تراث مادي

جامع أبي الفداء: شاهد باقٍ على تاريخ حماة المملوكي؟

وكيف يروي لنا هذا الصرح قصة أمير ومؤرخ عظيم؟

يُعَدُّ جامع أبي الفداء في مدينة حماة السورية أكثر من مجرد معلم معماري؛ إذ هو سجل تاريخي حي يروي فصولاً من سيرة مدينة ورجالاتها. إن هذا الصرح الذي يربض على ضفاف نهر العاصي ليس بناءً حجرياً أصم، بل هو ذاكرة مكان ورمز لعصر ذهبي.

عندما نتحدث عن جامع أبي الفداء، فإننا لا نتحدث فقط عن مكان للعبادة، بل عن شاهد على فترة مهمة من تاريخ حماة. فقد تأسس هذا الجامع في العصر المملوكي، وتحديداً في عام 727 هـ (1326 م)، بأمر من السلطان الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل، المعروف بلقب “أبي الفداء”، الذي لم يكن مجرد حاكم، بل كان مؤرخاً وجغرافياً فذاً ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ المدينة والعلم. يقع الجامع في محلة باب الجسر على الضفة الشمالية لنهر العاصي، وهو موقع إستراتيجي يربطه بقلب المدينة وتاريخها النابض.

إن قصة جامع أبي الفداء هي قصة حماة نفسها، مدينة النواعير والتاريخ العريق التي تُعرف حتى اليوم بمدينة أبي الفداء تكريماً لهذا الملك العالم. كما أن الجامع يحتوي على ضريح بانيه، مما يجعله مزاراً تاريخياً ودينياً فريداً؛ إذ يجمع بين العمارة المملوكية الأصيلة والذكرى الخالدة لأحد أعظم حكام حماة.

من هو أبو الفداء الذي خُلِّد اسمه في هذا الصرح؟

إن شخصية أبي الفداء (Abu al-Fida) تُعَدُّ محورية لفهم قيمة هذا الجامع؛ فهو لم يكن أميراً أيوبياً عادياً، بل كان نموذجاً فريداً للملك العالم. وُلد عماد الدين إسماعيل في دمشق عام 1273م في خضم غزوات المغول، ونشأ في بيئة مليئة بالتحديات، لكنه استطاع أن يجمع بين الحنكة السياسية والشجاعة العسكرية والشغف العلمي. لقد كان مؤرخاً عظيماً، ومن أشهر أعماله كتاب “المختصر في أخبار البشر”، وهو موسوعة تاريخية شاملة، وكتاب “تقويم البلدان” الذي يُعَدُّ مرجعاً جغرافياً مهماً حتى يومنا هذا. فقد استطاع أبو الفداء، خلال فترة حكمه لحماة التي امتدت من عام 1310م إلى 1331م، أن يحولها إلى مركز ثقافي وعلمي مزدهر، يجذب إليه العلماء والشعراء من كل حدب وصوب.

اقرأ أيضاً:  حماة في العصر الأموي: دراسة تاريخية شاملة 661 م

على النقيض من العديد من الحكام الذين يخلدهم التاريخ بفتوحاتهم العسكرية فقط، فإن أبا الفداء خُلد بأعماله العمرانية والعلمية؛ إذ كان مجلسه منتدى ثقافياً، وقرّب إليه أهل العلم ورتب لهم الرواتب، مما جعل من حماة منارة للعلم في عصره. يُعَدُّ بناء جامع أبي الفداء تتويجاً لجهوده في خدمة مدينته، إذ لم يكن مجرد مسجد، بل مجمعاً يضم مدرسة علمية، ليصبح مركزاً دينياً وثقافياً متكاملاً. فهل يا ترى يمكننا فصل تاريخ الجامع عن سيرة بانيه العظيم؟ الإجابة هي لا بكل تأكيد؛ إذ إن الحجارة نفسها تبدو وكأنها تروي سيرة هذا الملك الذي أوقف حياته للعلم والحكم الرشيد.

