون من “الثنائية الشيعية”، في محاولة لمنع تسليم عيسى أو على الأقل تأخير تنفيذ القرار، وسط مخاوف من أن يفتح هذا الملف الباب أمام طلبات استرداد سورية لاحقة قد تطال شخصيات أمنية وعسكرية سابقة أكثر حساسية.
نواف سلام حسم الخلاف لمصلحة تنفيذ القرار
في الجهة المقابلة، تمسك رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بتنفيذ القرار القضائي وعدم تعطيله، بعد استكمال الشروط القانونية المطلوبة. ومع استمرار التجاذب داخل المؤسسات اللبنانية، حُسم الخلاف في نهاية المطاف لمصلحة المضي بعملية التسليم، لتنتقل القضية من إطار النقاش الداخلي إلى التنفيذ العملي على الحدود اللبنانية-السورية.
ويشير مراسل حماة بلس إلى أن إصرار الحكومة اللبنانية على تنفيذ القرار بعد اكتمال المسار القضائي عكس توجهاً واضحاً للفصل بين الاعتراضات السياسية وبين المقتضيات القانونية، ولا سيما أن الملف استند إلى معاهدة قضائية قائمة بين البلدين وليست إلى إجراء استثنائي طارئ.
كما يرى مراسل حماة بلس أن الجدل الذي سبق التسليم يكشف حجم القلق داخل بعض الدوائر اللبنانية من تحوّل هذه القضية إلى مرجعية قانونية مستقبلية، يمكن أن تُبنى عليها طلبات سورية جديدة بحق شخصيات كانت تشغل مواقع أمنية أو عسكرية في المرحلة السابقة.
سابقة قضائية قد تعيد رسم ملف الاسترداد بين بيروت ودمشق
تكتسب قضية تسليم اللواء عادل عيسى أهمية خاصة لأنها، وفق المصدر الدبلوماسي، تمثل أول عملية تسليم عبر القضاء اللبناني لضابط برتبة لواء في جيش النظام السوري السابق إلى السلطات السورية الجديدة.
وتفتح هذه الخطوة الباب أمام احتمال تقديم دمشق طلبات استرداد جديدة بحق ضباط ومسؤولين سابقين موجودين في لبنان، ولا سيما إذا كانت الملفات القضائية المقدمة مدعومة باتهامات ذات طابع جنائي وتستوفي الشروط القانونية المنصوص عليها في الاتفاقيات القضائية النافذة بين البلدين.
وعليه، لا تبدو قضية عادل عيسى مجرد تسليم فردي لشخص مطلوب، بل تبدو أقرب إلى سابقة قضائية قد تؤثر في مسار العلاقة القانونية والأمنية بين لبنان وسوريا خلال المرحلة المقبلة، مع ما قد يحمله ذلك من تداعيات على ملفات ضباط ومسؤولين سابقين ما زالوا داخل الأراضي اللبنانية.



