اقتصاد

رؤية عمان 2040: كيف ترسم السلطنة خارطة طريقها نحو اقتصاد ومجتمع المستقبل؟

مقدمة عامة وإطار تحليلي

تُعد رؤية عمان 2040 وثيقة تخطيطية بعيدة المدى تمثل الإطار الناظم للاقتصاد والمجتمع والدولة خلال عقدين قادمين، وهي ثمرة مسار تراكمي من الخبرات الوطنية والتوجيهات السامية والمشاركة الواسعة للمجتمع. لم تعد الرؤى الاستراتيجية في عصرنا مجرد نصوص إرشادية؛ بل باتت منظومات متكاملة تتضمن أهدافاً كمية ونوعية، وآليات حوكمة، ومؤشرات أداء، وخرائط طريق مرحلية لتمويل المشاريع وتنفيذها وتقييم أثرها. في هذا السياق، تتقدم السلطنة برؤيتها الطموحة التي تحوّل طموح التنمية المستدامة إلى تعاقد اجتماعي ومؤسسي واضح المعالم، مع ربط وثيق بين مستوى السياسات العامة ومستوى البرامج والمشروعات على الأرض. إن رؤية عمان 2040 تمثل خطوة مفصلية في تاريخ التخطيط العُماني الحديث، لأنها لا تكتفي بتوصيف الواقع وسرد الطموحات، بل ترسم آليات تطبيقية متدرجة، وتبني منصات للشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية، بما يضمن توطين المعرفة ورفع الإنتاجية وتوجيه الاستثمارات للقطاعات ذات الميزة النسبية.

تعكس الرؤية إدراكاً عميقاً للتحديات العالمية: التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، الثورة الصناعية الرابعة، التحولات الديموغرافية، وضرورة تنمية رأس المال البشري. وهي في الوقت ذاته تستند إلى مرجعيات وطنية متينة: منجزات خطط التنمية السابقة، والدروس المتحصلة من رؤية 2020، والمكتسبات المؤسسية للدولة، وتقاليدها الراسخة في الحوكمة وسيادة القانون. وبذلك تؤسس الوثيقة لإستراتيجية نمو شاملة تُعلي من شأن الإنسان والمعرفة والابتكار، وترتكز على عدالة الفرص، وتوازن التنمية بين المحافظات، وتجويد الخدمات العامة، وتعزيز التنافسية وجاذبية الاستثمار، ضمن بيئة تشريعية وتنظيمية محفزة وشفافة.

السياق التوجيهي والتاريخي للرؤية

تستند الرؤية إلى توجيهات سامية نصّت على إعداد وصياغة وثيقة مستقبلية بإتقان ودقة وفي ضوء توافق مجتمعي واسع، وبمشاركة مختلف فئات المجتمع. من هذا المنطلق، قامت المؤسسات الوطنية بتعبئة الخبرات والطاقات من أجل بلورة إطار استراتيجي يعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ويستشرف المستقبل بموضوعية ورصانة. قامت رؤية عمان 2040 على مبدأ أن التخطيط لا ينجح دون مشاركة فاعلة من المواطنين والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأكاديميين، وأن الوثيقة النهائية ينبغي أن تُعتد بها كمرجع أساسي للتخطيط على مدى عقدين، بما ينعكس على السياسات العامة، والبرامج التنفيذية، والموازنات، ومؤشرات الأداء.

ولأن الرؤى الناجحة تتطلب جدولة زمنية واضحة، تضمن المسار التحضيري خطوات مرحلية محددة بين مارس 2017 ومارس 2019، لإعداد تقارير محاور الرؤية، وصياغة النسخة الأولية، وعقد مؤتمر وطني بمشاركة دولية، وصولاً إلى النسخة النهائية والإعلان عنها خلال الربع الأول من عام 2019. جاءت رؤية عمان 2040 مستوعبة للمتغيرات الإقليمية والدولية، ومتكئة على المقارنات المرجعية والتقارير الدولية، وعلى رصد موضوعي للفجوات التنموية والفرص الكامنة. وتُعتمد رؤية عمان 2040 مرجعاً ناظماً لخطط التنمية اللاحقة، ومحدداً للأولويات الوطنية في الاستثمار والتشريعات وتنمية القدرات المؤسسية.

البنية المؤسسية واللجان الداعمة

يُمثّل البناء المؤسسي للرؤية شرطاً لازماً لتحويل الخيارات الاستراتيجية إلى نتائج قابلة للقياس. قامت هياكل رؤية عمان 2040 على تشكيل لجان متعددة المستويات، تشمل اللجنة الرئيسية برئاسة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، واللجنة الفنية، واللجان القطاعية الموزعة على محاور الإنسان والمجتمع، والاقتصاد والتنمية، والحوكمة والأداء المؤسسي. يتيح هذا التنظيم ترابطاً وظيفياً بين واضعي السياسات والمختصين والخبراء، ويضمن مساراً منتظماً لاتخاذ القرار يقوم على الأدلة والبيّنات. وقد شُكّلت كذلك لجان مساندة مثل لجنة الأولويات الوطنية ومواءمة الاستراتيجيات، ولجنة التنظيم والمتابعة، وفريق الإعداد والتحضير للمؤتمر الوطني، بما يعمق التنسيق بين الجهات ويوسع قاعدة التمثيل المجتمعي.

يرأسها رأس الدولة لضمان أن رؤية عمان 2040 ليست مجرد مبادرة قطاعية، بل مشروع وطني جامع يتطلب التزاماً سيادياً، ومواءمة بين خطط الوزارات والهيئات العامة والخاصة. كما أسست رؤية عمان 2040 مكتب مشروع للرؤية ورفدته بالكفاءات الوطنية لتقديم الدعم الفني والإداري، ووضع آليات إدماج النتائج في خطط العمل، وتنسيق الجهود بين اللجان والجهات التنفيذية. وقد أسهم هذا الهيكل في إيجاد لغة مشتركة بين صناع القرار والممارسين، وفي تحويل قضايا التنمية إلى مشاريع محددة الأهداف والجداول الزمنية والموارد.

منهجية الإعداد: النهج التشاركي والأدلة

تبنّت رؤية عمان 2040 نهجاً تشاركياً منذ المراحل الأولى لبلورة مضامينها. شملت هذه المنهجية ورش عمل في جميع المحافظات، وجلسات مركزة مع فئات المجتمع، وحوارات متخصصة مع القطاع الخاص، ومنتديات مع الأكاديميين والنخب المثقفة وقادة الرأي. كان الهدف مزدوجاً: إشراك الشركاء في تحديد القضايا الرئيسة، واستقبال المقترحات حول التوجهات والغايات في ضوء سيناريوهات مستقبلية محتملة؛ ثم تدقيق المخرجات عبر مقارنات مرجعية دولية وقرائن كمية من المؤشرات القياسية.

وفي ورش العمل الإقليمية تم عرض تشخيص الوضع الراهن على المشاركين، بما في ذلك تحليلات للسياسات، واتجاهات الاقتصاد، ونوعية الخدمات العامة، والفوارق التنموية بين المحافظات. أتاح هذا الأسلوب التفاعلي صوغ مخرجات رؤية عمان 2040 ضمن توافق مجتمعي واسع، وعزّز الشرعية الاجتماعية للوثيقة. وقد مكّن ذلك من أن تصبح رؤية عمان 2040 مشروعاً مجتمعياً قبل أن تكون برنامجاً حكومياً، ما يضاعف فرص الالتزام والتنفيذ، ويُعلي من ثقافة المساءلة، ويغرس ملكية المواطنين للنتائج المتوقعة.

محور الإنسان والمجتمع: الرفاه، الهوية، والقدرات

في محور الإنسان والمجتمع ضمن رؤية عمان 2040 يتم التركيز على ثلاثة مسارات مترابطة: تعزيز الرفاه الاجتماعي، والمحافظة على الهوية والتراث العُماني، وتطوير الكفاءات والقدرات الوطنية. يهدف مسار الرفاه إلى ترسيخ العدالة والمساواة وتمكين الأسرة، ودعم المرأة، والاهتمام بالشباب والأطفال وذوي الإعاقة وكبار السن، وتمكين مؤسسات المجتمع المدني. كما يُعنى بتقوية مظلة الحماية والرعاية الاجتماعية، وتشجيع الاعتماد على الذات، وتخفيض الفوارق بين فئات الدخل، وتوجيه التنمية المحلية المتوازنة.

تؤكد رؤية عمان 2040 على أن الهوية الوطنية المرتكزة إلى القيم الإسلامية السمحة والموروث الثقافي الغني ليست مجرد بعدٍ رمزي، بل ركيزة عملية للتفاعل مع العولمة وتعزيز الانفتاح الواعي، وصون الخصوصية الثقافية، وتحويل التراث إلى مورد معرفي وإبداعي وسياحي واقتصادي. أما مسار تطوير القدرات فيركز على جودة التعليم والتدريب مدى الحياة، ومواءمة المخرجات مع المهارات المطلوبة للمستقبل، والارتقاء بالبحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، وتمكين الشباب من أدوات الاقتصاد الرقمي. وتضع رؤية عمان 2040 سياسات لتمكين المستفيدين من الخدمات العامة عبر معايير جودة، وخيارات متعددة للتمويل، ومشاركة المواطنين في التصميم والتقييم.

الاقتصاد والتنمية: التنويع وتمكين القطاع الخاص

يركّز محور الاقتصاد في رؤية عمان 2040 على بناء اقتصاد متنوع وديناميكي قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً، ومحصّن أمام تقلبات أسعار الطاقة. يقوم هذا المحور على تعظيم قيمة المزايا النسبية لكل محافظة، وعلى توسيع القاعدة الإنتاجية في قطاعات مثل اللوجستيات، والصناعات التحويلية، والسياحة المستدامة، والثروات المعدنية، والاقتصاد الأزرق، والزراعة والغذاء، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، واقتصاد المعرفة. كما يعوّل على رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج عبر الابتكار والتحول الرقمي، وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتحرير المنافسة، وتخفيض كلفة المعاملات، وتطوير أسواق المال.

ولتحقيق ذلك تحدد رؤية عمان 2040 مسارات لتمكين القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص في البنية الأساسية والخدمات. كما تتضمن سياسات للتوطين الذكي للوظائف عالية القيمة، وتنمية سلاسل القيمة المحلية، وتعزيز المحتوى المحلي، وإدماج الشركات الوطنية في الأسواق العالمية عبر تصدير الخدمات والمنتجات ذات التقنية المتقدمة. كما تدفع رؤية عمان 2040 نحو اقتصاد المعرفة الذي يقوم على البيانات والذكاء الاصطناعي، والبحث والتطوير، وحضانة الشركات الناشئة، وربط الجامعات بالقطاع الإنتاجي.

البيئة المستدامة والبنية الأساسية والنظام العمراني

تولي رؤية عمان 2040 أهمية قصوى لاستدامة البيئة باعتبارها ركيزة للصحة العامة وجودة الحياة ومصدر فرص اقتصادية خضراء. يتضمن ذلك حماية الموارد الطبيعية وإدارتها بكفاءة، وتحسين نوعية الهواء والمياه، ومراقبة الملوثات، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. ومن منظور المخاطر، تهدف السياسات إلى التخفيف من آثار التغير المناخي والتكيف معها، عبر تخطيط عمراني مرن، ومعايير بناء مستدامة، وبنى تحتية قادرة على الصمود أمام الظواهر المناخية القاسية.

وتنسجم رؤية عمان 2040 مع مبادئ الاقتصاد الدائري، وتشجّع إعادة التدوير واسترداد الموارد، وتطوير سلاسل قيمة خضراء. وفي البنية الأساسية تُوجّه رؤية عمان 2040 الاستثمار إلى شبكات المياه والطاقة والاتصالات والنقل واللوجستيات والمدن الذكية الملائمة للعيش، بما يحافظ على تنافسية السلطنة كمركز لوجستي ومحور للتواصل بين الدول، ويحفّز النمو وجذب الاستثمارات. كما يتكامل النظام العمراني المتكامل مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، لتوجيه التوسع الحضري، وتحسين كفاءة استخدام الأراضي، وتوفير خدمات حضرية عادلة وشاملة.

الحوكمة والأداء المؤسسي وسيادة القانون

ينطلق محور الحوكمة في رؤية عمان 2040 من فرضية أن الأداء الاقتصادي والاجتماعي يتعاظم عندما تعمل المؤسسات بكفاءة وشفافية، وتتوافر منظومات مساءلة فاعلة، وتُصاغ التشريعات على نحو يوازن بين حماية المصلحة العامة وتمكين الأسواق. يتضمن هذا المحور رفع كفاءة الأجهزة الحكومية، وتحسين التنسيق البيني، وتعزيز ثقة المواطن من خلال خدمات رقمية عالية الجودة، ومواعيد تقيدية معلنة، وآليات تظلّم فعّالة، ومؤشرات أداء منشورة، ومراجعات دورية مستقلة.

وتقترح رؤية عمان 2040 تطوير نظم إدارة المخاطر والامتثال، وتبني مبادئ الجودة الشاملة والابتكار في تقديم الخدمات، وتوطين أفضل الممارسات الإدارية. كما تضع رؤية عمان 2040 آليات للمساءلة تتدرج من المتابعة الداخلية إلى التقويم الخارجي، مع توسيع نطاق البيانات المفتوحة، وإتاحة لوحات تحكم عامة لقياس الأداء. ويستهدف المحور أيضاً تحديث الأطر القانونية بما يواكب التحولات في الاقتصاد الرقمي وحماية البيانات وحقوق المستهلك وتشجيع المنافسة، بما يعزّز بيئة الأعمال ويرفع فعالية الإنفاق الحكومي.

مواءمة الاستراتيجيات الوطنية والدولية

تعتمد رؤية عمان 2040 على مواءمة دقيقة مع الاستراتيجيات القطاعية، وخطط التنمية الخمسية، والاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، وبرامج التنويع الاقتصادي. هذه المواءمة تمنع الازدواجية وتضمن اتساق السياسات وتكامُل الاستثمارات في الوقت والمكان المناسبين. وتستفيد رؤية عمان 2040 من دروس تنفيذ الخطط السابقة، بما فيها رؤية 2020، لتحديث أدوات التخطيط، وتحسين تصميم البرامج، وربط الموازنات بمخرجات محددة، وتطوير قدرات الأجهزة على إعداد دراسات الجدوى وتقييم الأثر.

كما ترتبط رؤية عمان 2040 بأهداف التنمية المستدامة 2030 للأمم المتحدة، عبر ترجمة الأهداف العالمية إلى غايات ومؤشرات وطنية قابلة للقياس والمتابعة، ومراعاة السياق المحلي والموارد المتاحة. ويتكامل ذلك مع التقارير والمؤشرات الدولية ذات الصلة بالتنافسية، والابتكار، وسهولة ممارسة الأعمال، ورأس المال البشري، والاستدامة البيئية، بحيث تُستخدم كأدوات للمقارنة المرجعية والتحسين المستمر.

وحدة متابعة التنفيذ: الاختصاصات والإطار القانوني

من أهم المنعطفات المؤسسية صدور المرسوم السلطاني رقم 2020/100 بتاريخ 18 أغسطس 2020 بإنشاء وحدة متابعة تنفيذ الرؤية واعتماد هيكلها التنظيمي وتحديد اختصاصاتها. نصّ المرسوم على انتقال المخصصات والأصول والحقوق والالتزامات والموجودات من وحدة دعم التنفيذ والمتابعة والمديرية العامة لمتابعة الخدمات الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى الوحدة الجديدة. بهذا القرار تم تجميع القدرات التنفيذية والرقابية في كيان واحد يملك التفويض للأثر بعيد المدى، ويستطيع إدارة محفظة البرامج، وتذليل العقبات، وتقديم الدعم الفعّال للجهات المنفذة.