ما هي أبرز السمات المعمارية التي تميز جامع أبي الفداء؟

يتميز جامع أبي الفداء بخصائص معمارية فريدة تجعله نموذجاً مميزاً للعمارة التي تجمع بين الطابعين الأيوبي والمملوكي. إن تصميمه يعكس دقة الهندسة وجمال الزخرفة التي سادت في تلك الفترة، ويمكن تلخيص أبرز سماته في النقاط التالية:

الصحن والأروقة: يتوسط الجامع صحن (Courtyard) واسع ومكشوف، تحيط به أروقة محمولة على أعمدة دائرية من ثلاث جهات، مما يوفر مساحة رحبة ومظللة للمصلين والدارسين.

حرم الصلاة: يأخذ حرم الصلاة شكلاً مستطيلاً، ويتوسط سقفه قبة كبيرة ترتكز على قاعدة مضلعة، وهي سمة مميزة في العمارة الإسلامية لتلك الفترة.

الزخارف والفسيفساء: تتزين واجهة الحرم والمحراب بزخارف رائعة من الفسيفساء الصدفية (Mother-of-pearl mosaics) التي تشكل لوحات هندسية بديعة. بالإضافة إلى ذلك، استُخدم الرخام الملون والمُشقَّف في تزيين أجزاء من الجامع، مما يضفي عليه لمسة من الفخامة والجمال.

الكتابات الأثرية: يضم الجامع شريطاً كتابياً من الرخام المطلي بالذهب، نُقشت عليه آيات قرآنية بخط النسخ، بالإضافة إلى نص تاريخي يوثق أمر بناء الجامع واسم بانيه وتاريخ الإنشاء في عام 727 هـ.

جامع الحيايا: يشتهر جامع أبي الفداء بين الأهالي باسم “جامع الحيايا” أو “جامع الحيات”. وتعود هذه التسمية الغريبة إلى وجود عمود رخامي مزدوج ومميز بين نافذتين جنوبيتين، تتشابك في زواياه ثماني أفاعٍ بشكل متداخل ومتقن، مما يخلق تضفيراً زخرفياً فريداً من نوعه.

اقرأ أيضاً:  التغيرات العمرانية في حماة خلال فترة الانتداب الفرنسي: بين الأصالة والتحديث 1925

كيف يعكس تصميم الجامع خصائص العمارة في العصر المملوكي؟

إن جامع أبي الفداء يُعَدُّ تجسيداً حياً لأسلوب العمارة المملوكية مع لمسات أيوبية واضحة، مما يجعله ذا قيمة فنية وتاريخية عالية. فقد بُني الجامع باستخدام الحجر الكلسي والبازلتي، وتتميز واجهاته الخارجية بمداميك حجرية ذات تشكيلات هندسية بارزة، وهو أسلوب شائع في العمارة الشامية. كما أن استخدام الفسيفساء الصدفية والرخام الملون يعكس مدى الترف الفني الذي وصلت إليه الدولة المملوكية، التي اهتمت بتزيين منشآتها الدينية بأفخم المواد وأجمل الزخارف.

من جهة ثانية، فإن وجود قبة مركزية فوق حرم الصلاة، والأروقة التي تحيط بالصحن، كلها عناصر رئيسة في تصميم المساجد الجامعة في تلك الحقبة. لكن، ما يميز جامع أبي الفداء هو احتواؤه على ضريح بانيه، وهو تقليد كان شائعاً لدى السلاطين والأمراء المماليك والأيوبيين، الذين كانوا يحرصون على أن تُلحق أضرحتهم بمنشآتهم الدينية لتكون مقصداً للدعاء والزيارة. وعليه فإن تصميم الجامع لا يعكس فقط الطراز المعماري السائد، بل يعبر أيضاً عن المكانة الاجتماعية والدينية لبانيه، الملك المؤيد أبي الفداء. انظر إلى التفاصيل الدقيقة في النقوش الكتابية والزخارف الهندسية، ستجد أنها تحمل رسائل رمزية عن العلم والإيمان والقوة، وهي القيم التي آمن بها أبو الفداء ونشرها في حماة.

بماذا يتميز ضريح أبي الفداء الموجود داخل الجامع؟

يقع ضريح الملك أبي الفداء في الجهة الشمالية من الجامع، على يمين المدخل الرئيس، داخل غرفة مستقلة تُعَدُّ تحفة معمارية بحد ذاتها. هذا الضريح الذي أعده الملك لنفسه قبل وفاته عام 1331م، يتميز بعدة جوانب تجعله محط اهتمام الزوار والباحثين:

القبة المفصصة: تغطي غرفة الضريح قبة مبنية من الآجر، تتميز بأنها مفصصة (Ribbed dome) وتتألف من أربعة وعشرين ضلعاً. هذا النمط من القباب يُعَدُّ سمة من سمات العمارة الأيوبية التي كانت منتشرة في حماة وحلب ودمشق، وهو يضفي على الضريح شكلاً جمالياً مميزاً.

التركيبة الرخامية: في وسط الحجرة، توجد تركيبة رخامية تغطي القبر، وعليها غطاء خشبي مزخرف بأشكال هندسية دقيقة تعكس براعة الحرفيين في ذلك العصر.

النقوش الكتابية: نُقشت على محيط التركيبة الرخامية آية الكرسي كاملة مع البسملة، بالإضافة إلى ثلاثة أسطر عند جهة الرأس كُتبت بالخط النسخي، توثق اسم المدفون وألقابه وتاريخ وفاته.

اقرأ أيضاً:  بيوت حماة التقليدية: هندسة المنازل العربية وملامح الخصوصية

الموقع داخل الجامع: إن وجود الضريح داخل أسوار الجامع الذي بناه صاحبه يمنحه رمزية خاصة؛ إذ يربط بين الإرث العلمي والعمراني للملك أبي الفداء ومثواه الأخير، ليظل ذكره خالداً في المكان الذي أحبه وخدمه.

وقفة عالم آثار: ما الذي يعتريني وأنا أقف بين جنبات الجامع؟

كعالم آثار، أذكر جيداً زيارتي الأولى إلى جامع أبي الفداء. لم تكن مجرد زيارة لموقع أثري، بل كانت أشبه بحوار صامت مع التاريخ. ما إن خطوت إلى الصحن الواسع حتى شعرت بانتقالي من صخب الحاضر إلى سكينة الماضي. كانت برودة الحجر تحت قدمي، وصوت خرير مياه العاصي القريب، وهمس الريح بين الأروقة، كلها عناصر تعزف سيمفونية عريقة. وقفت أتأمل العمود الرخامي ذا الأفاعي المتشابكة، وتساءلت عن الجهد والدقة اللذين بذلهما الحرفي الذي نحته منذ قرون. لم يكن مجرد زخرفة، بل كان رمزاً للقوة والحكمة، وربما للحياة المتجددة كالنهر الذي يجري بجواره.

لقد سرت ببطء نحو غرفة الضريح، وعندما دخلتها، غمرني شعور بالرهبة والاحترام. كنت أقف أمام قبر رجل لم يكن ملكاً فحسب، بل كان مؤرخاً وجغرافياً وفلكياً. لمست بأناملي النقوش الباردة على الرخام، وتخيلت كم من الليالي قضاها أبو الفداء منكباً على كتبه ومخطوطاته في هذه المدينة، بينما كان يدير شؤون الحكم نهاراً. إن هذا الجامع ليس مجرد بناء، بل هو تجسيد لشخصية فذة جمعت بين السيف والقلم. الجدير بالذكر أن الشعور الذي يغمرك هنا هو أنك لا تنظر إلى حجارة، بل تقرأ صفحات من كتاب تاريخ مجيد، كُتبت فصوله هنا، في مدينة أبي الفداء. ومما يزيد من قيمة هذه التجربة أن الجامع لا يزال يؤدي وظيفته الدينية والثقافية، فهو مسجد حي يصلي فيه الأهالي، وليس مجرد متحف مهجور.

الخاتمة

في الختام، يتضح أن جامع أبي الفداء ليس مجرد بناء أثري أو مكان للعبادة، بل هو مؤسسة تاريخية وثقافية متكاملة. إنه يمثل حلقة وصل بين ماضي حماة المجيد وحاضرها، ويحمل بين جدرانه قصة الملك العالم الذي وهب مدينته العلم والعمران. من خلال معماره الفريد الذي يجمع بين الفن الأيوبي والمملوكي، وزخارفه المتقنة، وضريحه المهيب، يظل جامع أبي الفداء شاهداً على عصر كان فيه الحكم مرادفاً للمعرفة، وكانت فيه العمارة سبيلاً لتخليد القيم النبيلة.

والآن، بعد أن تجولنا في رحاب هذا الصرح العظيم، هل ستضيفون جامع أبي الفداء إلى قائمة الأماكن التي يجب زيارتها للغوص في أعماق التاريخ السوري العريق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى