العصر الحديث

القومية العربية وتجربة الوحدة: دراسة حالة الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961)

مقدمة

تمثل تجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا (1958-1961) واحدة من أهم المحطات في تاريخ القومية العربية الحديث، حيث جسدت هذه التجربة أول محاولة عملية لتحقيق الوحدة بين قطرين عربيين في القرن العشرين. وقد جاءت هذه الوحدة في سياق تاريخي خاص تميز بصعود حركات التحرر الوطني في العالم العربي، وبروز القومية العربية كإيديولوجية سياسية مؤثرة، وتنامي دور جمال عبد الناصر كزعيم قومي عربي بعد نجاح ثورة يوليو 1952 في مصر وموقفه من العدوان الثلاثي عام 1956.

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل تجربة الجمهورية العربية المتحدة من خلال دراسة السياق التاريخي الذي نشأت فيه، والعوامل التي أدت إلى قيامها، والتحديات التي واجهتها، والأسباب التي أدت إلى انهيارها. كما تهدف الدراسة إلى استخلاص الدروس المستفادة من هذه التجربة وتأثيرها على مسار القومية العربية والمشاريع الوحدوية اللاحقة.

السياق التاريخي والفكري للقومية العربية

لفهم تجربة الجمهورية العربية المتحدة، لا بد من العودة إلى جذور الفكر القومي العربي الذي بدأ يتبلور في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. نشأت القومية العربية كحركة فكرية وسياسية في سياق انهيار الإمبراطورية العثمانية وصعود الحركات القومية في أوروبا، حيث بدأ المفكرون والمثقفون العرب يطرحون أسئلة حول الهوية العربية ومستقبل الأمة العربية.

من أبرز رواد الفكر القومي العربي في هذه المرحلة المبكرة عبد الرحمن الكواكبي ونجيب عازوري وساطع الحصري. طرح هؤلاء المفكرون رؤى متنوعة حول طبيعة الأمة العربية ومقوماتها، حيث ركز البعض على اللغة العربية كعامل أساسي في تشكيل الهوية القومية، بينما أكد آخرون على أهمية التاريخ المشترك والثقافة الواحدة. وقد تطورت هذه الأفكار تدريجياً لتشكل إطاراً نظرياً للحركة القومية العربية التي ستلعب دوراً محورياً في تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة العربية في القرن العشرين.

تميزت مرحلة ما بين الحربين العالميتين بتبلور التيارات السياسية القومية العربية، حيث ظهرت أحزاب وحركات سياسية تبنت الفكر القومي العربي وسعت إلى تحقيق أهدافه. من أبرز هذه الحركات حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تأسس في سوريا على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، والذي طرح شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” و”الوحدة والحرية والاشتراكية” كأهداف أساسية للحركة القومية العربية.

صعود الناصرية وتأثيرها على الحركة القومية

شكلت ثورة يوليو 1952 في مصر نقطة تحول مهمة في تاريخ القومية العربية، حيث وصل إلى السلطة نظام ثوري بقيادة جمال عبد الناصر تبنى الفكر القومي العربي وجعله محوراً أساسياً في سياسته الداخلية والخارجية. تميزت الناصرية بمزجها بين القومية العربية والاشتراكية والتحرر من الاستعمار، مما جعلها نموذجاً جذاباً للعديد من الحركات السياسية في العالم العربي.

اكتسب عبد الناصر شعبية واسعة في العالم العربي بعد موقفه من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث تحول إلى رمز للمقاومة العربية ضد الاستعمار والإمبريالية. وقد استغل عبد الناصر هذه الشعبية لتعزيز دور مصر القيادي في العالم العربي وطرح مشاريع وحدوية طموحة. كان خطاب عبد الناصر القومي يركز على وحدة المصير العربي وضرورة التضامن بين الأقطار العربية لمواجهة التحديات المشتركة، وخاصة الصراع مع إسرائيل والتحرر من النفوذ الأجنبي.

في هذا السياق، بدأت تتبلور فكرة الوحدة بين مصر وسوريا، حيث كانت سوريا تمر بفترة من عدم الاستقرار السياسي والصراعات الحزبية، مما جعل العديد من القوى السياسية السورية تنظر إلى الوحدة مع مصر كحل لأزماتها الداخلية وكوسيلة لتحقيق الأهداف القومية العربية.

العوامل المؤدية لقيام الجمهورية العربية المتحدة

تضافرت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958. على المستوى السوري، كانت البلاد تعاني من حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن منذ الاستقلال عام 1946، حيث شهدت سلسلة من الانقلابات العسكرية والصراعات بين الأحزاب السياسية المختلفة. كان حزب البعث العربي الاشتراكي من أقوى المؤيدين للوحدة مع مصر، حيث رأى فيها تجسيداً عملياً لأفكاره القومية، بينما دعمت قوى يسارية أخرى الوحدة كوسيلة لمواجهة النفوذ الغربي في المنطقة.

كما لعبت العوامل الإقليمية والدولية دوراً مهماً في دفع السوريين نحو الوحدة. فقد كانت سوريا تشعر بالتهديد من جيرانها، وخاصة تركيا التي كانت عضواً في حلف الناتو، والعراق الذي كان جزءاً من حلف بغداد الموالي للغرب. كما كان هناك قلق متزايد من النفوذ الشيوعي المتنامي في سوريا، مما دفع بعض القوى السياسية والعسكرية إلى البحث عن حليف قوي يمكنه حماية البلاد من هذه التهديدات.

من جانبه، رأى عبد الناصر في الوحدة مع سوريا فرصة لتعزيز دوره القيادي في العالم العربي وتحقيق طموحاته القومية. كما كان يأمل في أن تشكل الجمهورية العربية المتحدة نواة لوحدة عربية أوسع تضم دولاً عربية أخرى. وقد حرص عبد الناصر على أن تكون الوحدة اندماجية كاملة، رافضاً أي شكل من أشكال الفيدرالية أو الكونفدرالية، مما يعكس رؤيته المركزية للحكم ورغبته في السيطرة الكاملة على الدولة الجديدة.

الهيكل السياسي والإداري للجمهورية العربية المتحدة

أُعلن عن قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير 1958، وذلك بعد استفتاء شعبي في كل من مصر وسوريا أسفر عن موافقة ساحقة على الوحدة. تم اختيار جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية الجديدة، بينما تم إلغاء جميع الأحزاب السياسية في سوريا وإنشاء “الاتحاد القومي” كتنظيم سياسي وحيد على غرار النموذج المصري.

اتبعت الجمهورية العربية المتحدة نظاماً مركزياً شديداً، حيث كانت القاهرة هي مركز اتخاذ القرارات الرئيسية. تم تقسيم الجمهورية إلى إقليمين: الإقليم الجنوبي (مصر) والإقليم الشمالي (سوريا)، مع تعيين مجلس تنفيذي لكل إقليم. ومع ذلك، كانت السلطة الفعلية مركزة في يد الرئيس عبد الناصر ودائرة ضيقة من المساعدين المصريين، مما أثار استياء العديد من السياسيين والعسكريين السوريين الذين شعروا بأنهم مهمشون في النظام الجديد.

على الصعيد الاقتصادي، تم توحيد العملة والنظام الجمركي بين الإقليمين، كما تم تطبيق سياسات اشتراكية على النمط المصري في سوريا، بما في ذلك الإصلاح الزراعي وتأميم بعض الصناعات. وقد أثارت هذه السياسات مخاوف البرجوازية السورية والملاك الكبار الذين رأوا في الوحدة تهديداً لمصالحهم الاقتصادية.

التحديات والصعوبات التي واجهت التجربة الوحدوية

منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية العربية المتحدة، بدأت تظهر تحديات وصعوبات عديدة هددت استمرار التجربة الوحدوية. كان من أبرز هذه التحديات الاختلاف في البنى الاجتماعية والاقتصادية بين مصر وسوريا، حيث كانت سوريا تتمتع بتقاليد ليبرالية وتعددية حزبية أكثر رسوخاً من مصر، كما كان لطبقتها التجارية والصناعية نفوذ أكبر في الحياة السياسية والاقتصادية.

واجهت السياسات المركزية التي فرضتها القاهرة مقاومة متزايدة من النخب السورية التي شعرت بأن بلادها تحولت إلى مجرد محافظة مصرية. تفاقم هذا الشعور مع تعيين عدد كبير من الضباط والموظفين المصريين في المناصب الحساسة في سوريا، مما أثار حفيظة السوريين الذين اعتبروا ذلك نوعاً من الاستعمار الداخلي. كما أدى حل الأحزاب السياسية السورية، بما في ذلك حزب البعث الذي كان من أشد المؤيدين للوحدة، إلى خلق فراغ سياسي وإحباط لدى القوى السياسية التي كانت تأمل في لعب دور أكبر في الدولة الجديدة.

على الصعيد الاقتصادي، أدت السياسات الاشتراكية المتسرعة إلى اضطرابات في الاقتصاد السوري، حيث هرب رؤوس الأموال إلى الخارج وتراجع الاستثمار الخاص. كما أن توحيد الأنظمة الاقتصادية بين البلدين لم يأخذ في الاعتبار الاختلافات الهيكلية بينهما، مما أدى إلى مشاكل في التطبيق والتنفيذ. زاد من تفاقم الوضع الاقتصادي موجة الجفاف التي ضربت سوريا في عامي 1959 و1960، مما أثر سلباً على الإنتاج الزراعي وزاد من معاناة الفلاحين.

الأبعاد الإقليمية والدولية للتجربة

لم تكن الجمهورية العربية المتحدة مجرد شأن داخلي بين مصر وسوريا، بل كان لها أبعاد إقليمية ودولية واسعة. على المستوى الإقليمي، أثار قيام الجمهورية العربية المتحدة مخاوف الأنظمة الملكية المحافظة في المنطقة، وخاصة في العراق والأردن والسعودية، التي رأت في التجربة الوحدوية تهديداً لاستقرارها ونفوذها. رداً على ذلك، أعلن العراق والأردن عن قيام “الاتحاد العربي الهاشمي” كمحاولة لموازنة تأثير الجمهورية العربية المتحدة، لكن هذا الاتحاد لم يدم طويلاً حيث انهار بعد ثورة 14 تموز 1958 في العراق.

على المستوى الدولي، نظرت القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، بقلق إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة، حيث رأت فيها تعزيزاً للنفوذ السوفيتي في المنطقة وتهديداً لمصالحها النفطية والاستراتيجية. من جهة أخرى، رحب الاتحاد السوفيتي بالتجربة الوحدوية ورأى فيها خطوة نحو تحرر المنطقة من النفوذ الغربي، لكنه كان قلقاً من السياسات المعادية للشيوعية التي اتبعها عبد الناصر، خاصة في سوريا حيث كان للحزب الشيوعي نفوذ ملحوظ.

كان للصراع العربي الإسرائيلي تأثير مهم على مسار الجمهورية العربية المتحدة، حيث رفعت الوحدة من سقف التوقعات الشعبية حول قدرة العرب على مواجهة إسرائيل. وقد استغل عبد الناصر هذه التوقعات لتعزيز شرعية النظام الوحدوي، لكن عدم تحقيق أي إنجازات ملموسة في هذا المجال زاد من خيبة الأمل لدى الجماهير العربية.

أسباب انهيار الجمهورية العربية المتحدة

تراكمت عوامل عديدة أدت في النهاية إلى انهيار تجربة الجمهورية العربية المتحدة في سبتمبر 1961. كان من أهم هذه العوامل تزايد السخط في الأوساط العسكرية السورية على الهيمنة المصرية وتهميش الضباط السوريين. فقد شعر العديد من الضباط السوريين بأنهم فقدوا مكانتهم ونفوذهم لصالح نظرائهم المصريين، مما خلق حالة من الاستياء والغضب داخل المؤسسة العسكرية السورية.

لعبت العوامل الاقتصادية دوراً حاسماً في تأليب الرأي العام السوري ضد الوحدة. فقد أدت السياسات الاشتراكية، وخاصة قرارات التأميم الصادرة في يوليو 1961، إلى إثارة غضب الطبقة البرجوازية السورية التي كانت تمثل قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة. كما أن الأزمة الاقتصادية التي عانت منها سوريا، والتي تفاقمت بسبب السياسات الاقتصادية غير المدروسة والظروف المناخية السيئة، زادت من حدة المعارضة الشعبية للوحدة.

إضافة إلى ذلك، فشلت القيادة المصرية في بناء مؤسسات وحدوية حقيقية تعكس الشراكة بين الإقليمين. ظل النظام السياسي والإداري مركزياً بشكل مفرط، ولم تتح الفرصة للسوريين للمشاركة الفعالة في صنع القرار. هذا الإقصاء السياسي، مقترناً بالممارسات الأمنية القمعية، أدى إلى تآكل الدعم الشعبي للوحدة حتى بين أولئك الذين كانوا من أشد المؤيدين لها في البداية.