أنشئت وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 لتمارس مهام متابعة الأهداف والنتائج، وتقديم المساندة للجهات المعنية، وتوفير بيئة محفزة لتنفيذ الخطط والتنموية والاقتصادية، ووضع حلول لمعالجة العقبات، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتطوير التعاون الحكومي، وتمكين ثقافة الابتكار والجودة، ومتابعة جودة الخدمات المقدمة للجمهور، ووضع النظم والإجراءات التي تكفل حصول المتعاملين على أفضل الخدمات، وتبسيط الإجراءات وتسهيل الخدمات. وتتولى الوحدة قيادة محفظة برامج رؤية عمان 2040 عبر منهجيات رشيقة، وإدارة مؤشرات الأداء، والتنسيق عبر لجان توجيهية، وإحالات حوكمة واضحة تحدد الأدوار والمسؤوليات. وبذلك تُحَوِّل رؤية عمان 2040 من وثيقة إلى منظومة تنفيذية ذات مسارات متابعة وتعلم مؤسسي وتحسين مستمر.

هندسة التخطيط والبرمجة ومؤشرات الأداء

تعتمد هندسة التخطيط في رؤية عمان 2040 على مبدأ “سلسلة القيمة للسياسات العامة”، التي تبدأ بالتشخيص القائم على الأدلة، وتمر بتصميم التدخلات وتحديد المدخلات والمخرجات والنتائج، وتنتهي بقياس الأثر. تُترجم الأهداف الاستراتيجية إلى برامج ومشروعات بآجال زمنية محددة، وبموازنات قائمة على الأداء، مع تحديد واضح لمؤشرات المدخلات والمخرجات والنتائج والأثر. وتُستخدم الأطر المنطقية وبطاقات الأداء المتوازن ولوحات القيادة الرقمية لتتبع التقدم وإدارة الانحرافات.

وتتطلب محاسبية على مخرجات رؤية عمان 2040 أن تُنشر المؤشرات الرئيسية بشكل دوري، مع وضع خطوط أساس وأهداف سنوية ومتوسطة وبعيدة المدى، وآليات للمراجعة والتقويم الخارجي. كما تُعزّز رؤية عمان 2040 ثقافة القرارات المبنية على البيانات عبر تحسين جودة الإحصاءات الوطنية، وتكامل قواعد البيانات الحكومية، وتفعيل سياسات البيانات المفتوحة، وتمكين الباحثين ورواد الأعمال من الاستفادة من البيانات لإيجاد حلول مبتكرة، وربط ذلك بمنصات التمويل والتحفيز.

الشراكة مع القطاع الخاص وتمويل التنمية

تتطلّب الأجندة الاستثمارية في البنية الأساسية والقطاعات الإنتاجية والخدمات العامة تنويع أدوات التمويل، بما في ذلك الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والصكوك والسندات، وصناديق التنمية، ورؤوس الأموال الجريئة، وآليات التمويل الممزوج. ينظر القطاع الخاص إلى رؤية عمان 2040 كإطار للتنافسية والاستقرار التنظيمي، مما يقلل المخاطر الإدراكية، ويشجع على استثمارات طويلة الأجل في اللوجستيات، والطاقة النظيفة، والسياحة المستدامة، والتقنيات الناشئة، وسلاسل القيمة في الغذاء والدواء والمعادن.

استراتيجية الاتصال والمبادرات المجتمعية

لا تكتمل دورة السياسات دون اتصال مؤثر يخلق فهماً عاماً ويعزز المشاركة والملكية المجتمعية. لهذا أُطلقت حزمة مبادرات اتصالية تشرف عليها لجنة التنظيم والمتابعة، وتستهدف الشباب والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية والنشء والإعلام. جاءت استراتيجية الاتصال في رؤية عمان 2040 لضمان مشاركة كافة القطاعات وتعزيز دور الشركاء، وترسيخ قيم الشفافية والتفاعل وتبادل الآراء. من أبرز المبادرات: “فريق عُمان 2040” الذي يعمل بوصفه جسراً مع مختلف الشرائح لنقل رسائل الرؤية، ومبادرة “كل عُمان” (مارس–مايو 2018) لتفعيل الحوار المجتمعي في المحافظات.

وقد عزّزت مبادرة كل عُمان حضور رؤية عمان 2040 في الحياة اليومية للمواطنين من خلال برنامج يومي مكثف بكل محافظة يجمع الأطراف المعنية لمناقشة القضايا والتوجهات. كما أتاحت مبادرة “وجه المستقبل” مشاركة الأطفال (8–15 سنة) في الفعاليات، بما يعمّق التربية المدنية المبكرة. أما “إعلام المستقبل” فاستهدف تطوير الأجندة الإعلامية وإيجاد قنوات تفاعلية للإعلاميين لتناول موضوعات الرؤية بمنهجية مهنية، فيما وفّرت “حاضنة الإبداع الشبابي” مساحة لتوليد الأفكار المبتكرة وربطها ببرامج التنفيذ. وساهم فريق عُمان 2040 في تنزيل رسائل رؤية عمان 2040 ومنهجياتها إلى المحتوى الرقمي والحوارات المجتمعية، بينما وفّر “حوار قطاع الأعمال” منصة مستقرة لالتقاط مرئيات القطاع الخاص ومواءمتها مع السياسات.

إدارة التحديات والمخاطر وبناء جاهزية التنفيذ

لا تخلو أي رؤية من تحديات؛ فنجاح التنفيذ يتطلب إدارة محكمة للمخاطر والموارد والتوقعات. من التحديات المحتملة: تقلبات الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، والتغير المناخي، والتحولات التقنية المتسارعة، والضغوط على المالية العامة، وضرورة المواءمة بين سرعة الإصلاح وقدرة المؤسسات على التكيّف. تواجهة المؤسسات هذه التحديات عبر حوكمة قوية، وخطط للطوارئ، ومراجعات ربع سنوية، وبرامج لبناء القدرات، وتحفيز الابتكار داخل الجهات، ومقاربات تجريبية “رشيقة” تسمح بالتعلّم السريع والتصحيح في المسار.

تواجه رؤية عمان 2040 هذه التحديات عبر تعميق الشراكات وتمكين القيادات الوسطى، وتحسين إدارة التغيير، وإشراك الموظفين والمستفيدين في تصميم الخدمات، وتبني حوافز قائمة على الأداء، وربط المكافآت بالنتائج. ولتذليل العقبات تُرسّخ رؤية عمان 2040 إدارة التغيير المؤسسي عبر خطط اتصال داخلية، وتدريب متخصص، وتطوير أدلة إجراءات ومصفوفات مسؤوليات واضحة، مع آليات إرشاد وتوأمة مع جهات رائدة. كما تقتضي رؤية عمان 2040 بناء قدرات تحليل البيانات وإدارة المحافظ والمشاريع، والارتقاء بمهارات إعداد دراسات الجدوى والتعاقد وإدارة سلسلة التوريد الحكومية، بما يخفض كلفة التنفيذ ويرفع الجودة.

التكامل الإقليمي والتنمية المتوازنة للمحافظات

تُظهر الأدبيات التنموية أن تحقيق التوازن الإقليمي يخفّض الفوارق ويحسّن الكفاءة الاقتصادية ويحرك الطلب المحلي. لذلك تستهدف السياسات دفع التنمية المتوازنة عبر تحديد الفجوات التنموية لكل محافظة، وتوجيه الاستثمارات إلى البنى الأساسية ورأس المال البشري وفق المزايا النسبية. يشمل ذلك تطوير مناطق اقتصادية متخصصة، وحاضنات أعمال، ومراكز لوجستية، ومرافئ صيد حديثة، وبنى سياحية مستدامة، وشبكات نقل تربط التجمعات السكانية بالأسواق ومراكز الخدمات. ويسهم هذا التوجه في خلق وظائف لائقة، وتوزيع عوائد النمو، وتخفيف الضغط على المدن الكبرى، وتحسين جودة الحياة الريفية والحضرية.

كما تُعد المشاركة المجتمعية في المحافظات محركاً أساسياً لنجاح البرامج؛ إذ تُبنى الخطط المحلية عبر تشاورات تقودها البلديات والجهات المركزية، مع آليات دقيقة لمتابعة التنفيذ. ويُستكمل ذلك بدعم منظومة الابتكار والتقنية في المحافظات لتوليد حلول محلية للمياه والزراعة والطاقة واللوجستيات والسياحة، بما يعزز الترابط بين المراكز والأطراف ويُحَسِّن صمود المجتمعات أمام المخاطر المناخية والاقتصادية.

التحول الرقمي والابتكار كرافعة للتنفيذ

أضحى التحول الرقمي ضرورة لا خياراً، فهو يختصر دورات الإجراءات، ويزيد الشفافية، ويرفع الكفاءة، ويتيح خدمات عامة متمحورة حول المستخدم. يشمل ذلك هوية رقمية موحدة، وتبادل بيانات مؤسسي، ومنصات سحابية، وحلول ذكاء اصطناعي لتحليل الطلب على الخدمات وتوقع الأعطال وتخصيص الموارد، إضافة إلى الدفع الإلكتروني وسلاسل كتل للشفافية في المشتريات. ويواكب ذلك إطار تشريعي لحماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني، ومعايير لسهولة الاستخدام وإمكانية الوصول لذوي الإعاقة.

الابتكار بدوره ليس محصوراً في المختبرات؛ بل هو ممارسة مؤسسية تُحفَّز عبر صناديق تحدي وميزانيات تجريبية، ومسرّعات للسياسات، وحاضنات حكومية–خاصة، وبرامج زمالة لربط الباحثين بصناع القرار. ومن خلال الربط بين الجامعات والقطاع الإنتاجي، تتولد حلول تطبيقية ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر، تُقاس عبر براءات اختراع ومنتجات وخدمات وشركات ناشئة وفرص عمل نوعية.

الثقافة المؤسسية والقيادة والموارد البشرية

نجاعة التنفيذ رهينة بثقافة مؤسسية تشجع التعلم من الإخفاقات بقدر الاحتفاء بالنجاحات، وتمنح مساحات للمبادرة وتحمل المسؤولية. تقوم القيادة الفاعلة على التواصل المستمر، والوضوح في الأهداف، وتوزيع الصلاحيات، وتمكين فرق متعددة التخصصات. كما يتطلب الأمر منظومة للموارد البشرية تربط الترقّي بالجدارة، وتكافئ الأداء، وتستثمر في التدريب المستمر، وتوفّر مسارات مهنية جاذبة، وتحفّز الاستبقاء، وتستقطب المواهب العالمية إلى مجالات نوعية تسندها برامج إحلال وتوطين ذكية.

تدعم هذه الثقافة المؤسسية سياسات مرنة للعمل عن بُعد، وأساليب إدارة مشاريع حديثة، ومجتمعات ممارسة تشاركية، ومنصات رقمية للمعرفة التنظيمية، بما يعزز التأقلم والرشاقة التنظيمية والاستجابة السريعة للمتغيرات دون فقدان الانضباط الإجرائي.

منظومات القياس والتقويم والأثر

يُعد القياس الدقيق والتقويم المستقل من أهم عوامل تجويد التنفيذ. تتضمن المنظومات الفاعلة تحديد مؤشرات قيادة رئيسية على مستوى كل محور وبرنامج، مع خطوط أساس واضحة، وأهداف مرحلية، ومصادر بيانات موثوقة، وتواتر معلن للنشر، ومراجعات خارجية دورية. يُضاف إلى ذلك أدوات تقييم الأثر الاجتماعي والبيئي والاقتصادي، واستطلاعات رضا المستفيدين، واختبارات A/B للخدمات الرقمية، ونماذج محاكاة لسيناريوهات السياسة العامة.

وحتى تضمن المنظومة التحسين المستمر، ينبغي تبني دوائر تعلم مغلقة تربط نتائج القياس بقرارات تخصيص الموارد وإعادة تصميم البرامج. وتتحقق الشفافية عبر نشر التقارير ولوحات التحكم العامة، مع تفسير النتائج بلغة مبسطة، وتقديم خطط تصحيحية، والتزام زمني واضح للإجراءات، بما يعزز ثقة الجمهور ويحفز المنافسة الإيجابية بين الجهات.

اقتصاد أخضر ومستقبل الطاقة

على المدى المتوسط والبعيد، يحمل التحول العالمي للطاقة فرصاً كبيرة للاقتصادات القادرة على إنتاج الطاقة المتجددة ومشتقاتها. يتكامل تطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع إمكانات الهيدروجين الأخضر وسلاسل القيمة المصاحبة، من الإلكتروليزر والنقل والتخزين إلى الاستخدامات الصناعية والنقل الثقيل. يفتح ذلك آفاقاً للشراكات مع مستثمرين عالميين، ونقل المعرفة، وتأسيس صناعات محلية مساندة، وخلق وظائف نوعية، وخفض كثافة碳ية للصناعات المحلية بما يعزز تنافسيتها في أسواق تفرض قيوداً كربونية.

كما يستدعي الاقتصاد الأخضر سياسات للاستغال الاقتصادي للنفايات وإعادة التدوير، وتوسيع البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، وتحفيز البناء الأخضر، وتسعير الكربون أو حوافز خضراء، وإدماج المخاطر المناخية في الإفصاحات المالية للشركات، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعزز جاذبية رأس المال المستدام.

البعد الثقافي والهوياتي في التنمية

تؤكد التجارب أن التنمية المستدامة تُبنى على هوية راسخة تعزز الانتماء والفاعلية المجتمعية. يتمثل ذلك في صون التراث المادي واللامادي، وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، وتشجيع السياحة الثقافية، وربط الهوية الوطنية بالمناهج التعليمية وبرامج الشباب. لا ينحصر الأمر في الحفظ؛ بل يتجاوز إلى التوظيف الخلاق للتراث في الفنون والتصميم والمنتجات والسرديات الوطنية التي تعزز القوة الناعمة للدولة وتدعم الاقتصاد الإبداعي.

نحو نظام خدمات عامة متمحور حول الإنسان

تحسين نوعية الخدمات العامة هو محكّ الثقة بين المواطن والدولة. يتطلب ذلك إعادة تصميم الخدمات من منظور رحلة المستفيد، وتبسيط الإجراءات، وتقليل الوثائق، وربط البيانات بين الجهات، واعتماد “الافتراضي أولاً” حيثما أمكن، وتوفير قنوات متعددة تراعي الفئات جميعها، بما في ذلك ذوو الإعاقة وكبار السن وسكان المناطق البعيدة. وتدعم هذه المقاربة معايير زمنية معلنة للاستجابة والإنجاز، وقياساً دورياً للرضا، وآليات للتظلّم سريعة وشفافة.

خاتمة: تعاقد للمستقبل وإرادة تنفيذ

تمثل رؤية عمان 2040 عقداً اجتماعياً واقتصادياً جديداً يقوم على المشاركة، والواقعية، والطموح، والالتزام المؤسسي بقياس النتائج وتعلّم الدروس وتصحيح المسار. إنها عملية مستمرة تتطلب حوكمة قوية، وتنسيقاً دقيقاً، وتمويلاً مبتكراً، وبناء قدرات بشرية، وشراكات واسعة، وثقافة مؤسسية تتقبّل التغيير وتديره بوعي. إن قدرة الرؤية على تحويل الموجهات إلى أثر ملموس في حياة الناس ستقاس بتحسن جودة الخدمات، وارتفاع الإنتاجية، وتنوع القاعدة الاقتصادية، وعدالة الفرص بين المحافظات، واستدامة البيئة، وقوة المؤسسات. بذلك تتقدم السلطنة بثقة نحو عقدين قادمين من العمل الجاد والابتكار والتنمية المتوازنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى