موسم القمح في سوريا 2026: 14 رقماً ترسم ملامح قفزة زراعية غير مسبوقة

يمثل موسم القمح في سوريا 2026 محطة فارقة في تاريخ القطاع الزراعي السوري، إذ تختصر 14 مؤشراً رقمياً رئيسياً حكاية تعافٍ زراعي بارز تشهده البلاد بعد سنوات عجاف من الجفاف والتراجع الإنتاجي. وعلى الرغم من أن بعض هذه الأرقام المفصلية — كحجم الإنتاج الكلي والمساحات المزروعة — تتكرر في أكثر من موضع ضمن بيانات الجهات المعنية لتأكيد تحولها إلى محطات مرجعية، إلا أنها بمجملها ترسم لوحة متكاملة وشاملة لواقع المحصول الاستراتيجي الأول في البلاد.
ويعكس الموسم الحالي قفزة نوعية استثنائية نجحت في تقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الوطنية بصورة لافتة، مدفوعاً بظروف مناخية ملائمة شهدت وفرة في الهطولات المطرية، فضلاً عن عودة مساحات واسعة في المحافظات الشرقية إلى سكة الإنتاج بعد خروجها شبه الكامل في الموسم السابق.
1.4 مليون هكتار و3 ملايين طن: أرقام تعكس موسماً مثالياً
أوضحت وزارة الزراعة في تصريح لـ “حماة بلس” أن المساحة المزروعة بمحصول القمح خلال موسم 2026 بلغت نحو 1.4 مليون هكتار، فيما يتجاوز الإنتاج المتوقع حاجز 3 ملايين طن، وذلك نتيجة تحسن الظروف المناخية بشكل ملحوظ ودخول مناطق واسعة في شمال شرق البلاد إلى العملية الإنتاجية بعد غياب فرضته ظروف الجفاف القاسية.
وبيّنت الوزارة أن الموسم الحالي يُعدّ موسماً مثالياً بكل المقاييس، إذ جرى تنفيذ الخطة الزراعية بنسبة 100 بالمئة دون أي تراجع، مدفوعاً بالهطولات المطرية الغزيرة التي انعكست إيجاباً وبشكل مباشر على إنتاجية المحصول في مختلف المناطق الزراعية.
وفيما يخص مؤشرات الإنتاجية التفصيلية، فقد تجاوز متوسط المردود في الأراضي المروية 3000 كيلوغرام للهكتار الواحد، بينما بلغ متوسط المردود في الأراضي البعلية نحو 1800 كيلوغرام للهكتار، وهي أرقام تعكس تحسناً جوهرياً مقارنة بالمواسم السابقة التي عانت من شح الأمطار.
وأضافت الوزارة أن عودة مناطق واسعة في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور إلى العملية الإنتاجية أسهمت بشكل كبير في رفع حجم الإنتاج الوطني، باعتبار أن هذه المحافظات تمثل الثقل الأكبر والركيزة الأساسية لزراعة القمح في سوريا.
الحسكة والرقة وحلب تتصدر خارطة إنتاج القمح السوري
تؤكد أرقام وزارة الزراعة استمرار المحافظات الشرقية في تصدر خارطة إنتاج القمح خلال الموسم الحالي بفارق واضح عن بقية المحافظات. وبحسب البيانات الرسمية، تستحوذ محافظة الحسكة وحدها على نحو 37 بالمئة من إجمالي الإنتاج الوطني، مما يجعلها المحافظة الأولى على مستوى البلاد في هذا المحصول الاستراتيجي.
وتأتي في المرتبة التالية محافظتا الرقة وحلب بنسبة 18 بالمئة لكل منهما من إجمالي الإنتاج، ثم محافظة دير الزور بنسبة 11 بالمئة، وهو توزع جغرافي يعكس بجلاء أهمية المناطق الشرقية بوصفها الخزان الرئيس والمصدر الأكبر لإنتاج القمح في سوريا.
وقد أسهم تحسن الهطولات المطرية خلال هذا الموسم، إلى جانب عودة مساحات واسعة كانت متوقفة عن الزراعة، في زيادة الكميات المنتجة بصورة ملموسة، بما انعكس إيجاباً على حجم المحصول المسوّق إلى مراكز الاستلام التابعة للمؤسسة السورية للحبوب في تلك المحافظات.
وفي تفاصيل لافتة رصدها مراسل حماة بلس، بلغت كميات القمح المسوّقة إلى مراكز الاستلام المعتمدة في محافظة الحسكة وحدها مليوناً و150 ألف طن حتى الثاني من شهر آب الجاري، وهو رقم يعكس حجم الإنتاج الهائل الذي حققته هذه المحافظة خلال الموسم الحالي.
كما تواصل مراكز الاستلام في محافظتي الرقة ودير الزور استقبال الكميات الواردة من المزارعين وفق الخطة المعتمدة، بالتوازي مع تجهيز مواقع التخزين وتوسيع قدراتها الاستيعابية لاستيعاب المحصول الكبير المنتج في المحافظات الشرقية، وذلك بحسب ما أعلنته المؤسسة السورية للحبوب.
مقارنة بين موسمي 2025 و2026: قفزة هائلة في الإنتاج
تُظهر مقارنة بيانات وزارة الزراعة بين الموسمين الحالي والسابق حجم التحول الكبير الذي شهده إنتاج القمح في سوريا، إذ بلغ إجمالي الإنتاج خلال موسم 2025 نحو 934 ألفاً و183 طناً فقط، وذلك بعد تعرض المناطق البعلية لموجة جفاف حادة وانحباس شديد في الأمطار أديا إلى خروجها من العملية الإنتاجية بصورة شبه كاملة.
وأشارت الوزارة إلى أن الإنتاج المتوقع للمناطق البعلية في الموسم الماضي كان يُقدّر بنحو 800 ألف طن وفق المساحات المخطط زراعتها، إلا أن الواقع جاء مغايراً تماماً، حيث لم يتجاوز الإنتاج الفعلي من تلك المناطق 29 ألف طن فحسب، وهو رقم يكشف حجم الكارثة التي خلّفها الجفاف على المحصول البعلي.
وفي المقابل، أسهمت وفرة الأمطار خلال موسم 2026 في استعادة المناطق البعلية لإنتاجيتها الكاملة، مما رفع حجم الإنتاج الوطني الإجمالي إلى أكثر من 3 ملايين طن، أي ما يزيد عن ثلاثة أضعاف إنتاج الموسم السابق، في قفزة وصفها مراقبون بأنها الأكبر من نوعها خلال السنوات الأخيرة.
2.7 مليون طن مستلمة والتسويق مستمر دون سقف زمني
في تصريح خاص لـ “حماة بلس”، أوضح معاون مدير عام المؤسسة السورية للحبوب أحمد قاضون أن عمليات استلام القمح من الفلاحين لا تزال مستمرة ما دامت هناك كميات تُورد إلى المراكز، مؤكداً أنه لا يوجد موعد نهائي مسبق لإغلاق مراكز الاستلام، وإنما يرتبط استمرار عملها بتدفق المحصول من المزارعين.
وأشار قاضون إلى أن العدد الأكبر من مراكز الاستلام أنهى عمله بعد استلام الكميات المتوافرة ضمن نطاقه الجغرافي، فيما تواصل المراكز الأخرى التي لم تنتهِ من عمليات الاستلام استقبال الكميات الجديدة الواردة من المزارعين وفق الحاجة.
وكشف قاضون أن الكميات المستلمة من قبل المؤسسة حتى تاريخ التصريح تجاوزت 2.7 مليون طن، لافتاً إلى أن هذا الرقم يعبّر عن إجمالي ما استلمته المؤسسة من الفلاحين بشكل مباشر، ولا يمثل الحصيلة النهائية للإنتاج الزراعي الكلي للموسم.
وفي مؤشر بالغ الأهمية، أكد معاون المدير العام أن الكميات المستلمة تجاوزت بالفعل الاحتياجات السنوية المعتمدة لدى المؤسسة، والتي تبلغ مليونين و550 ألف طن، وهو ما يعكس تحسناً ملموساً وواضحاً في قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الاحتياجات الوطنية من هذا المحصول الاستراتيجي الحيوي.
توسعة الطاقة التخزينية: استيعاب المحصول والحفاظ على جودته
بالتوازي مع استمرار عمليات الاستلام من المزارعين في مختلف المحافظات، تواصل المؤسسة السورية للحبوب تنفيذ خطة متكاملة لتخزين المحصول وضمان المحافظة على جودته وسلامته، وذلك عبر توجيه الأقماح المستلمة إلى الصوامع والصويمعات المنتشرة في أنحاء البلاد، والتي تخضع لعمليات تعقيم دورية ومراقبة مستمرة لضمان توفير ظروف تخزين مثالية.
وأشار قاضون إلى أن المؤسسة تواصل في الوقت الراهن تنفيذ أعمال تأهيل وتوسعة الصوامع والصويمعات في مختلف المحافظات السورية، بهدف رفع الطاقة التخزينية الإجمالية واستيعاب كميات أكبر من المحصول خلال المواسم الحالية والمقبلة، في خطوة تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي آمن يلبي احتياجات البلاد على المدى المتوسط والبعيد.
التسويق الإلكتروني ومنظومة “شام كاش”: تحديث إجراءات الاستلام والدفع
شهد موسم القمح في سوريا 2026 نقلة نوعية على صعيد الإجراءات الإدارية والتنظيمية، حيث جرى تطبيق آلية التسجيل والحجز الإلكتروني المسبق لتنظيم عمليات تسويق القمح، إلى جانب أتمتة الفواتير والبيانات المرتبطة بعمليات الاستلام بشكل كامل، في إطار تطوير شامل للإجراءات الإدارية يهدف إلى تخفيف الازدحام في مراكز التسويق وتسريع وتيرة العمل.
وأوضح قاضون أن دور المؤسسة السورية للحبوب ينتهي بتحويل الفواتير والبيانات الخاصة بالكميات المستلمة إلى المصارف الزراعية، باعتبارها الجهة المخولة قانونياً بصرف قيم الأقماح للمزارعين، مشيراً إلى أن المؤسسة حوّلت كامل فواتير الكميات المستلمة حتى تاريخ التصريح دون أي تأخير من جانبها.
المنصة الإلكترونية: خطوة إيجابية تحتاج إلى مزيد من التطوير
وفي سياق تقييم التجربة الرقمية الجديدة، أوضح الخبير التنموي أكرم العفيف في تصريح لـ “حماة بلس” أن المنصة الإلكترونية المعتمدة لتسويق القمح تمثل خطوة إيجابية ومهمة في مسار تنظيم العمليات التسويقية وتحديثها، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والتحسين بما ينسجم مع طبيعة العمل الزراعي الميداني وظروفه المتغيرة.
وبيّن العفيف أن ارتباط مواعيد الحصاد بتوافر الحصادات والجرارات واليد العاملة يجعل من الصعب عملياً على كثير من المزارعين تحديد مواعيد دقيقة ومسبقة للتوريد إلى مراكز الاستلام، وهو الأمر الذي تسبب بالفعل في تأخير تسويق المحصول لدى بعض المزارعين الذين لم يتمكنوا من الالتزام بالمواعيد المحددة عبر المنصة.
وشدد الخبير التنموي على أن سرعة صرف قيم المحاصيل المسوّقة تبقى عاملاً أساسياً وحاسماً في تمكين الفلاح من الوفاء بالتزاماته المالية المتراكمة والاستعداد الأمثل للموسم الزراعي التالي، داعياً إلى تسريع آليات الدفع وتبسيط إجراءاتها.
مطالب المزارعين: خفض التكاليف ورفع السعر التسويقي
بيّنت وزارة الزراعة أن أبرز مطالب المزارعين السوريين خلال الموسم الحالي تتركز بشكل أساسي في خفض تكاليف العملية الإنتاجية بمختلف مكوناتها، ولا سيما أسعار البذار والأسمدة والمحروقات التي تشكل العبء الأكبر على كاهل الفلاح، إلى جانب المطالبة باعتماد سعر تسويقي عادل يغطي تكاليف الإنتاج الفعلية ويحقق هامش ربح مناسباً يشجع المزارعين على التوسع في زراعة القمح خلال المواسم المقبلة.
ومن جهته، أشار الخبير التنموي العفيف إلى استمرار جملة من التحديات البنيوية التي تواجه القطاع الزراعي، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل عام، وضعف التمويل الزراعي المتاح للمزارعين، وارتفاع تكاليف المحروقات واستئجار الآليات الزراعية اللازمة لعمليات الحراثة والحصاد.
كما أشار العفيف إلى ملاحظات أبداها بعض المزارعين حول نسبة إنبات جزء من بذار القمح المقدم لهم، معتبراً أن هذه القضايا تحتاج إلى دراسة فنية متخصصة ومعالجة جدية ضمن خطط تطوير القطاع الزراعي الشاملة.
وأكد العفيف أن القمح لا يقتصر دوره على إنتاج الطحين والخبز فحسب، بل يمثل محوراً أساسياً لمنظومة اقتصادية متكاملة ومتشعبة تشمل قطاع الثروة الحيوانية والنقل والخدمات الزراعية والتجارة الداخلية، مما يجعل من دعم إنتاجه المحلي ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحّة إلى جانب أهميته القصوى في تعزيز الأمن الغذائي الوطني.
تشريعات جديدة واستعدادات مبكرة للموسم المقبل لتعزيز الأمن الغذائي
في إطار التحضير المبكر للموسم الزراعي المقبل والبناء على نجاحات الموسم الحالي، أوضحت وزارة الزراعة أنها تعمل بشكل حثيث على تحديث القوانين والأنظمة الناظمة للقطاع الزراعي، بما يسهم في تسهيل إجراءات استيراد مستلزمات الإنتاج الزراعي وخلق منافسة حقيقية بين الشركات العاملة في هذا المجال لتوفيرها بأسعار أقل وجودة أعلى، وهو الأمر الذي سينعكس مباشرة على زيادة المساحات المزروعة وتحسين ظروف الإنتاج.
كما تواصل الوزارة تشجيع نظام الزراعة التعاقدية بهدف استيعاب الفائض الإنتاجي وتحقيق عائد مادي أفضل للمزارعين، بالتوازي مع الجهود المتواصلة التي تبذلها المؤسسة العامة لإكثار البذار للارتقاء بأصناف البذار المقدمة وتحسين نقاوتها وجودتها والالتزام بأعلى المعايير الفنية، في إطار استراتيجية شاملة تستهدف رفع إنتاجية وحدة المساحة وتعزيز الأمن الغذائي الوطني على المدى البعيد.
خلاصة: 14 رقماً ترسم مستقبل القمح السوري
تؤكد مؤشرات موسم القمح في سوريا 2026 بأرقامها الأربعة عشر أهمية بناء منظومة زراعية متكاملة ومستدامة، تبدأ من دعم الفلاح السوري وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة، مروراً بتنظيم عمليات التسويق والاستلام والتخزين وفق آليات حديثة وفعالة، وصولاً إلى سرعة صرف المستحقات المالية التي يستحقها المزارع دون تأخير. ويبقى القمح محصولاً استراتيجياً بامتياز يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن الغذائي واستقرار القطاع الزراعي في سوريا، كما أن نجاح هذا الموسم يفتح الباب واسعاً أمام تطلعات أكبر في المواسم المقبلة إذا ما استمر الدعم الحكومي وتضافرت الجهود لمعالجة التحديات القائمة.