الانقلاب والانفصال

في 28 سبتمبر 1961، قامت مجموعة من الضباط السوريين بقيادة عبد الكريم النحلاوي بانقلاب عسكري في دمشق أعلنوا فيه انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. نجح الانقلابيون في السيطرة على المراكز الحيوية في دمشق وباقي المدن السورية بسرعة، مما يشير إلى وجود تخطيط مسبق ودعم واسع داخل المؤسسة العسكرية السورية.

كان رد فعل عبد الناصر على الانقلاب متردداً في البداية، حيث أرسل قوات مظلية إلى اللاذقية لكنه سرعان ما أمر بسحبها، مدركاً أن أي محاولة لاستعادة الوحدة بالقوة ستؤدي إلى حرب أهلية دموية. في خطاب متلفز في 5 أكتوبر 1961، أعلن عبد الناصر قبوله بالأمر الواقع وعدم نيته استخدام القوة ضد “الإخوة في سوريا”، لكنه ألقى باللوم على “الرجعية” و”أعداء الوحدة” في فشل التجربة.

أثار انهيار الجمهورية العربية المتحدة صدمة كبيرة في العالم العربي، حيث كان يُنظر إليها كرمز للآمال القومية العربية. وقد أدى هذا الفشل إلى موجة من التساؤلات وإعادة النظر في الأساليب والوسائل المتبعة لتحقيق الوحدة العربية. بالنسبة لعبد الناصر شخصياً، مثل الانفصال ضربة قاسية لمكانته كزعيم قومي عربي، وإن كان قد تمكن من الاحتفاظ بشعبيته في مصر والعديد من البلدان العربية الأخرى.

الدروس المستفادة من التجربة

تقدم تجربة الجمهورية العربية المتحدة دروساً قيمة حول تحديات وتعقيدات مشاريع الوحدة السياسية. من أهم هذه الدروس أن الوحدة السياسية لا يمكن أن تنجح بالاعتماد على العواطف القومية وحدها، بل تحتاج إلى أسس مؤسسية صلبة ومشاركة حقيقية من جميع الأطراف المعنية. فقد أظهرت التجربة أن المركزية المفرطة وإقصاء النخب المحلية يؤديان حتماً إلى فشل المشروع الوحدوي مهما كانت النوايا الطيبة للقائمين عليه.

كما كشفت التجربة عن أهمية الأخذ في الاعتبار الخصوصيات المحلية والاختلافات البنيوية بين الدول المشاركة في الوحدة. فالتباين في النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين مصر وسوريا لم يحظ بالاهتمام الكافي، مما أدى إلى فرض نموذج واحد لا يتناسب مع واقع البلدين. هذا الدرس مهم بشكل خاص للمشاريع الوحدوية أو التكاملية المستقبلية، حيث يجب أن تكون هناك مرونة كافية لاستيعاب التنوع والاختلاف.

أظهرت التجربة أيضاً خطورة إهمال البعد الاقتصادي في مشاريع الوحدة السياسية. فالسياسات الاقتصادية المتسرعة وغير المدروسة أدت إلى تأليب قطاعات واسعة من المجتمع السوري ضد الوحدة، مما يؤكد ضرورة وجود رؤية اقتصادية واضحة ومتدرجة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الفئات الاجتماعية. كذلك، فإن غياب المشاركة الشعبية الحقيقية والاعتماد على القرارات الفوقية قوض من شرعية التجربة وجعلها عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.

التأثير على مسار القومية العربية

كان لانهيار الجمهورية العربية المتحدة تأثير عميق على مسار الحركة القومية العربية. فقد أدى الفشل إلى تراجع الحماس للمشاريع الوحدوية الاندماجية الكاملة، وبدأ التركيز ينتقل نحو أشكال أخف من التعاون والتنسيق بين الدول العربية. ظهر هذا التحول في تأسيس منظمات إقليمية مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، التي ركزت على التعاون الوظيفي بدلاً من الوحدة السياسية الكاملة.

على المستوى الفكري، أدت التجربة إلى إعادة تقييم نقدية لأطروحات القومية العربية التقليدية. بدأ المفكرون والسياسيون العرب يدركون أن الوحدة العربية لا يمكن أن تتحقق بقرار سياسي فوقي، بل تحتاج إلى عملية تدريجية طويلة المدى تبدأ بالتكامل الاقتصادي والثقافي. كما برزت أصوات تدعو إلى الاعتراف بالتنوع والخصوصيات القطرية ضمن الإطار القومي الأوسع، بدلاً من محاولة فرض نموذج واحد على جميع الأقطار العربية.

من ناحية أخرى، لم يؤد فشل التجربة إلى انطفاء جذوة الحلم القومي العربي بالكامل. فقد استمرت محاولات أخرى لتحقيق أشكال مختلفة من الوحدة أو الاتحاد، مثل محاولة الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عام 1963، واتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا في السبعينات، لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل لأسباب مشابهة لتلك التي أدت إلى انهيار الجمهورية العربية المتحدة.

خاتمة

تمثل تجربة الجمهورية العربية المتحدة محطة مفصلية في تاريخ العالم العربي الحديث، حيث جسدت أول محاولة جدية لترجمة أفكار القومية العربية إلى واقع سياسي ملموس. وعلى الرغم من فشلها، إلا أن هذه التجربة قدمت دروساً ثمينة حول طبيعة التحديات التي تواجه مشاريع الوحدة والتكامل في المنطقة العربية.

أظهرت التجربة أن الوحدة السياسية تحتاج إلى أكثر من مجرد الإرادة السياسية والحماس الشعبي، بل تتطلب بناء مؤسسات قوية، واحترام التنوع والخصوصيات المحلية، ووجود رؤية اقتصادية واضحة، ومشاركة حقيقية من جميع الأطراف. كما كشفت عن خطورة المركزية المفرطة والقرارات الفوقية في مشاريع بهذا الحجم والتعقيد.

في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن تجربة الجمهورية العربية المتحدة تركت بصمة عميقة في الوعي الجمعي العربي. فقد أثبتت أن الوحدة العربية ليست مجرد حلم رومانسي، بل إمكانية واقعية يمكن تحقيقها، وإن كان ذلك يتطلب مقاربات أكثر واقعية ومرونة من تلك التي اتبعت في 1958-1961.

اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على انهيار الجمهورية العربية المتحدة، ما زالت دروس هذه التجربة ذات صلة وأهمية. ففي عصر العولمة والتكتلات الإقليمية الكبرى، تواجه الدول العربية تحديات تتطلب مستويات أعلى من التعاون والتكامل. وبينما قد لا تكون الوحدة السياسية الكاملة هدفاً واقعياً في المدى المنظور، إلا أن أشكالاً أخرى من التكامل الاقتصادي والثقافي والأمني تبقى ضرورية وممكنة.

إن فهم تجربة الجمهورية العربية المتحدة بكل تعقيداتها وتناقضاتها يساعدنا على تجنب أخطاء الماضي والبناء على دروسه. فالتاريخ يعلمنا أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى أسس صلبة وصبر طويل، وأن الطريق نحو التكامل والوحدة يمر عبر احترام التنوع وبناء المؤسسات والمشاركة الحقيقية، وليس عبر القرارات الفوقية والحلول السريعة. هذه هي الرسالة الأساسية التي تتركها لنا تجربة الجمهورية العربية المتحدة، وهي رسالة ما زالت ذات أهمية حيوية للأجيال العربية الحالية والقادمة.

الأسئلة الشائعة

1. ما هي الدوافع الرئيسية التي أدت إلى قيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958؟

لم تكن الوحدة بين مصر وسوريا وليدة قرار عفوي، بل كانت نتاجًا لتفاعل معقد بين عوامل متعددة داخلية وخارجية. ففي سوريا، كان المناخ السياسي يتسم بعدم الاستقرار والانقسامات الحزبية الحادة والتهديد المتزايد من القوى الشيوعية المحلية. دفع هذا الوضع بالعديد من الضباط السوريين وقادة حزب البعث العربي الاشتراكي إلى البحث عن حليف قوي يمكنه حماية استقلال سوريا وتحقيق الاستقرار، وقد وجدوا في مصر بقيادة جمال عبد الناصر هذا الحليف.

من ناحية أخرى، كانت شخصية عبد الناصر الكاريزمية ومشروعه القومي العربي قد بلغت ذروتها بعد تأميم قناة السويس عام 1956، مما جعله رمزًا للتحرر والوحدة في عيون الجماهير العربية، بما في ذلك الشعب السوري. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد لعبت الحرب الباردة دورًا حاسمًا؛ حيث كان يُنظر إلى الوحدة كوسيلة لمواجهة الأحلاف الغربية مثل حلف بغداد، وكبح النفوذ السوفيتي المتزايد في المنطقة. كما أن التهديدات التركية على الحدود الشمالية لسوريا عززت من رغبة دمشق في البحث عن عمق استراتيجي توفره مصر.

2. كيف أثرت الأيديولوجية القومية العربية، وخاصة الفكر الناصري، على تشكيل الجمهورية العربية المتحدة؟

شكلت القومية العربية الإطار الأيديولوجي والدافع الأساسي لقيام الجمهورية العربية المتحدة. فالقومية، بمفهومها الحديث الذي يدعو إلى وحدة الأمة العربية على أساس اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، كانت في أوج توهجها في خمسينيات القرن العشرين. وكان الفكر الناصري هو التعبير الأبرز والأكثر جماهيرية عن هذه الأيديولوجية، حيث ارتكز على مبادئ مناهضة الاستعمار، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والوحدة العربية الشاملة. لقد رأى الكثيرون في عبد الناصر القائد القادر على تحويل حلم الوحدة إلى حقيقة.

في المقابل، كان حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا يحمل شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، وكانت أهدافه تتمحور حول “الوحدة، الحرية، الاشتراكية”، مما خلق أرضية مشتركة مع الفكر الناصري، وإن اختلفت التفاصيل والتطبيقات لاحقًا. لقد كانت الوحدة بين مصر وسوريا، في جوهرها، محاولة لترجمة هذه الشعارات القومية إلى كيان سياسي واقعي، يُنظر إليه كخطوة أولى نحو وحدة عربية أشمل.

3. ما هي أبرز التحديات السياسية والإدارية التي واجهت الجمهورية العربية المتحدة خلال فترة قيامها؟

واجهت الجمهورية العربية المتحدة منذ يومها الأول تحديات سياسية وإدارية هائلة كانت من بين الأسباب الرئيسية لانهيارها السريع. كان أبرز هذه التحديات هو الهيكل السياسي شديد المركزية الذي تبنته الدولة الجديدة، حيث تركزت السلطة بشكل شبه كامل في القاهرة وفي يد الرئيس جمال عبد الناصر. هذا التهميش للقيادات السورية وعدم منح الإقليم الشمالي (سوريا) استقلالية كافية في إدارة شؤونه الداخلية أدى إلى شعور بالإقصاء لدى النخب السياسية والعسكرية السورية.

ومن القرارات التي كان لها أثر سلبي كبير هو حل جميع الأحزاب السياسية السورية، بما في ذلك حزب البعث الذي كان المحرك الأساسي للوحدة، مما أدى إلى فراغ سياسي وجعل الحياة السياسية السورية في حالة من الجمود. بالإضافة إلى ذلك، أدى نقل العديد من الضباط السوريين إلى مصر وإحلال ضباط مصريين محلهم في سوريا، إلى جانب الدور المهيمن لأجهزة المخابرات المصرية بقيادة عبد الحميد السراج، إلى خلق حالة من التذمر والاستياء داخل الجيش والمجتمع السوري.

4. ما هو الدور الذي لعبته العوامل الاقتصادية في كل من قيام الوحدة وانهيارها؟

لعبت العوامل الاقتصادية دورًا مزدوجًا في مسيرة الجمهورية العربية المتحدة. في البداية، كانت هناك آمال اقتصادية معقودة على الوحدة، خاصة من جانب بعض رجال الأعمال السوريين الذين رأوا في الاتحاد سوقًا أوسع لمنتجاتهم. إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد مع تطبيق السياسات الاقتصادية الاشتراكية ذات الطابع المصري في سوريا. ففي يوليو 1961، صدرت قرارات التأميم الواسعة التي طالت البنوك والشركات الصناعية الكبرى في سوريا، والتي كانت تشكل عصب الاقتصاد السوري ويهيمن عليها القطاع الخاص.

أضرت هذه الإجراءات بشكل مباشر بالبرجوازية السورية والطبقة التجارية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير، وأثارت غضبها ومعارضتها للوحدة. كما أن قوانين الإصلاح الزراعي، رغم أهدافها الاجتماعية، أدت إلى تفتيت الملكيات الزراعية وأثرت على الإنتاج في بلد يعتمد اقتصاده بشكل كبير على الزراعة. هذه السياسات الاقتصادية، التي نُظر إليها على أنها فُرضت من القاهرة دون مراعاة لخصوصية الاقتصاد السوري، شكلت أحد المكونات الرئيسية التي غذت الانقلاب العسكري الذي أطاح بالوحدة.

5. إلى أي مدى نجحت الجمهورية العربية المتحدة في تحقيق التكامل الاجتماعي والثقافي بين القطرين المصري والسوري؟

على الرغم من الحماس الشعبي الجارف الذي رافق إعلان الوحدة، إلا أن تحقيق تكامل اجتماعي وثقافي عميق واجه صعوبات جمة. في البداية، كانت هناك مظاهر احتفالية عارمة تعكس رغبة شعبية حقيقية في الوحدة. وجرت محاولات لتوحيد المناهج الدراسية وتنسيق السياسات الإعلامية لتعزيز هوية مشتركة. ولكن، سرعان ما ظهرت فجوات وشعور بالتباين. فالبُعد الجغرافي وعدم وجود حدود برية مشتركة بين البلدين، مع وجود إسرائيل ككيان معادٍ بينهما، حدّ من التفاعل المباشر بين الشعبين.

كما أن بعض الممارسات الإدارية والسياسية خلقت شعورًا لدى السوريين بأنهم يعاملون كـ “مواطنين من الدرجة الثانية” أو كشركاء صغار في الوحدة، مما أضعف الروابط العاطفية الأولية. لقد طغت الهيمنة السياسية والإدارية المصرية على المشهد، مما حال دون نشوء اندماج حقيقي ومتكافئ على المستوى الاجتماعي والثقافي.

6. ما هي الأسباب المباشرة والعميقة التي أدت إلى انفصال سوريا وانهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1961؟

كان السبب المباشر لانهيار الوحدة هو الانقلاب العسكري الذي نفذته مجموعة من ضباط الجيش السوري في دمشق يوم 28 سبتمبر 1961. هذا الانقلاب، الذي عُرف بـ “ثورة الانفصال”، أعلن عن إعادة تأسيس الجمهورية السورية المستقلة. أما الأسباب العميقة فكانت متعددة ومتشابكة، وتراكمت على مدى سنوات الوحدة الثلاث. سياسيًا، كان الاستياء عميقًا بسبب تهميش القيادات السورية، وحل الأحزاب، وهيمنة جهاز المخابرات. اقتصاديًا، أدت قرارات التأميم والإصلاح الزراعي المتأثرة بالنموذج المصري إلى تضرر فئات اجتماعية واقتصادية مؤثرة في سوريا.

عسكريًا، كان هناك تململ واسع في صفوف الضباط السوريين بسبب عمليات النقل والتسريح والشعور بفقدان السيطرة على جيشهم الوطني. يمكن القول إن الانفصال كان تتويجًا لفشل المشروع في تحقيق شراكة حقيقية ومتوازنة، وتحوله إلى علاقة غير متكافئة تهيمن فيها القاهرة على دمشق.

7. كيف أثرت القوى الإقليمية والدولية على مسار تجربة الوحدة؟

كانت تجربة الجمهورية العربية المتحدة محط أنظار ومتابعة حثيثة من القوى الإقليمية والدولية، التي تباينت مواقفها تجاهها. فقد نظرت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، بعين الريبة إلى الوحدة، معتبرة إياها تعزيزًا لنفوذ عبد الناصر المعادي للغرب ومصالحه في المنطقة، وخشيت من امتداد تأثيرها إلى الأنظمة الملكية الموالية لها.

أما الاتحاد السوفيتي، فقد كان موقفه متأرجحًا؛ فبينما دعم الوحدة في البداية كقوة مناهضة للإمبريالية، إلا أن علاقاته مع عبد الناصر شهدت فتورًا بعد حملته على الشيوعيين في كل من مصر وسوريا. على الصعيد الإقليمي، كانت الممالك العربية المحافظة، خصوصًا في الأردن والعراق والسعودية، ترى في الجمهورية العربية المتحدة وخطابها القومي الثوري تهديدًا مباشرًا لشرعيتها وأنظمتها، وقد وُجهت اتهامات لهذه الدول بدعم وتشجيع حركة الانفصال في سوريا.

8. ما هو الإرث التاريخي لتجربة الجمهورية العربية المتحدة وتأثيرها على مستقبل الفكر القومي العربي؟

تركت تجربة الجمهورية العربية المتحدة إرثًا معقدًا ومتناقضًا. من ناحية، يمثل انهيارها أكبر انتكاسة تعرض لها الفكر القومي العربي في القرن العشرين، حيث أظهرت الهوة الشاسعة بين حلم الوحدة الشاملة والتحديات الواقعية لتطبيقه. أدى الفشل إلى حالة من الإحباط والتشكيك في جدوى المشاريع الوحدوية الاندماجية، وفتح الباب أمام صعود “القطرية” (الوطنية المحلية) كبديل أكثر واقعية.

ومن ناحية أخرى، تظل التجربة، رغم قصرها، الرمز الأقوى والأكثر أهمية لطموح عربي تاريخي نحو التوحد، وهي الحالة الوحيدة في التاريخ الحديث التي تنازلت فيها دولتان عربيتان طواعية عن سيادتهما من أجل كيان واحد. كما قدمت التجربة دروسًا قاسية حول ضرورات بناء أي مشروع وحدوي مستقبلي على أسس ديمقراطية وتشاركية واحترام خصوصيات كل قطر، بدلاً من الهيمنة والمركزية المفرطة.

9. هل يمكن اعتبار تجربة الوحدة فشلاً مطلقاً، أم أن لها جوانب إيجابية يمكن البناء عليها؟

إن تقييم تجربة الوحدة يتجاوز الحكم البسيط بالنجاح أو الفشل المطلق. من منظور الهدف الأساسي، وهو إقامة دولة موحدة دائمة، فقد فشلت التجربة بشكل واضح. لكن، يمكن رصد جوانب إيجابية وإنجازات لا يمكن إغفالها. فعلى الصعيد الاقتصادي في سوريا، شهدت فترة الوحدة بداية التخطيط لمشاريع استراتيجية هامة كمشروع سد الفرات، وتبني سياسات تهدف إلى تحرير الاقتصاد من السيطرة الأجنبية. كما أن الوحدة وفرت حماية مؤقتة لسوريا من التهديدات والأحلاف الإقليمية التي كانت تتربص بها.

وعلى المستوى الرمزي، أثبتت التجربة أن فكرة الوحدة ليست مجرد شعار نظري، بل هي طموح قابل للتحقيق إذا ما توفرت الإرادة السياسية والظروف الملائمة. يرى البعض أن الانفصال حمى سوريا من هزيمة أكبر في حرب 1967، بينما يرى آخرون أن استمرار الوحدة كان من الممكن أن يغير موازين القوى في الصراع العربي الإسرائيلي.

10. كيف تناولت الكتابات التاريخية والأكاديمية المختلفة تجربة الجمهورية العربية المتحدة؟ وما هي أبرز وجهات النظر المتباينة؟

تباينت المقاربات التاريخية والأكاديمية لتجربة الوحدة بشكل كبير. يمكن تحديد عدة اتجاهات رئيسية:

  • المقاربة القومية التقليدية: تميل إلى تمجيد الوحدة كأعظم إنجاز قومي، وتفسر انهيارها بشكل أساسي من خلال “المؤامرات الخارجية” و”قوى الرجعية العربية” التي تآمرت لإفشالها.
  • المقاربة السورية الوطنية: تركز على الهيمنة المصرية كسبب رئيسي للفشل، وتصور الوحدة كتجربة أدت إلى قمع الحياة السياسية السورية، وتهميش النخب، والإضرار بالاقتصاد الوطني من خلال سياسات لم تكن مناسبة لواقع سوريا.
  • المقاربة الواقعية/النقدية: يقدمها العديد من الأكاديميين الغربيين والعرب، وتحلل التجربة من زاوية أكثر موضوعية، فتركز على الصدام بين الثقافات السياسية المختلفة، ومركزية واستبداد نظام عبد الناصر، والأخطاء الفادحة في إدارة شؤون الإقليم الشمالي، والصراعات الداخلية بين القوى الفاعلة.
  • المقاربة الاجتماعية-الاقتصادية: تحلل التجربة من منظور الصراع الطبقي، حيث ترى أن سياسات التأميم والإصلاح الزراعي أدت إلى نفور البرجوازية وكبار الملاك السوريين، الذين كانوا من القوى الأساسية التي دعمت الانفصال لحماية مصالحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى