حماة: جوهرة التاريخ السوري وقلب الحياة الثقافية

تُعرف مدينة حماة، الواقعة في قلب سوريا الغربي، بلقب “مدينة النواعير” أو “أم النواعير”، وهي مركز محافظة حماة. تمثل هذه المدينة القديمة شرياناً حيوياً للمنطقة، حيث يتدفق عبرها نهر العاصي ليقسمها إلى قسمين رئيسيين: “الحاضر” و”السوق”. تُصنف حماة كرابع أكبر المدن السورية من حيث المساحة والسكان، إذ تُقدر مساحة المحافظة بـ 10200 كيلومتر مربع، وبلغ عدد سكانها حوالي 2.6 مليون نسمة وفقاً لتقديرات عام 2022.
يتميز موقع حماة الجغرافي بأهميته الاستراتيجية البالغة، فهي تقع على وادي الحياة التاريخي الممتد من الأناضول إلى فلسطين، وتُعد حلقة وصل حيوية تربط بين المناطق الجبلية والسهول والبادية السورية. كما أن قربها من موانئ البحر الأبيض المتوسط، على بعد حوالي 100 كيلومتر، عزز من مكانتها كمركز تجاري رئيسي للمنتجات الزراعية والحيوانية عبر العصور.
إن لقب “أم النواعير” ليس مجرد تسمية عابرة، بل هو تجسيد عميق لتميز حماة الهندسي والثقافي. لقد اشتهرت المدينة بنواعيرها التي كانت تُعد الأطول في العالم لحوالي 500 عام، مما منحها تفردًا واضحًا بين المدن السورية التاريخية. يعكس هذا اللقب العلاقة التكافلية بين جغرافية حماة، هويتها، ونشاطها الاقتصادي. فالنهر والنواعير ليسا مجرد معالم طبيعية أو هياكل ميكانيكية؛ بل هما الأساس الذي قامت عليه الحياة والاقتصاد في المدينة. النواعير، كابتكار بشري قديم، مكنت سكان حماة من استغلال مياه العاصي بكفاءة عالية للري، مما دعم الزراعة وجعلها عماد الاقتصاد المحلي. هذا الارتباط الوثيق بين الموارد الطبيعية (النهر)، الإبداع الهندسي (النواعير)، والنشاط الاقتصادي (الزراعة والتجارة) هو ما شكل هوية المدينة ولقبها المميز. تقسيم المدينة نفسها إلى “الحاضر” و”السوق” بواسطة النهر يبرز أيضًا كيف أثرت الجغرافيا بشكل مباشر على التخطيط العمراني وأنماط الحياة اليومية. إن هوية حماة، في جوهرها، هي نتاج تفاعل مستمر بين بيئتها الطبيعية وقدرة سكانها على تكييف هذه البيئة لتحقيق الازدهار والبقاء.
تاريخ حماة العريق: جذور تمتد لآلاف السنين
تُعد حماة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، حيث يعود تاريخها إلى الألف السادس قبل الميلاد، مما يثبت استمرار الحياة فيها لآلاف السنين دون انقطاع. كشفت الحفريات الأثرية التي أجرتها البعثة الدنماركية في قلعة حماة بين عامي 1931 و1938 عن ثلاث عشرة طبقة حضارية، تمتد من العصر النيوليتي (الألف السادس قبل الميلاد) وصولاً إلى القرن الرابع عشر الميلادي. ذُكرت المدينة في الكتاب المقدس باسم “حماث”، وكانت مركزاً تجارياً مهماً للحثيين، مما يؤكد أهميتها في العصور البرونزية والحديدية. كما كانت حماة عاصمة لمملكة حماث الآرامية في الألف الأول قبل الميلاد.
الفترات التاريخية الرئيسة
شهدت حماة تعاقب حضارات وممالك عديدة تركت بصماتها الواضحة على نسيجها العمراني والثقافي:
- العصور الكلاسيكية: بعد الفترات الآرامية والحثية، تعاقبت على حماة حضارات كبرى. ففي زمن السلوقيين، وتحديداً في القرن الرابع قبل الميلاد، تغير اسم المدينة إلى “ابيفانيا” نسبة إلى الإمبراطور أنطيوخس ابيفانيوس. كما تركت الحضارات الرومانية والبيزنطية آثارها في المدينة.
- الفتح الإسلامي: في عام 17هـ/638م، فتح الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح مدينة حماة، وجعلها الخلفاء الراشدون جزءاً من جند حمص، وهو التقسيم الإداري الذي استمر خلال العصر الأموي.
- العهد الأيوبي: شهدت حماة ازدهاراً علمياً وحضارياً ملحوظاً خلال هذه الفترة. كان الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب شخصية بارزة، حيث اشتهر ببناء المدارس والأوقاف الكثيرة في حماة وغيرها من المدن. كما حكمها الملك العالم والمؤرخ والجغرافي الكبير عماد الدين إسماعيل بن علي، المعروف بأبي الفداء، من عام 1310 إلى 1331م. اشتهر أبو الفداء بإسهاماته الفكرية العظيمة، وله مؤلفات قيمة مثل “مختصر في أخبار البشر” و”تقويم البلدان”، ودُفن في مسجده الذي يحمل اسمه في حماة.
- العهد العثماني: خلال الحكم العثماني، بُني قصر العظم، الذي يُعد من أجمل الأوابد المعمارية العثمانية في المدينة، وقد بدأ بناؤه عام 1740م.
أحداث تاريخية هامة
تاريخ حماة ليس مجرد سجل للحضارات المتعاقبة، بل هو أيضاً قصة صمود وتحدٍ في وجه الأحداث الكبرى:
- انتفاضة حماة (1925): كانت هذه الانتفاضة جزءاً مهماً من الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي. شهدت المدينة قتالاً عنيفاً وقصفاً فرنسياً، مما يعكس روح المقاومة لدى أهلها.
- مجـ.ـزرة حماة (1982): تُعد هذه المجـ.ـزرة واحدة من أسوأ الفصول في تاريخ سوريا الحديث. قصف الجيش السوري المدينة بالأسلحة الثقيلة، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين (تقديرات تتراوح بين 10 آلاف و40 ألف قتيل)، وتدمير واسع النطاق شمل 79 مسجداً و3 كنائس و40 عيادة طبية ومناطق تاريخية وأثرية. شكلت هذه الأحداث صدمة عميقة في وعي المدينة وعلاقتها بالنظام.
- الأحداث الأخيرة (2024): شهدت المدينة مؤخراً تحولاً جذرياً بسيطرة قوات المعارضة السورية (هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة) عليها بالكامل، بعد معارك عنيفة أدت إلى انسحاب قوات النظام. رافق هذه السيطرة فرحة عارمة بين الأهالي وتحرير مئات السجناء من السجن المركزي. كما سيطرت المعارضة على مطار حما العسكري وجبل زين العابدين الإستراتيجي.
إن هذا التاريخ المليء بالصراعات والانتفاضات، إلى جانب كونها مركزاً للفكر والثقافة، يبرز جانباً عميقاً من هوية المدينة. فالصمود في وجه الغزاة والأنظمة القمعية ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو سمة متكررة تعكس روحاً قوية لدى أهلها. هذه الروح قد تكون تغذت من عمقها التاريخي والثقافي، حيث أن الوعي بالتاريخ والتراث قد يعزز من الرغبة في الحفاظ على الهوية والكرامة في وجه التحديات. حماة تجسد نموذجاً للمدينة التي تجمع بين الإرث الفكري العميق والقدرة على المقاومة والصمود، مما يجعلها حالة دراسية فريدة في سياق المدن السورية التي مرت بصراعات مماثلة.
شخصيات حموية بارزة
أنجبت حماة العديد من الشخصيات البارزة التي أثرت في التاريخ والفكر والأدب:
- أبو الفداء: الملك الأيوبي والعالم الموسوعي الذي أسهم في مجالات التاريخ والجغرافيا.
- ابن الفارض: شرف الدين عمر بن المرشد الحموي الأصل، أحد أبرز شعراء الصوفية العرب.
- ياقوت الحموي: جغرافي، مؤرخ، وأديب شهير، اشتهر بموسوعته “معجم البلدان” التي قدم فيها وصفاً شاملاً للبلدان، بما في ذلك جوانبها الاقتصادية والاجتماعية.
- ابن حجة الحموي: شاعر وأديب وناقد، رفض مغادرة حماة وألف العديد من الأعمال الأدبية التي تعكس حبه لمدينته.
نهر العاصي والنواعير: شريان الحياة ورمز المدينة الخالد
يُعد نهر العاصي شرياناً حيوياً لمدينة حماة. ينبع النهر من لبنان ويتدفق شمالاً عبر سوريا قبل أن يصب في البحر الأبيض المتوسط بالقرب من السويدية في تركيا. يبلغ طوله الإجمالي حوالي 571 كيلومتراً، منها 525 كيلومتراً داخل الأراضي السورية.
يقسم نهر العاصي مدينة حماة إلى قسمين رئيسين: القسم الشرقي الذي يُعرف بـ”الحاضر” والقسم الغربي الذي يُعرف بـ”السوق”. يتصل هذان القسمان بسبعة جسور تاريخية تربط أجزاء المدينة ببعضها. يُغذى العاصي بالعديد من الروافد الموسمية التي تعتمد على مياه الأمطار وذوبان الثلوج، مثل الكافات، الساروت، قسطون، سلحب، البارد، عفرين، وأبو قبيس، بالإضافة إلى نبع عين الزرقا. أُقيمت على النهر عدة سدود في سوريا، مثل سد محردة وسد العشارنة وبحيرة قطينة، والتي تُستخدم لري مساحات زراعية شاسعة وتُستثمر كمزارع للأسماك.
تاريخ النواعير وأهميتها الهندسية والحضارية
النواعير هي آلات مائية خشبية ضخمة، ذات حركة دائرية مستمرة، تُستخدم لرفع المياه من النهر. يعود تاريخ بنائها إلى الآراميين، مما يدل على قدم هذه التقنية الهندسية الفريدة. تتكون الناعورة من عجلة خشبية ضخمة تدور بفعل قوة تيار النهر، وتُثبت على محيطها صناديق أو دلاء خشبية تُسمى “غرف” أو “سواني”. تمتلئ هذه الصناديق بالماء ثم تفرغه في قنوات علوية تُعرف بـ”السواقي”، والتي تُستخدم لري البساتين، وتزويد البيوت، والحمامات، والمساجد بالمياه.
في بداية القرن السادس عشر، كانت حماة تضم 116 ناعورة، اندثر معظمها بمرور الزمن وبقي منها 19 ناعورة فقط داخل المدينة وناعورتان في شيزر. بعض المصادر الحديثة تشير إلى وجود 117 ناعورة، منها حوالي 16 ناعورة تعمل حالياً.
الوضع الحالي للنواعير وجهود الحفاظ عليها والاعتراف الدولي
تُعد النواعير رمزاً لا يتجزأ من هوية حماة وتراثها الحضاري الفريد. جمالها وتفردها جعلاها تحظى باهتمام دولي، حيث وضعتها منظمة اليونسكو في قوائم التراث الإنساني والثقافي المحمي دولياً. وقد وصف موقع تشيكي أصوات النواعير بأنها “أغنية لا نهاية لها”، مما يعكس سحرها وتأثيرها العميق.
تُبذل جهود حثيثة للحفاظ على هذه الحرفة التقليدية المتمثلة في صناعة وترميم النواعير، وذلك بنقل هذه المعرفة إلى الأجيال الشابة لضمان استمراريتها. حالياً، لا يزال بعض هذه النواعير يعمل لأغراض تجميلية أو لجذب السياح، بينما يُستخدم عدد قليل منها لري البساتين.
إن انخفاض عدد النواعير العاملة وتغير وظيفتها الأساسية، من الري الشامل إلى الاستخدامات الجمالية والسياحية، يعكس تأثير التحديث والتطور التكنولوجي، بالإضافة إلى تداعيات الصراعات التي مرت بها المدينة. ومع ذلك، فإن بقاءها واهتمام اليونسكو بها وجهود الترميم المستمرة يشير إلى أن قيمتها تتجاوز مجرد وظيفتها النفعية. إنها تمثل إرثاً ثقافياً حياً يعكس قدرة المدينة على التكيف مع التغيرات مع الحفاظ على جزء أساسي من هويتها. النواعير في حماة تجسد التوتر بين الأصالة والمعاصرة، وكيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على تراثها الفريد حتى عندما تتغير وظائفه الأساسية. إنها قصة عن كيفية بقاء الرموز الثقافية حية من خلال التقدير والجهود المستمرة للحفاظ عليها، مما يضيف بعداً إنسانياً عميقاً لوصفها.
معالم حماة الأثرية والسياحية: رحلة عبر الزمن
تزخر مدينة حماة بالعديد من المعالم الأثرية والسياحية التي تروي قصصاً من تاريخها العريق وتجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
قلعة حماة
تتربع قلعة حماة على قمة تل استراتيجي يطل على المدينة ونهر العاصي. كشفت التنقيبات الأثرية في التل عن تاريخ طويل من الاستيطان البشري يعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وكانت القلعة عاصمة لمملكة حماث الآرامية. بُنيت القلعة الحالية في القرن الثالث عشر الميلادي، على غرار قلعة حلب، وشهدت أحداثاً تاريخية هامة مثل الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي. على الرغم من تاريخها الطويل، لم يتبق من هيكلها الأصلي سوى بعض الآثار والتصفيح الحجري. تحول تل القلعة اليوم إلى منتزه شعبي جميل يوفر إطلالات بانورامية على المدينة، ويضم متحفاً صغيراً يعرض تحفاً أثرية تم العثور عليها في المنطقة.
قصر العظم
يُعد قصر العظم في حماة تحفة معمارية عثمانية فريدة، ويقع على ضفاف نهر العاصي. بدأ بناؤه أسعد باشا العظم عام 1740م ليكون مقراً لحكم متسلم حماة، ثم أتمه ابن أخيه نصوح باشا وأحمد مؤيد باشا العظم. يتميز القصر بتصميمه المعماري الرائع وزخارفه ونقوشه الإسلامية الدقيقة، واستخدام الحجر الكلسي الأبيض والبازلت بنمط “الأبلق” المميز. بعد أن كان مقراً للحكم ثم قصراً خاصاً بالحريم، تحول القصر إلى مدرسة عام 1920م، ثم إلى متحف إقليمي عام 1956م، وأخيراً إلى متحف للتقاليد الشعبية عام 1999م.
الجوامع الأثرية
تضم حماة عدداً من الجوامع الأثرية ذات الأهمية التاريخية والمعمارية:
- الجامع الأعلى الكبير: يقع في حي المدينة، وكان في الأصل معبداً رومانياً ثم كاتدرائية، وحُوّل إلى جامع على يد أبي عبيدة بن الجراح عام 17هـ/638م. يُعتبر خامس أقدم مسجد في الإسلام. تعرض للتدمير عام 1982 وأعيد بناؤه.
- الجامع النوري: بناه نور الدين الزنكي عام 558هـ/1163م، ويقع مقابل حي الكيلانية.
- جامع أبي الفداء: بناه الملك أبو الفداء عام 726هـ/1326م، ويقع في حي باب الجسر.
- جامع الحسنين: يقع جنوب القلعة، وأعيد بناؤه بعد زلزال عام 1157م.
الخانات والأسواق القديمة
تزخر حماة بالعديد من الأسواق التاريخية، خاصة في القسم الجنوبي من المدينة. من أبرزها:
- خان أسعد باشا العظم: بُني عام 1164هـ/1751م بالقرب من باب البلد.
- خان رستم باشا: يقع في شارع المرابط، ويعود تاريخ بنائه إلى عهد السلطان سليمان الأول العثماني. يضم داخله مسجداً، وقد تحول جزء منه إلى سوق للمهن اليدوية.
- سوق المنصورية (سوق الطويل): بناه المنصور محمد الأيوبي، ويُعد من أهم أسواق المدينة.
الأحياء القديمة
يوجد العديد من الأحياء القديمة التي ما زالت تحتفظ بنسيجها العمراني وتجذب السياح، مثل حي الطوافرة. تشمل الأحياء القديمة الأخرى حي الباشورة والبرازية.
مواقع سياحية أخرى
- حديقة أم الحسن: من أجمل الحدائق العامة في حماة، وتطل على نهر العاصي ونواعيره.
- قرية البيضا: تقع في ريف حماة الغربي، وتتميز بجمال طبيعتها الخلابة وعبق تاريخها.
- متحف حماة الوطني: تأسس عام 1999م، ويقع في موقع مميز يوفر إطلالة على المدينة، وتجاورها حديقة واسعة.
إن المشهد التراثي في حماة ليس مجرد مجموعة من الآثار القديمة، بل هو سجل حي لقصة صمود المدينة وقدرتها على استعادة نفسها بعد الصدمات. فالدمار الواسع الذي لحق بالعديد من المواقع التاريخية خلال مجزرة 1982، مثل المساجد والكنائس والمناطق الأثرية، قابله جهود حثيثة للحفاظ وإعادة البناء. فالجامع الكبير، على سبيل المثال، أعيد بناؤه، وقصر العظم تحول إلى متحف ، وقلعة حماة أصبحت منتزهاً ومتحفاً. هذا التفاعل المتكرر بين الدمار وجهود الحفاظ يكشف عن مرونة استثنائية في الوعي الثقافي للمدينة. إنها ليست مجرد استعادة للمباني، بل هي إعادة تأكيد على الهوية الثقافية والتاريخية في مواجهة محاولات محوها. تحويل المواقع المدمرة أو المتضررة إلى مساحات عامة أو متاحف يعكس استراتيجية للتكيف مع الخسارة وتحويلها إلى فرص للتعليم والتذكر. كل معلم يعكس ليس فقط حقبة تاريخية، بل أيضاً فصلاً في قصة التحدي والإصرار على البقاء.
جدول: أهم المعالم التاريخية في حماة
اسم المعلم | تاريخ البناء/الفترة الزمنية | الأهمية التاريخية والثقافية | الأسلوب المعماري البارز | الحالة الراهنة وجهود الحفاظ |
نواعير حماة | القرن الخامس الميلادي – القرن السادس عشر الميلادي (أصول آرامية) | رمز المدينة، أهمية هندسية وحضارية في الري | تصميم خشبي فريد | بعضها يعمل، الكثير في حالة سيئة، جهود ترميم مستمرة، اعتراف اليونسكو |
قلعة حماة | الألف الخامس قبل الميلاد (كموقع)، القرن الثالث عشر الميلادي (للقلعة الحالية) | مركز حضاري قديم، عاصمة مملكة حماث الآرامية، موقع استراتيجي عبر العصور | بقايا تحصينات حجرية | منتزه شعبي، متحف صغير |
قصر العظم | 1740 ميلادي | مقر إقامة الوالي العثماني، مثال للعمارة العثمانية | عثماني، حلبي، نمط الأبلق | متحف التقاليد الشعبية، أعمال ترميم جارية |
الجامع الأعلى الكبير | القرن الثامن الميلادي (كجامع)، يعود أصله إلى معبد روماني | خامس أقدم مسجد في الإسلام، تاريخ متعدد المراحل | مزيج من الأساليب الإسلامية | أعيد بناؤه بعد تدميره عام 1982 |
جامع أبي الفداء | 1326 ميلادي | بناه الملك العالم أبو الفداء، يتميز بعمارته الأيوبية | أيوبي | يحتفظ بالكثير من معالمه الأصلية |
سوق المنصورية (الطويل) | العصر المملوكي | مركز تجاري واجتماعي هام عبر القرون | تقليدي، مغطى بسقف معدني حديث | نشط، أعمال ترميم جارية |
خان رستم باشا | العهد العثماني (السلطان سليمان الأول) | مركز تجاري تاريخي، يضم مسجداً | عثماني | يضم سوقاً للمهن اليدوية، جهود لتنشيطه |
الحياة في حماة: نسيج اجتماعي واقتصادي نابض
تتميز محافظة حماة بتنوع جغرافي رائع يمزج بين البوادي والسهول والجبال، ويمر بها نهر العاصي بشريطه الأخضر لمسافة 171 كيلومتراً. مناخ المحافظة متوسطي، يتميز بشتاء ماطر وبارد وصيف حار وجاف. الأجزاء الغربية المرتفعة تكون أقل حرارة صيفاً وشتاءً، وقد تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون التجمد شتاءً وترتفع إلى أكثر من 42 درجة مئوية صيفاً في الأجزاء الوسطى. يتراوح معدل الأمطار السنوية بين 175 مم في الأجزاء الشرقية و1000 مم في الأجزاء الغربية المرتفعة، مع تباين كبير من سنة لأخرى.
التركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي المتنوع
تُعد محافظة حماة ثالث أكبر المحافظات السورية من حيث عدد السكان، حيث بلغ تعدادها 2,052,000 نسمة في تقديرات عام 2011، وتشكل مدينة حماة أكبر تجمع سكاني فيها بـ 312,994 نسمة. تتميز المحافظة بتركيبة سكانية متنوعة، حيث يشكل المسلمون السنة الأغلبية بنسبة 61%، يليهم العلويون (19%)، ثم الإسماعيليون (12%)، والمسيحيون (7%)، وأخيراً الشيعة (1%).
يتجلى التفاعل الاجتماعي في حماة عبر الأسواق الشعبية والتجمعات العائلية، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويخلق مجتمعاً متماسكاً. هناك مبادرات مجتمعية نشطة في مجالات دعم التعليم، وتقديم المساعدات الصحية، وتنظيم دورات تدريب مهني، وحملات توعية حول قضايا اجتماعية مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج المبكر. شهدت المدينة مؤخراً تغييرات ديموغرافية أدت إلى تحويل بعض المناطق إلى مختلطة الطوائف والعقائد.
جدول: التركيبة السكانية لمحافظة حماة
الفئة السكانية | النسبة المئوية |
المسلمون السنة | 61% |
العلويون | 19% |
الإسماعيليون | 12% |
المسيحيون | 7% |
الشيعة | 1% |
المجموع | 100% |
الاقتصاد
يُعد اقتصاد حماة نسيجاً مترابطاً يعتمد بشكل كبير على موارده الطبيعية ونشاط سكانه:
- الزراعة: تُعد الزراعة النشاط الاقتصادي الأهم في المحافظة، حيث يعمل فيها حوالي 47.9% من القوة العاملة. تشمل أهم المنتجات الزراعية القمح، الشمندر السكري، البطاطا، الفستق الحلبي، القطن، الخضروات والفواكه المتنوعة، بالإضافة إلى العسل واللوز والرمان والزيتون. تُعد الثروة الحيوانية، خاصة تربية الأغنام والماعز والدواجن والنحل، جزءاً مهماً من النشاط الزراعي. ومع ذلك، تواجه الزراعة تحديات كبيرة مثل التغيرات المناخية، ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وشح مصادر الري.
- الصناعة: تُعد المنطقة الصناعية في حماة محركاً اقتصادياً بارزاً، حيث تضم عدداً كبيراً من المنشآت الصناعية والحرفية على مساحة 7 هكتارات، وتستقطب أكثر من 6000 عامل، وتسهم في دعم الإنتاج المحلي والاقتصاد الوطني. هناك مشاريع صناعية مقترحة تشمل تطوير الرخام، صناعة أجزاء الإنشاءات المعدنية، تصنيع ألواح الطاقة الشمسية، الدهانات، الآلات وخطوط الإنتاج، الدارات الكهربائية، قضبان اللحام، المواد الأولية للمنظفات، والرولات الورقية.
- الحرف اليدوية: تتميز حماة بعراقة حرفها التقليدية، مثل صناعة البسط اليدوية التي تقاوم الاندثار وتعتمد على الصوف الوفير ، والخياطة العربية ، والنقش على النحاس، والمطرزات الشرقية، وصناعة الأغباني، والتنجيد العربي، والخراطة الخشبية، وصناعة الفخار، والخط العربي، والرسم على الزجاج. يُعد سوق المهن اليدوية في خان رستم باشا، الذي افتتح عام 2009، مركزاً مهماً يضم 31 حرفة يدوية قديمة، وتُبذل جهود لتنشيطه وتسويق منتجاته. تواجه الحرف اليدوية تحديات مثل ارتفاع أسعار المواد الأولية وصعوبة تسويق المنتجات.
- التجارة: تُعتبر حماة سوقاً تجارياً رئيسياً للمنتجات الزراعية والحيوانية. تلعب غرفة تجارة حماة دوراً مهماً في تنشيط التجارة وحمايتها وتوجيهها، وتنظم المعارض وتشارك في المؤتمرات الاقتصادية.
إن فهم الترابط بين الركائز الاقتصادية لحماة أمر بالغ الأهمية. فالزراعة، كونها النشاط الاقتصادي الأهم، توفر المواد الخام التي تغذي الصناعات المحلية والحرف اليدوية. بدورها، تدعم التجارة حركة هذه المنتجات. هذا الترابط يعني أن أي ضعف في الركيزة الأساسية، كالزراعة بسبب عوامل خارجية مثل تغير المناخ أو داخلية كارتفاع التكاليف وشح المياه، يؤثر بشكل مباشر على الصناعات والحرف المرتبطة بها. هذا يوضح أن التحديات ليست معزولة، بل تنتشر عبر القطاعات الاقتصادية، مما يجعل الاقتصاد ككل عرضة للتأثر. لذا، يجب أن تكون الحلول شاملة، لا تستهدف قطاعاً واحداً بمعزل عن الآخر، وأن تركز على تعزيز مرونة السلسلة الاقتصادية بأكملها.
جدول: أبرز الحرف اليدوية في حماة
اسم الحرفة | وصف موجز | الأهمية الثقافية/الاقتصادية | التحديات/جهود الحفاظ |
صناعة البسط اليدوية | حياكة البسط والسجاد من قصاصات الأقمشة والصوف | حرفة تراثية عريقة تعكس أصالة المدينة وتعتمد على الصوف المحلي | ارتفاع أسعار المواد الأولية، صعوبة التسويق، جهود لنقل المهنة للأجيال الشابة |
الخياطة العربية | تفصيل وخياطة الزي العربي التقليدي | جزء من التراث اللباسي، يفضله الرجال في حماة وريفها | صراع للبقاء في وجه التحديث |
النقش على النحاس | فن تزيين الأواني والأدوات النحاسية بالنقوش والزخارف | يعكس الفن الإسلامي والتقاليد الحموية | تُعرض في سوق المهن اليدوية |
المطرزات الشرقية | تطريز الأقمشة بأنماط وزخارف شرقية تقليدية | تعبر عن الجماليات الفنية والتراثية | تُعرض في سوق المهن اليدوية |
صناعة الفخار | تشكيل الأواني والأشكال الفنية من الطين | حرفة قديمة تعتمد على المواد الطبيعية | تُعرض في سوق المهن اليدوية |
الخط العربي | فن كتابة الحروف العربية بأساليب جمالية متنوعة | جزء أصيل من التراث الثقافي الإسلامي | تُعرض في سوق المهن اليدوية |
المأكولات الشعبية الحموية
تشتهر حماة بمطبخها الغني الذي يضم العديد من الأطباق التقليدية الفريدة التي تعكس تاريخها وثقافتها:
- حلاوة الجبن: وهي أهم وجبة حلويات في المدينة، إذ اخترعها الحمويون قبل عشرات السنين.
- الباطرش الحموي: طبق مشهور على مستوى سوريا، يتكون من الباذنجان المشوي مع اللبن والطحينة والسمن العربي ورب البندورة والثوم. يُعد وجبة أساسية في حماة ويقصده الزوار خصيصاً لتناوله.
- السختورة: أكلة حموية فريدة، تتكون من أمعاء الغنم (“الكرشة” و”الجقات”) المحشية بالأرز واللحم. تتطلب جهداً ووقتاً طويلاً للتحضير، وكانت تُعرف بـ”أكلة الفقير” فيما مضى، لكنها أصبحت مكلفة اليوم. تُقدم غالباً في العزائم وتُعد من المأكولات الشهية والمفتخرة.
- المغطوط: أكلة مميزة في حماة، يُفضل تناولها بعد صلاة الفجر.
- اليبرق: ورق عنب محشي، يُقدم في المناسبات والأعياد ويتطلب جهداً جماعياً في التحضير.
- الشاكرية: وجبة شعبية رئيسية تُقدم في الأعياد وخلال شهر رمضان، وتشتهر بها حماة بفضل جودة أجبانها وألبانها.
تتجاوز هذه الأطباق والحرف وظيفتها النفعية أو الاقتصادية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمجتمع الحموي. الفخر المرتبط بتحضير السختورة، وجهود الحفاظ على الحرف رغم التحديات، يشير إلى أن هذه الممارسات هي بمثابة روابط حية بالماضي وبالأجيال السابقة. إنها ليست مجرد منتجات، بل هي تعبير عن الذاكرة الجماعية والصمود الثقافي في وجه التغيرات. المأكولات والحرف اليدوية في حماة ليست مجرد تفاصيل، بل هي عناصر حيوية في النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة. إنها تساهم في تعزيز الروابط المجتمعية والحفاظ على الشعور بالانتماء، خاصة في أوقات الاضطراب.
جدول: أمثلة على الأكلات الشعبية الحموية
اسم الأكلة | المكونات الرئيسية | الأهمية/الشهرة |
السختورة | كرشة ومصارين غنم محشوة بالأرز واللحم، فلفل خشن، عصفر | أكلة حموية فريدة، تتطلب جهداً طويلاً، تُقدم في العزائم، كانت “أكلة الفقير” وأصبحت مكلفة |
الباطرش الحموي | باذنجان مشوي، لبن، طحينة، سمن عربي، رب بندورة، ثوم | طبق مشهور في حماة، يُعد وجبة أساسية، يجذب الزوار |
المغطوط | خبز، حليب، سكر (مكونات بسيطة) | أكلة مميزة في حماة، يُفضل تناولها بعد صلاة الفجر |
اليبرق | ورق عنب محشي | يُقدم في المناسبات والأعياد، يتطلب جهداً جماعياً |
الشاكرية | تعتمد على الألبان والأجبان | وجبة شعبية رئيسية تُقدم في الأعياد ورمضان، تشتهر بها حماة |
حلاوة الجبن | سميد، جبن، سكر، قطر | وجبة تراثية حموية، تنسب لها |
حماة المعاصرة: تحديات وآمال المستقبل
شهدت حماة في تاريخها الحديث أحداثاً مفصلية أثرت بعمق على واقعها الراهن ومستقبلها.
أحداث تاريخية حديثة مؤثرة
- مجـ.ـزرة حماة 1982: تُعد هذه المجـ.ـزرة نقطة سوداء في تاريخ المدينة الحديث، حيث قصف الجيش السوري المدينة بالأسلحة الثقيلة، مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير واسع النطاق للمساجد والكنائس والمناطق التاريخية. شكلت هذه الأحداث صدمة عميقة في وعي المدينة وعلاقتها بالنظام الحاكم.
- الأحداث الأخيرة (2024): شهدت حماة مؤخراً تحولاً جذرياً بسيطرة قوات المعارضة السورية (هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة) عليها بالكامل، بعد معارك عنيفة أدت إلى انسحاب قوات النظام. رافق هذه السيطرة فرحة عارمة بين الأهالي وتحرير مئات السجناء من السجن المركزي.
الوضع الخدمي الراهن
عانت المدينة من واقع خدمي متردٍّ لعقود تحت حكم النظام السابق، وذلك بسبب تاريخها المعارض.
- الكهرباء: كان التيار الكهربائي ضعيفاً جداً، يصل لربع ساعة وينقطع لخمس ساعات متواصلة. ورغم بعض الإصلاحات، لا يزال جهد التيار منخفضاً.
- المياه: تعاني العديد من الأحياء، مثل حي القصور والأربعين، من عدم وصول المياه إليها.
- الصرف الصحي: يفتقر حي الصواعق بالكامل لشبكة صرف صحي، مما يعتمد على الحفر والمسارب، ويؤدي إلى انتشار الأمراض.
- النقل العام: ترتفع تكلفة المواصلات (4 آلاف ليرة سورية/0.34 دولار)، وتعاني المدينة من عدم تنظيم خطوط السير ونقص عدد الحافلات الكافية.
- المحروقات: تتوفر المحروقات في محطات الوقود والسوق السوداء، لكن بأسعار مرتفعة جداً (البنزين 1.2-1.3 دولار/لتر، المازوت 11 ألف ليرة، جرة الغاز 170 ألف ليرة)، مما يدفع الأهالي إلى استخدام مدافئ الحطب كبديل أرخص.
- المرافق العامة والحدائق: تفتقر للاهتمام، وأصبحت مجامع للقمامة وغير مجهزة للاستخدام العام.
التحديات الراهنة التي تواجه المدينة
- أمنية: هناك حاجة ماسة لتوفير نقاط أمنية للحفاظ على الأمن العام، خاصة في الأحياء الطرفية. وقد وردت تقارير عن تصاعد حوادث الاختطاف والفوضى الأمنية بعد سقوط النظام، وقد توعد المحافظ الجديد بملاحقة المتورطين وتشديد إجراءات الأمن.
- زراعية: تواجه الزراعة تحديات كبيرة مثل التغيرات المناخية، ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وشح مصادر الري.
- اقتصادية: تعاني المدينة من تدهور اقتصادي عام وتأثر كبير بالصراعات.
- البنية التحتية: تحتاج المنطقة الصناعية إلى تعزيز البنية الكهربائية لضمان استمرارية الإنتاج.
- إعادة الإعمار: هناك دمار واسع النطاق في المدينة وريفها نتيجة الصراع، مما يستدعي جهوداً ضخمة لإعادة بناء المنازل والبنية التحتية.
الآمال والخطط المستقبلية
على الرغم من التحديات، هناك آمال ومبادرات للنهوض بالمدينة:
- مبادرة “حماة تنبض من جديد”: أطلقت محافظة حماة في 28 يناير/كانون الثاني مبادرة “حماة تنبض من جديد” برعاية المحافظ، بهدف تعزيز وتنسيق العمل التطوعي. تهدف الحملة إلى تأطير جهود الأفراد والفعاليات الاقتصادية والمجتمعية والمؤسسات الحكومية والمنظمات والجمعيات المحلية والمغتربين السوريين لخدمة البلد، وتوظيف هذه الجهود في منصة موحدة لتحقيق الأهداف المشتركة. تركز الأولويات على القطاعات الخدمية والصحية والتربوية والتعليمية والخدمات الفنية التي تحتاج إلى إعادة بناء.
- مشاريع إعادة الإعمار: بدأت قطر الخيرية مشاريع لإعادة إعمار المنازل في ريف حماة لمساعدة المتضررين وتحسين الظروف المعيشية. كما توجد مشاريع أكاديمية لإعادة إعمار أحياء معينة، مثل الجزء الشرقي لحي المدينة.
- فرص الاستثمار والتنمية: هناك فرص استثمارية مقترحة في قطاعات الصناعة والزراعة، تشمل مشاريع لتطوير الرخام، صناعة أجزاء الإنشاءات المعدنية، تصنيع ألواح الطاقة الشمسية، وإقامة منشآت دواجن متكاملة ومراكز تسمين الأغنام.
إن التفاعل المعقد بين الصدمات التاريخية، والتحديات الراهنة، وآفاق التعافي يمثل جانباً حاسماً في فهم حماة المعاصرة. إن إرث مجزرة 1982 والصراعات الأخيرة يلقي بظلاله على الواقع، ويتجلى في النقص الحاد في الخدمات والمخاوف الأمنية المستمرة. مبادرة “حماة تنبض من جديد”، رغم أنها تبعث على الأمل، تواجه تحديات هائلة في ظل واقع معقد. كما أن هناك توتراً بين تطلعات السكان المحليين للتعافي وخطط إعادة الإعمار التي قد تُنظر إليها على أنها تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية، كما هو الحال مع المرسوم التشريعي 66 الذي انتقد بسبب مخاوف من مصادرة الأراضي وعدم تركيزه على عودة السكان الأصليين. هذا يشير إلى أن التنمية المستقبلية لا تتعلق فقط بإعادة بناء البنية التحتية، بل أيضاً بمعالجة المظالم التاريخية العميقة وضمان المشاركة العادلة والمنصفة لجميع مكونات المجتمع.
الخاتمة: حماة.. مدينة الصمود المتجدد
تُعد حماة مدينة استثنائية، تجمع بين عراقة التاريخ وعمق الحضارة وروح الصمود المتجددة. من نواعيرها الخالدة التي تروي قصص آلاف السنين من التكيف والإبداع، إلى قلعتها الشامخة وجوامعها العتيقة وقصورها الفاخرة، كل زاوية في حماة تنبض بإرث ثقافي غني. لقد أظهرت المدينة مرونة لافتة في وجه التحديات الكبرى، من الانتفاضات ضد الانتداب إلى المجازر المروعة، وصولاً إلى التحولات السياسية الأخيرة.
ورغم التحديات الخدمية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها في الوقت الراهن، فإن حماة تحمل في طياتها آمالاً كبيرة للمستقبل. فالمبادرات المجتمعية ومشاريع إعادة الإعمار، وإن كانت في بداياتها، تعكس إصرار أهلها على النهوض بمدينتهم. إن المأكولات الشعبية والحرف اليدوية ليست مجرد تفاصيل يومية، بل هي رموز حية لهوية المدينة وقدرتها على الحفاظ على تراثها الثقافي في أوقات الشدة.
حماة، بفضل موقعها الإستراتيجي، وتنوعها الجغرافي، وغنى مواردها، وعمقها التاريخي، وروح الصمود لدى أهلها، تبقى جوهرة سورية تستحق الاهتمام والدعم لتستعيد كامل بريقها وتواصل مسيرتها كقلب نابض بالحياة والثقافة في المنطقة.