حماة اليوم

مشروع الياسمين في حماة: تحليل اقتصادي، هل سيتمكن الجميع من شراء البيوت؟

ملخص تنفيذي

يُعد “مشروع الياسمين” في مدينة حماة السورية، والذي تتجاوز قيمته ربع مليار دولار، أكبر استثمار عقاري في تاريخ المحافظة. لا يمثل مشروع الياسمين مجرد إضافة كمية للكتلة العمرانية، بل هو ظاهرة معقدة تستدعي تحليلاً اقتصادياً متعدد الأبعاد. تهدف هذه الدراسة إلى شرح المشروع كحالة نموذجية للتنمية الحضرية ذات الطابع النيوليبرالي في اقتصاد دولة هشة تمر بمرحلة ما بعد الحرب.

تحلل الورقة مشروع الياسمين من خلال منظورات التخطيط العمراني، والاقتصاد السياسي، وعلم الاجتماع الحضري، وتبحث في آثاره المحتملة على البنية الاقتصادية، والتركيبة الاجتماعية، والنسيج المكاني لمدينة حماة. تفترض الدراسة أن مشروع الياسمين، على الرغم من تقديمه كرافعة تنموية، فإنه في جوهره يعمق من الانقسامات الاجتماعية-الاقتصادية القائمة، ويؤسس لنموذج من “العمران الإقصائي” (Exclusionary Urbanism)، ويعكس تحولاً في فلسفة إعادة الإعمار من نهج الخدمة العامة إلى منطق الاستثمار النخبوي.

المقدمة

لم تكن المدن السورية يوماً مجرد حاويات جغرافية للسكان والنشاط الاقتصادي، بل كانت على الدوام ساحات تتجلى فيها علاقات القوة، وتتجذر فيها الهويات الاجتماعية، وتُصاغ على أرضها الرؤى السياسية للمستقبل.

بعد اندلاع الثورة السورية ثم القصف المدمر الذي شهدته البلاد منذ عام 2011، لم تعد إعادة بناء الحجر مسألة تقنية أو هندسية فحسب، بل أصبحت عملية سياسية واقتصادية بامتياز، تعيد رسم الخرائط الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية. في هذا السياق، يبرز “مشروع الياسمين” في حماة ليس كاستجابة لحاجة ملحة للسكن، بل كبيان واضح عن طبيعة “إعادة الإعمار” التي تتبناها الدولة والقطاع الخاص المتحالف معها.

تأتي أهمية دراسة هذا المشروع من كونه يقع في مدينة حماة، التي ورغم أنها لم تشهد دماراً واسع النطاق كمدن أخرى مثل حلب أو حمص، إلا أنها شكلت مركزاً حيوياً للنزوح الداخلي، وشهدت ضغوطاً هائلة على بنيتها التحتية وسوق الإسكان فيها. إن اختيار حماة لإقامة مشروع بهذا الحجم يعكس ثقة المستثمرين في استقرارها النسبي، ورغبتهم في الاستفادة من الطلب المتراكم على السكن الحديث لدى شرائح اجتماعية محددة.

تسعى هذه المقالة إلى تجاوز السرد الترويجي للمشروع، والغوص في تحليل بنيوي لأبعاده المتعددة، متسائلة عن المستفيد الحقيقي من هذه التنمية، وعن التكلفة الاجتماعية والمكانية لـ “مدينة الياسمين” الفاضلة.

السياق العام: منظومة تشريعية متكاملة لتمكين رأس المال

لفهم مشروع الياسمين، لا بد من وضعه ضمن إطاره التشريعي والاقتصادي الأوسع، والذي لا يقتصر على قوانين التطوير العقاري فحسب، بل يشمل منظومة متكاملة من القوانين الاقتصادية والضريبية التي صُممت لخلق بيئة استثمارية شديدة الجاذبية لرأس المال الضخم. شهدت السنوات الماضية صدور حزمة من القوانين والمراسيم التي شكلت البنية التحتية القانونية لنمط معين من إعادة الإعمار، أبرزها:

أولاً: التشريعات العمرانية لإعادة هيكلة الملكية والأرض (الأساس المكاني):

  • المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012: صدر لتنظيم منطقتين عشوائيتين في دمشق (باسيليا سيتي وماروتا سيتي)، لكنه أسس لنموذج يمكن تعميمه، يقوم على إحداث مناطق تنظيمية جديدة، وتشكيل شركات مساهمة خاصة لإدارتها وتطويرها، وتعويض المالكين الأصليين بأسهم قد تفقد قيمتها مع مرور الوقت.
  • القانون رقم 10 لعام 2018: يُعتبر تعميماً وتوسيعاً لآليات المرسوم 66 على مستوى سوريا بأكملها. يسمح القانون للحكومة بتحديد مناطق لإعادة التطوير الحضري، مما يمنحها صلاحيات واسعة في إعادة تشكيل الملكيات العقارية وتوجيه الاستثمار نحو مشاريع ضخمة بالشراكة مع القطاع الخاص.

هذه التشريعات، التي قُدمت كأدوات لتنظيم العشوائيات، واجهت انتقادات حادة من منظمات حقوقية وخبراء اقتصاديين، حيث اعتبروها وسيلة لإعادة توزيع الثروة والممتلكات، وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم لصالح نخبة اقتصادية جديدة نشأت خلال سنوات الحرب.

ثانياً: الإطار الاستثماري والضريبي لتوفير الحوافز والضمانات (الغطاء المالي):

يكتمل هذا الإطار بمنظومة اقتصادية جديدة تهدف إلى طمأنة المستثمرين وتوفير أقصى درجات التسهيلات، كما يتضح في:

  • قانون الاستثمار الجديد (المرسوم 114 لعام 2025): يمثل هذا القانون نقلة نوعية في حماية المستثمر، حيث يوفر ضمانات ضد الحجز ونزع الملكية، ويجيز اللجوء للتحكيم الدولي، ويسمح بتخصيص أراضٍ من أملاك الدولة للمستثمرين. الأهم من ذلك، أنه يقدم حوافز ضريبية وجمركية هائلة، تشمل تخفيضات ضريبية تصل إلى 80% للمشاريع الصناعية (والتي يدخل ضمنها قطاع الإنشاءات الضخم)، وإعفاءات كاملة على مستوردات الآلات وخطوط الإنتاج. كما يُنشئ “مركز خدمات المستثمرين” لتسريع التراخيص، ويمنح هيئة الاستثمار استقلالاً إدارياً تحت إشراف مباشر من الرئاسة، مما يركز القرار الاقتصادي ويبعده عن الرقابة التشريعية التقليدية.
  • قانون الضرائب الجديد لعام 2025: يأتي هذا القانون ليدعم التوجه الاستثماري عبر تبسيط النظام الضريبي ورقمنته، وتقديم نسب ضريبية منخفضة ومحفزة للغاية. فالمشاريع في القطاع الصناعي تخضع لضريبة دخل تبلغ 10% فقط، بينما تخضع قطاعات التجارة والخدمات لضريبة 15%. هذا الوضوح والتبسيط، بالإضافة إلى الإعفاءات الكبيرة، يقلل من الأعباء المالية على المستثمرين بشكل جذري ويجعل مشاريع ضخمة مثل “الياسمين” أكثر ربحية.

الخلاصة التحليلية للإطار العام:
هذه المنظومة التشريعية المترابطة تمثل تحولاً واضحاً نحو النيوليبرالية الحضرية المدعومة بسلطة مركزية. فالدولة لا تتخلى فقط عن دورها كضامن للحق في السكن، بل تصبح مُمكِّناً ومُيسِّراً نشطاً لعمليات تراكم رأس المال في قطاعات محددة. فهي توفر الأرض عبر قوانين التطوير العقاري، وتوفر الحماية والأرباح الفائقة عبر قوانين الاستثمار والضرائب. هذا التركيز للسلطة الاقتصادية، كما يشير الخبير عامر شهدا، يثير قلقاً حول غياب الشفافية والرقابة، ويفتح الباب أمام ممارسات قد تفيد دوائر ضيقة.

في هذا السياق، يأتي مشروع الياسمين كتجسيد عملي ومثالي لهذه الفلسفة. فهو ليس مجرد مشروع لشركة خاصة، بل هو نتاج طبيعي لتحالف استثماري (بقيادة White Room Group) يعمل ضمن منظومة قانونية متكاملة تسهل الاستحواذ على الأراضي (مشاع وادي الجوز)، وتضمن أرباحاً عالية عبر إعفاءات وحوافز ضريبية ومالية غير مسبوقة، مما يجعله نموذجاً مثالياً للمستقبل الاقتصادي والعمراني الذي ترسمه هذه التشريعات.

حماة: الجغرافيا والتاريخ كعوامل مؤثرة

تقع مدينة حماة في قلب سوريا، وتتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية تاريخية. خلال سنوات الصراع، بقيت المدينة تحت سيطرة الحكومة المركزية، وشكلت ملاذاً آمناً نسبياً لمئات الآلاف من النازحين من المناطق المجاورة. هذا التدفق السكاني الهائل أدى إلى نتائج متناقضة:

  1. أزمة سكن خانقة: ارتفعت الإيجارات وأسعار العقارات بشكل فلكي، متجاوزة بكثير القدرة الشرائية للسكان الأصليين والنازحين على حد سواء. أصبحت المنازل المتاحة شحيحة ومكتظة، وتفاقمت الظروف المعيشية للغالبية.
  2. فرصة استثمارية: هذا الطلب المكبوت على السكن، إلى جانب وجود شريحة من التجار والصناعيين والمهنيين الذين حافظوا على ثرواتهم أو نمّوها، خلق سوقاً محتملة لمشاريع سكنية عالية الجودة.

يقع مشروع الياسمين في مشاع وادي الجوز، وهو خيار ذو دلالات عميقة. “المشاع” تاريخياً هي أراضٍ مملوكة ملكية جماعية، وغالباً ما كانت تتحول إلى مناطق سكن عشوائي للفقراء والمهمشين. إن تحويل هذه الأرض من فضاء شعبي غير منظم إلى مشروع استثماري مغلق ومنظم بإحكام، هو عملية رمزية ومادية في آن واحد. إنها عملية “تطهير حضري” (Urban Cleansing)، حيث يتم محو التاريخ العشوائي للمكان واستبداله برؤية معمارية حديثة ومنظمة، ولكنها إقصائية بطبيعتها، حيث لا مكان لسكانها السابقين في هذا النموذج الجديد.

تحليل مشروع الياسمين: من المخطط إلى الواقع

يُقدم مشروع الياسمين نفسه كمدينة متكاملة، وليس مجرد مجمع سكني. هذا التوصيف يستحق التحليل الدقيق لمكوناته.

النطاق المادي والهيكلي لـ مشروع الياسمين

يمتد مشروع الياسمين على مساحة 30 هكتاراً (300 ألف متر مربع)، وهو حجم هائل بالمعايير الحضرية لمدينة مثل حماة. يتضمن المخطط بناء 2600 وحدة سكنية تستوعب حوالي 13,000 نسمة. هذا يعني أن مشروع الياسمين سيخلق حياً جديداً بحجم بلدة صغيرة. التنوع العمراني بين الأبنية التقليدية والأبراج الشاهقة التي تستخدم تقنيات بناء حديثة (لأول مرة في حماة) يهدف إلى جذب شرائح مختلفة ضمن الفئة المستهدفة القادرة على الدفع، من العائلات التي تبحث عن شقق واسعة إلى المستثمرين الباحثين عن وحدات أصغر.

نموذج “المدينة المتكاملة”: خصخصة الخدمات الحضرية

يتجاوز مشروع الياسمين توفير السكن ليشمل بنية خدمية متكاملة، وهذا هو جوهر نموذجه النيوليبرالي:

  • الخدمات التعليمية: مدارس ورياض أطفال خاصة تغطي كافة المراحل. هذا يعني أن التعليم لن يكون خدمة عامة متاحة للجميع، بل سلعة تُشترى داخل أسوار المجمع، مما يعزز الفصل التعليمي بين أطفال مشروع الياسمين وبقية أطفال المدينة، إن صح هذا الأمر.
  • الخدمات الصحية: مراكز صحية خاصة تقدم رعاية طبية بمقابل مادي إن كان كذلك، مما يخلق نظاماً صحياً موازياً للنظام العام المتهالك.
  • المرافق التجارية والترفيهية: فنادق، مطاعم، ومراكز تجارية حديثة. هذه المرافق لا تخدم سكان مشروع الياسمين فقط، بل تهدف إلى جذب الزوار من خارج المجمع، محولةً مشروع الياسمين إلى مركز جذب تجاري وترفيهي جديد في المدينة، مما قد يؤثر سلباً على الأسواق التقليدية والتجارية في وسط المدينة.
  • بنية تحتية خاصة: شبكة طرق داخلية، مواقف سيارات، حدائق، وملاعب. هذا يخلق بيئة حضرية عالية الجودة، لكنها حصرية لسكان مشروع الياسمين، في تناقض صارخ مع تدهور البنية التحتية في معظم أحياء المدينة الأخرى.

هذا النموذج يخلق ما يسميه عالم الاجتماع الحضري مانويل كاستلز “فضاء التدفقات” (Space of Flows)، وهو فضاء مادي وافتراضي يربط النخب العالمية والمحلية ببعضها البعض، معزولاً عن “فضاء الأماكن” (Space of Places) الذي يعيش فيه بقية السكان. مشروع الياسمين هو “فضاء تدفقات” لرأس المال والنخب، تم زرعه في “فضاء مكان” هو مدينة حماة.

الفاعلون والمستثمرون: تحالف رأس المال والسلطة

إن تنفيذ مشروع الياسمين وهو بهذا الحجم (ربع مليار دولار) ليس ممكناً دون تحالف وثيق بين رأس المال الخاص القوي والسلطة الحكومية. شركة “White Room Group” والجهات المتحالفة معها تمثل “الطبقة الرأسمالية الجديدة” في سوريا، التي تمتلك السيولة المالية والقدرة على حشد الموارد. من جانبها، تقدم الجهات الحكومية (المحافظة، الوحدات الإدارية) الأرض، والتراخيص، والتغطية القانونية، وتسهيل الإجراءات. هذه الشراكة (PPP) هي السمة المميزة لمشاريع إعادة الإعمار الكبرى، وهي علاقة تكافلية: المستثمر يحقق أرباحاً طائلة، والدولة تقدم “إنجازاً” عمرانياً وتنموياً يمكن تسويقه سياسياً، مع الحصول على حصة من الإيرادات.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية – المكانية لـ مشروع الياسمين: تحليل نقدي

يُقدَّم مشروع الياسمين كرافعة تنموية هامة لمدينة حماة، ودراسة آثاره تتطلب نظرة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد والفرص المستقبلية.

الأبعاد الاقتصادية: فرص واعدة واعتبارات هامة

الفرص المباشرة (على المدى القصير):
من المتوقع أن يساهم مشروع الياسمين بشكل كبير في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية. ففي مرحلة الإنشاء، سيولّد المشروع آلاف فرص العمل (تُقدر بنحو 30 ألف فرصة عمل مؤقتة)، مما يدعم قطاعات حيوية مثل صناعة مواد البناء، النقل، والخدمات الهندسية. وبعد اكتماله، سيوفر المشروع حوالي 8000 فرصة عمل مستدامة في مجالات الإدارة والتشغيل والخدمات، مما يعزز الاستقرار الوظيفي في المنطقة.

اعتبارات مستقبلية تتطلب التخطيط (على المدى الطويل):

  • استدامة القوى العاملة: تتركز معظم فرص العمل الأولية في قطاع البناء، وهي بطبيعتها مؤقتة. ويكمن التحدي الإيجابي في التخطيط لكيفية دمج هذه العمالة في سوق العمل بشكل مستدام بعد انتهاء مشروع الياسمين، ربما عبر برامج تدريب وتأهيل.
  • توازن سوق العقارات: من الطبيعي أن يؤدي مشروع الياسمين بهذا الحجم إلى رفع القيمة العامة للعقارات في المناطق المجاورة، مما يعكس تحسناً في المستوى الحضري. وللحفاظ على التوازن الاجتماعي في المدينة، من المهم التفكير في إستراتيجيات إسكان موازية تضمن توفير خيارات سكنية متنوعة وميسورة التكلفة لمختلف شرائح المجتمع، مما يثري النسيج الاجتماعي ويمنع الاستقطاب.
  • توجيه الاستثمارات لخدمة التنمية: قد يجذب مشروع الياسمين استثمارات عقارية بهدف حفظ القيمة أو تحقيق عوائد مستقبلية، وهو أمر متوقع في ظل الظروف الاقتصادية. ويتمثل التحدي في وضع آليات وسياسات تشجع على إشغال هذه الوحدات السكنية بدلاً من بقائها شاغرة، وتوجيه جزء من رؤوس الأموال نحو قطاعات إنتاجية أخرى كالزراعة والصناعة، لتحقيق نمو اقتصادي متكامل ومستدام.

التأثير الاجتماعي-المكاني لمشروع الياسمين: الفصل والتمييز

يُحدث مشروع الياسمين تحولاً في المشهد الحضري والاجتماعي للمدينة، مما يطرح فرصاً وتحديات تستدعي التخطيط الواعي لضمان تطور مجتمعي متناغم.

  • تطور النماذج السكنية: يقدم مشروع الياسمين نموذجاً لمجتمع سكني متكامل يوفر مستوى عالياً من الخصوصية والأمان والخدمات الخاصة لسكانه، كوجود حدائق ومرافق ترفيهية خاصة. هذا النمط من التطوير العمراني الحديث يلبي تطلعات شريحة من المجتمع. وفي المقابل، يكمن التحدي الإيجابي في خلق جسور تواصل وتفاعل بين سكان مشروع الياسمين وبقية أحياء المدينة، لتعزيز الاندماج ومنع الانعزال، والحفاظ على النسيج الاجتماعي المترابط للمدينة.
  • الارتقاء بجودة الخدمات والفضاءات الحضرية: يقدم مشروع الياسمين نموذجاً للخدمات والمرافق عالية الجودة، والتي هي مصممة لخدمة سكانه بشكل أساسي. هذا يطرح فرصة للاستلهام من هذا المستوى من الجودة، ويفتح الباب أمام التفكير في كيفية تطوير الفضاءات العامة والخدمات في الأحياء الأخرى لترتقي لمستوى مماثل، مما يعود بالفائدة على جميع سكان المدينة ويعزز الشعور بالعدالة والمشاركة.
  • الديناميكيات الاجتماعية الجديدة: من الطبيعي أن يصبح السكن في مشروع الياسمين وهو بهذا المستوى رمزاً للطموح والنجاح، مما يعكس تطور الأنماط السكنية والاجتماعية في المدينة. ويتمثل الهدف في أن يكون هذا التطور عاملاً في إثراء التنوع العمراني والاجتماعي، بدلاً من أن يؤدي إلى تباينات حادة. يمكن تحقيق ذلك عبر تشجيع المشاريع التي تلبي احتياجات مختلف الشرائح السكانية، بما يضمن الحفاظ على روح المدينة الجامعة والمتنوعة.

سلبيات محتملة لمشروع الياسمين

على الرغم من الفوائد الاقتصادية قصيرة المدى التي قد يوفرها مشروع الياسمين، إلا أن هناك بعض التحديات والآثار السلبية التي تستدعي النظر على المدى الطويل.

اقتصادياً: قد لا تترجم الطفرة العمرانية إلى فوائد مستدامة للجميع. فغالبية فرص العمل التي تُخلق في مرحلة البناء تكون مؤقتة وذات أجور متدنية، مما لا يمكّن العاملين من تحمل تكاليف السكن المرتفعة في المدينة. علاوة على ذلك، من المحتمل أن يساهم مشروع الياسمين في رفع سقف أسعار العقارات في المدينة، مما قد يدفع مُلّاك العقارات في الأحياء المجاورة إلى رفع إيجاراتهم، وبالتالي زيادة صعوبة العثور على سكن بأسعار معقولة للشرائح ذات الدخل المحدود. كما يُخشى أن يتحول مشروع الياسمين إلى أداة للمضاربة العقارية، حيث تُشترى الوحدات بهدف حفظ قيمة رأس المال أو إعادة بيعها لاحقاً بدلاً من السكن الفعلي، مما قد يؤدي لظهور “شقق فارغة” ويُمثل توجيهاً غير مثالي للموارد التي تحتاجها قطاعات إنتاجية أخرى.

اجتماعياً ومكانياً: تكمن أبرز التحديات في التأثير على النسيج الاجتماعي للمدينة. فالمشروع قد يؤدي إلى خلق “جيب سكني” مغلق، مما يقلل من التفاعل الطبيعي بين مختلف الطبقات الاجتماعية ويعزز الفصل المكاني. كذلك، فإن تحويل الخدمات والمرافق كالحدائق والملاعب إلى خدمات خاصة داخل أسوار المجمع يقلّص من مفهوم “الفضاء العام” المتاح لجميع المواطنين، وهو ما قد يولد شعوراً بالتهميش لدى سكان الأحياء الأخرى. وأخيراً، يساهم مشروع الياسمين في ترسيخ فكرة أن السكن ليس مجرد حاجة أساسية، بل رمز للمكانة الاجتماعية، مما قد يزيد من التمايز الاجتماعي في المدينة.

الخاتمة: أي مستقبل عمراني لسوريا؟

مشروع الياسمين في حماة يتجاوز كونه مجرد مشروع بناء؛ إنه يمثل مختبراً حيوياً ونقطة تحول في المشهد العمراني. هو تجسيد لنموذج تنموي يسعى لاستقطاب رأس المال الخاص وتحقيق النمو الاقتصادي، معتمداً على شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص، وتبني منطق السوق في تطوير الخدمات الحضرية. هذه المقاربة تعكس رؤية معاصرة لإعادة الإعمار تستهدف تنشيط الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات الضرورية لمرحلة ما بعد الصراع.

وفي الوقت ذاته، يثير المشروع تساؤلات مهمة حول كيفية تحقيق التنمية الشاملة التي تخدم جميع شرائح المجتمع. فبينما يطمح هذا النموذج إلى بناء “جزر” من الحداثة والازدهار الاقتصادي، يبقى التحدي الأكبر في ضمان أن تعم هذه التنمية آثارها الإيجابية على كافة أطياف المجتمع، وأن لا تؤدي إلى تفاقم الفجوات الاجتماعية أو الإقصاء.

لا شك أن المشروع يمثل نقلة نوعية في كسر الجمود التخطيطي الذي شهدته حماة، ويحمل في طياته وعوداً بالازدهار الاقتصادي من خلال خلق فرص عمل وتحفيز قطاعات البناء والخدمات. إلا أن نجاحه الحقيقي يرتبط بقدرته على الموفيق بين هذه الوعود الاقتصادية وبين الضرورة الملحة لتحقيق التوازن الاجتماعي والحد من أي تأثير سلبي محتمل على أزمة السكن لشرائح واسعة من السكان.

لذا، فإن التقييم الحقيقي لنجاح “مشروع الياسمين” لا يمكن أن يقتصر على مؤشرات الإنجاز المادي أو العائد المالي، بل يتعداها إلى مدى قدرته على الاندماج الإيجابي في النسيج الحضري والاجتماعي لمدينة حماة، ومساهمته في بناء مستقبل عمراني أكثر استدامة وعدالة للجميع. إن هذا المشروع، بتحدياته ووعوده، يقدم دروساً قيمة لصانعي السياسات والمخططين، ليصبح نقطة انطلاق نحو تطوير نماذج تنموية مستقبلية أكثر شمولية، تستجيب لتطلعات كل السوريين في مدنهم المزدهرة.

الأسئلة الشائعة

سؤال: ماذا يعني إنشاء مشروع استثماري سكني مثل “مشروع الياسمين” في مدينة مثل حماة، أجرة المنزل فيها مرتفعة تتراوح بين مليوني ليرة سورية و4 ملايين، وسعر المنزل فيها مرتفع قياساً على الدخل المنخفض؟

إجابة المحلل الاقتصادي

إن إنشاء مشروع ضخم وفاخر مثل “مشروع الياسمين” في سياق اقتصادي كالسياق الذي وصفته في حماة (إيجارات فلكية مقابل دخول منهارة) هو ظاهرة اقتصادية معقدة يمكن تحليلها من عدة زوايا أكاديمية. هذا الوضع لا يمثل تناقضاً، بل هو نتيجة منطقية لديناميكيات الاقتصاد في الدول الهشة والبيئات التي تشهد تضخماً مفرطاً. إليك التحليل المفصل:

أولاً: المشروع ليس حلاً لأزمة السكن، بل هو استجابة لتشوه السوق

من الخطأ الاقتصادي الفادح النظر إلى “مشروع الياسمين” كحل لأزمة السكن العامة في حماة. هذا المشروع لا يستهدف المواطن الذي يكافح لدفع إيجار يتراوح بين 2 و 4 ملايين ليرة سورية. بدلاً من ذلك، هو يستهدف شريحة سوقية مختلفة تماماً ومحددة بدقة (Niche Market)، مما يؤدي إلى ما يعرف بـ”تجزئة السوق” (Market Segmentation). هذه الشريحة تتكون من:

  1. النخبة الاقتصادية المحلية والجديدة: تجار وصناعيون ومستفيدون من اقتصاد الحرب، يمتلكون سيولة نقدية ضخمة بالليرة السورية ويسعون لتحويلها إلى أصول ثابتة وملاذ آمن (Safe Haven Asset) هرباً من التضخم الذي يلتهم قيمة العملة.
  2. السوريون في الخارج (The Diaspora): المغتربون الذين يمتلكون قوة شرائية بالعملات الأجنبية. بالنسبة لشخص يكسب بالدولار أو اليورو، فإن أسعار العقارات في سوريا، رغم ارتفاعها بالليرة، قد تبدو استثماراً جذاباً أو وسيلة لامتلاك منزل في الوطن.
  3. المستثمرون الباحثون عن المضاربة: هؤلاء يشترون الوحدات ليس بغرض السكن، بل كأصل استثماري بحت، يراهنون على ارتفاع قيمته في المستقبل ليتم بيعه بربح رأسمالي.

النتيجة التحليلية: المشروع لا يزيد من المعروض السكني المتاح للغالبية، بل يخلق سوقاً موازية ومنعزلة للأثرياء. هذا يؤسس لـ اقتصاد مزدوج” (Dual Economy) داخل قطاع الإسكان نفسه: سوق فاخرة مزدهرة، وسوق شعبية تعاني من ضغط طلب هائل وعرض محدود، مما يزيد من معاناة أصحاب الدخل المحدود.

ثانياً: الأثر التضخمي غير المباشر وتعميق أزمة القدرة على تحمل التكاليف

على عكس ما قد تقترحه نظرية العرض والطلب الكلاسيكية (زيادة العرض تخفض السعر)، فإن زيادة العرض في الشريحة العليا من السوق لها تأثير معاكس على بقية الشرائح. يُعرف هذا بـ التأثير الإرشادي” أو “تأثير الإشارة” (Signaling Effect).

  • إنشاء معيار سعري جديد (New Benchmark): يضع مشروع بهذا الحجم والفخامة سقفاً جديداً لأسعار العقارات في المدينة. مُلّاك العقارات في الأحياء المتوسطة والجيدة، عند رؤيتهم لأسعار مشروع الياسمين، سيقومون حتماً برفع تقييمهم لعقاراتهم، مما يؤدي إلى موجة تضخمية في أسعار البيع والإيجار تنتشر في جميع أنحاء المدينة، وهي ظاهرة تعرف بـ عدوى الأسعار” (Price Contagion).
  • التجميل الحضري (Gentrification): المشروع هو محفز قوي لعملية “التجميل الحضري”. فهو يرفع من قيمة الأراضي والمناطق المحيطة به، مما يشجع على طرد السكان ذوي الدخل المنخفض تدريجياً واستبدالهم بسكان أكثر ثراءً، وهذا يفاقم أزمة السكن لدى الفئات الأكثر ضعفاً.

ثالثاً: سوء تخصيص الموارد الرأسمالية (Capital Misallocation)

من منظور الاقتصاد الكلي، يمثل استثمار ربع مليار دولار في مشروع سكني فاخر سوء تخصيص هائل لرأس المال. في اقتصاد مدمر يحتاج بشدة إلى إعادة بناء قطاعاته الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا) لتوفير فرص عمل مستدامة وتوليد قيمة مضافة حقيقية، يتم توجيه هذا المبلغ الضخم إلى قطاع العقارات الريعي والمضاربي.

  • التكلفة البديلة (Opportunity Cost): ما الذي كان يمكن فعله بربع مليار دولار؟ كان يمكن إعادة تأهيل عشرات المصانع، أو استصلاح آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، أو بناء آلاف الوحدات من السكن الاجتماعي الميسور التكلفة. اختيار بناء مشروع فاخر يعني التضحية بكل هذه الفرص التنموية الأكثر إلحاحاً واستدامة.
  • خطر “المرض الهولندي” العقاري: على غرار “المرض الهولندي” حيث يؤدي ازدهار قطاع الموارد الطبيعية إلى خنق القطاعات الأخرى، يمكن أن يؤدي الازدهار المفرط في قطاع العقارات الفاخرة إلى سحب الاستثمارات والأيدي العاملة الماهرة من القطاعات الإنتاجية، مما يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة وأقل تنوعاً.

رابعاً: مؤشر على انعدام الثقة في الاقتصاد الإنتاجي

إن تدفق رأس المال بهذا الحجم نحو العقارات هو بحد ذاته مؤشر اقتصادي سلبي. إنه يعني أن المستثمرين لا يثقون في مستقبل الاقتصاد الإنتاجي. فهم يفضلون “تجميد” أموالهم في أصول مادية (الطوب والإسمنت) بدلاً من المخاطرة بالاستثمار في مصنع قد لا يجد أسواقاً لتصريف منتجاته، أو مزرعة قد تعاني من نقص مستلزمات الإنتاج. العقار، في هذا السياق، ليس استثماراً في النمو، بل هو تأمين ضد الانهيار.

خلاصة التحليل:

إنشاء “مشروع الياسمين” في حماة ليس علامة على التعافي الاقتصادي الشامل، بل هو عرض من أعراض اقتصاد مشوه ومستقطب. إنه يعني:

  • ترسيخ الانقسام الطبقي: تعميق الفجوة بين قلة قادرة على الشراء وأغلبية ساحقة تُستبعد من السوق.
  • تفاقم أزمة السكن: زيادة الضغط التضخمي على الإيجارات والأسعار في السوق العامة.
  • هدر الموارد: توجيه رأس المال النادر نحو استثمارات غير منتجة ذات منفعة اجتماعية محدودة.
  • خلق مخاطر مستقبلية: تأسيس لسوق عقاري مضاربي معرض لخطر نشوء فقاعة قد يكون انفجارها مدمراً.

باختصار، المشروع هو مرآة تعكس واقع الاقتصاد السوري الحالي: نمو بدون تنمية، وثروة بدون رفاه عام.

سؤال: الحكومة الآن تسعى إلى زيادة الرواتب وقد بدأت هذه الخطوة ولكنها غير كافية، بينما تعد الحكومة بزيادات قادمة على الرواتب، ومشروع الياسمين لن ينجز في أقل من 3 إلى 5 سنوات. ألا يشي هذا بإنعاش الاقتصاد مستقبلاً وبأن المشروع قد يكون للطبقة الفقيرة والمتوسطة مستقبلاً؟

الجواب:

كمحلل اقتصادي، أفهم المنطق التفاؤلي وراء هذا السؤال، فهو يربط بين متغيرين: زيادة الدخل (الرواتب) والزمن (3-5 سنوات). ومع ذلك، فإن الاستنتاج بأن مشروع “الياسمين” قد يصبح في متناول الطبقة المتوسطة أو الفقيرة بناءً على هذه المعطيات هو استنتاج شديد الاستبعاد ويكاد يكون مستحيلاً، وذلك لعدة أسباب اقتصادية هيكلية وعميقة.

دعنا نحلل الموقف بمنهجية اقتصادية دقيقة:

1. مغالطة الخلط بين الزيادة الاسمية والقوة الشرائية الحقيقية

هذه هي النقطة الاقتصادية الأكثر أهمية. إن زيادة الرواتب التي تقوم بها الحكومة هي زيادة اسمية (Nominal Increase)، أي زيادة في عدد الليرات السورية التي يتقاضاها الموظف. لكن ما يهم المواطن والمستثمر هو القوة الشرائية الحقيقية (Real Purchasing Power)، أي كمية السلع والخدمات التي يمكن شراؤها بهذه الليرات.

في اقتصاد يعاني من تضخم جامح مثل الاقتصاد السوري، فإن أي زيادة في الرواتب، إذا لم تكن مدعومة بزيادة حقيقية في الإنتاج والناتج المحلي الإجمالي (GDP)، يتم تمويلها غالبًا عبر التمويل بالعجز” (Deficit Financing)، وهو ما يعني ببساطة “طباعة النقود”. هذه العملية تؤدي حتمًا إلى:

  • موجة تضخمية جديدة: زيادة الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في السلع تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، مما يلتهم الزيادة في الراتب بالكامل، وفي كثير من الأحيان يتجاوزها.
  • تدهور إضافي في سعر الصرف: زيادة المعروض من الليرة السورية يقلل من قيمتها مقابل العملات الأجنبية (الدولار)، وهذا هو المقياس الحقيقي الذي يتم تسعير الأصول الكبرى (مثل العقارات) على أساسه.

النتيجة: بعد 3-5 سنوات، حتى لو تضاعف الراتب الاسمي للموظف عدة مرات، فمن المرجح أن يكون سعر شقة في مشروع الياسمين قد تضاعف هو الآخر بنفس النسبة أو أكثر، لأن المطورين سيقومون بتسعير وحداتهم بما يعادل قيمتها بالدولار للحفاظ على قيمة استثماراتهم. وبالتالي، ستبقى الفجوة بين الدخل وتكلفة العقار كما هي، إن لم تتسع.

2. ظاهرة “الدوامة التضخمية بين الأجور والأسعار” (Wage-Price Spiral)

ما وصفته هو مثال كلاسيكي لهذه الظاهرة الاقتصادية الخطيرة.

  1. الحكومة تزيد الأجور.
  2. ترتفع تكاليف الإنتاج على الشركات (بما في ذلك شركات البناء) وترتفع القدرة الشرائية الاسمية مؤقتاً.
  3. الشركات والموردون يرفعون الأسعار استجابةً لارتفاع التكاليف وتوقعاً لزيادة الطلب.
  4. الزيادة في الأسعار تمحو أثر زيادة الأجور.
  5. تتعالى المطالبات بزيادة أجور جديدة، وتعود الدورة من جديد.

مشروع الياسمين ليس خارج هذه الدوامة، بل هو في قلبها. تكلفة مواد البناء، أجور العمال، أسعار الأراضي، كلها سترتفع مع كل موجة تضخمية، وسيتم تحميل هذه التكاليف مباشرة على السعر النهائي للوحدة السكنية.

3. الفجوة الكمية الهائلة (The Quantitative Mismatch)

لنقم بعملية حسابية بسيطة لتوضيح حجم الفجوة:

سعر الوحدة: لنفترض أن أرخص شقة في مشروع الياسمين ستبلغ قيمتها (وهو تقدير متحفظ جدًا) 40,000 دولار أمريكي. بسعر الصرف الحالي يبلغ حوالي 10,400 ليرة للدولار، فإن سعرها هو 416 مليون ليرة سورية.

الراتب: لنفترض أن موظفاً في القطاع العام يتقاضى اليوم 500 ألف ليرة، وبعد زيادات “سخية” خلال 3 سنوات يصبح راتبه 2 مليون ليرة سورية شهرياً.

القدرة على الادخار: إذا افترضنا أن هذا الموظف يستطيع ادخار 25% من راتبه (وهو أمر شبه مستحيل في ظل غلاء المعيشة)، فهذا يعني أنه يدخر 500 ألف ليرة شهرياً.

الحساب:
416,000,000 ليرة (سعر الشقة) / 500,000 ليرة (ادخار شهري) = 832 شهرًا.
832 شهرًا / 12 = 69.3 سنة.

هذا الحساب يوضح أن الموظف سيحتاج إلى 69.3 عامًا من الادخار لشراء أرخص شقة، وهذا بافتراض أن سعر الشقة وراتبه سيبقيان ثابتين، وهو افتراض مستحيل. في الواقع، سعر الشقة بالليرة سيرتفع باستمرار. هذا يثبت أن الفجوة ليست “فجوة” يمكن سدها، بل هي “هوة سحيقة”.

4. الطبيعة الهيكلية للمشروع والسوق المستهدف

المشاريع الفاخرة مثل “الياسمين” لا تُبنى على أمل أن تتحسن رواتب الموظفين الحكوميين. إن نموذج عملها (Business Model) مصمم منذ اليوم الأول لاستهداف شرائح محددة لا تعتمد على الرواتب بالليرة السورية:

  • أصحاب رؤوس الأموال بالعملة الصعبة: المغتربون السوريون الذين يشترون بالدولار أو اليورو.
  • النخبة الاقتصادية المحلية: الذين يحققون أرباحهم من التجارة والاستيراد والصناعة، ويقومون بتسعير سلعهم وخدماتهم بناءً على سعر صرف السوق السوداء، وبالتالي دخولهم تتحرك مع التضخم.
  • المضاربون: الذين يشترون العقار كأصل للحفاظ على قيمة أموالهم.

هؤلاء هم زبائن المشروع الحقيقيون. لن يقوم المطور بتخفيض أسعاره لتناسب موظفاً حكومياً، لأن ذلك يعني ببساطة إفلاسه.

الخلاصة:

إن فكرة أن زيادة الرواتب الحكومية ستجعل مشروع “الياسمين” في متناول الطبقات المتوسطة والفقيرة هي أمنية لا تستند إلى أي أساس اقتصادي متين. على العكس، إن السياسات الاقتصادية الحالية (زيادة الرواتب بدون غطاء إنتاجي) ستؤدي إلى المزيد من التضخم، مما يجعل هذه المشاريع الفاخرة أكثر حصرية وإقصائية مع مرور الوقت.

إن إنعاش الاقتصاد الحقيقي الذي يمكن أن يجعل السكن ميسور التكلفة يتطلب تحولاً جذرياً: استقرار العملة، السيطرة على التضخم، نمو القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة)، وزيادة الصادرات. أما الاعتماد على زيادة الرواتب الاسمية فهو أشبه بمحاولة إطفاء حريق بالبنزين.

سؤال: بعد إنجاز المشروع، ماذا لو وضعت الحكومة الشقق السكنية متاحة للشراء بالتقسيط؟ هل هذه خطوة ممكنة أو مفيدة لذوي الدخل المحدود والفئة المتوسطة؟

الجواب:

كمحلل اقتصادي، أرى أن هذه الفكرة، على الرغم من أنها تبدو جذابة اجتماعياً للوهلة الأولى، إلا أنها غير ممكنة عملياً، وغير مفيدة اقتصادياً، بل وقد تكون ضارة على المدى الطويل. إنها تعالج عرض المشكلة (طريقة الدفع) وليس جذرها (السعر الأساسي الفلكي للعقار).

دعنا نفكك هذا المقترح إلى أجزائه ونحلل كل جزء على حدة:

أولاً: هل هي خطوة ممكنة؟ (تحليل الجدوى العملية)

الجواب القصير هو لا، لسببين هيكليين:

  1. مشكلة الملكية والتدخل في السوق الخاص:
    • “مشروع الياسمين” هو استثمار للقطاع الخاص بقيمة تتجاوز ربع مليار دولار. المطورون (شركة White Room Group وشركاؤها) بنوا هذا المشروع لتحقيق الربح.
    • لكي تبيع “الحكومة” هذه الشقق، يجب أن تمتلكها أولاً. هذا يعني أن على الحكومة أن تشتري 2600 وحدة سكنية من المطورين بسعر السوق. هل يمتلك الخزينة العامة لدولة تعاني من أزمة اقتصادية حادة السيولة اللازمة لشراء مشروع بهذا الحجم؟ الإجابة هي قطعاً لا. هذا الإجراء يتطلب ميزانية ضخمة تفوق قدرة الدولة.
    • الخيار البديل: هل يمكن للحكومة أن “تجبر” المطورين على البيع بالتقسيط الميسر؟ هذا من شأنه أن ينسف مصداقية الدولة ويدمر بيئة الاستثمار التي تحاول بناءها عبر قوانين مثل قانون الاستثمار الجديد (مرسوم 114). أي مستثمر سيخشى الدخول إلى سوق يمكن للحكومة فيه تغيير قواعد اللعبة بعد اكتمال المشروع. هذا الإجراء سيقضي على أي أمل في جذب استثمارات مستقبلية.
  2. الفجوة التمويلية المستحيلة (The Unbridgeable Financing Gap):
    • لنفترض جدلاً أننا تجاوزنا مشكلة الملكية. لننظر إلى أرقام التقسيط. باستخدام المثال السابق لشقة بقيمة 750 مليون ليرة سورية.
    • إذا تم تقسيطها على مدى 20 عاماً (240 شهراً)، وبدون احتساب أي فوائد (وهو أمر مستحيل اقتصادياً في بيئة تضخمية)، فإن القسط الشهري سيكون:
      750,000,000 / 240 = 3,125,000 ليرة سورية شهرياً.
    • هذا القسط الشهري (أكثر من 3 ملايين ليرة) يفوق بكثير الراتب الشهري لموظف في الفئة المتوسطة (الذي افترضنا أنه سيصل إلى 2 مليون ليرة).
    • وماذا عن الفائدة؟ لا يوجد بنك أو مطور في العالم سيمنح قرضاً لمدة 20 عاماً بدون فائدة، خاصة في بلد يتآكل فيه التضخم قيمة المال يومياً. ستكون نسبة الفائدة بالضرورة مرتفعة جداً لتعويض المخاطر والتضخم، مما يجعل القسط الشهري أعلى بكثير.

الخلاصة: من الناحية العملية، هذه الخطوة غير ممكنة لأن الدولة لا تملك المشروع، ولا تستطيع شراءه، وإذا أجبرت المطور على البيع بشروطها فإنها تدمر الاقتصاد.

ثانياً: هل هي خطوة مفيدة؟ (تحليل الأثر الاقتصادي والاجتماعي)

حتى لو كانت ممكنة بأعجوبة ما، فهي ليست مفيدة، بل ضارة للأسباب التالية:

  1. العبء المالي الهائل على الدولة (The Immense Fiscal Burden):
    • الطريقة الوحيدة لجعل الأقساط محتملة هي أن تقوم الدولة بتقديم دعم (Subsidy) ضخم. قد تدفع الدولة 80% من قيمة الشقة للمطور، وتترك المواطن يسدد 20% المتبقية على أقساط.
    • هذا يعني تحويل مبالغ هائلة من الميزانية العامة لدعم سكن فاخر لشريحة محدودة جداً من الناس. من أين ستأتي هذه الأموال؟ إما من خلال زيادة الضرائب على الجميع، أو خفض الإنفاق على خدمات أساسية أخرى (صحة، تعليم، بنية تحتية)، أو طباعة المزيد من النقود، مما يؤدي إلى المزيد من التضخم الذي يسحق الفقراء والطبقة المتوسطة أنفسهم.
  2. تشويه السوق وخلق حوافز خاطئة (Market Distortion & Wrong Incentives):
    • عندما تدعم الدولة شراء عقار فاخر، فإنها ترسل إشارة خاطئة للمطورين: “ابنوا المزيد من المشاريع الفاخرة باهظة الثمن، فالحكومة قد تتدخل وتشتريها”.
    • هذا يثبط أي دافع لدى القطاع الخاص لبناء سكن ميسور التكلفة (Affordable Housing)، وهو ما تحتاجه السوق حقاً. تصبح الموارد النادرة (الأرض، رأس المال، مواد البناء) موجهة نحو الشريحة العليا بدلاً من تلبية احتياجات الأغلبية.
  3. الفساد وانعدام العدالة (Corruption and Inequity):
    • من سيقرر من هم المواطنون “المحظوظون” الذين سيحصلون على شقة مدعومة في مشروع الياسمين؟ في ظل ضعف المؤسسات والشفافية، سيتحول هذا البرنامج حتماً إلى أداة للمحسوبية والفساد. سيتم توزيع هذه “الهدايا” الحكومية على أساس العلاقات (الواسطة) وليس على أساس الحاجة الحقيقية، مما يعمق الشعور بالظلم لدى بقية أفراد المجتمع الذين لم يحصلوا على هذه الفرصة.

الخلاصة والبديل الأفضل

إن محاولة جعل مشروع “الياسمين” في متناول الفقراء عبر التقسيط المدعوم هي أشبه بمحاولة جعل سيارة “فيراري” في متناول الجميع عبر خطة دفع ميسرة. المشكلة ليست في خطة الدفع، بل في أن المنتج نفسه فاخر ومكلف بطبيعته.

البديل الاقتصادي السليم الذي يجب على الحكومة التفكير فيه هو ليس دعم استهلاك السلع الفاخرة، بل دعم إنتاج السلع الأساسية. بدلاً من إنفاق الأموال على دعم شقق الياسمين، يجب على الدولة أن:

  • تخصص أراضٍ حكومية بأسعار رمزية لمشاريع الإسكان الاجتماعي والتعاوني المصممة من الأساس لتكون منخفضة التكلفة.
  • تقدم حوافز ضريبية وتسهيلات للمطورين الذين يبنون وحدات سكنية صغيرة ومتوسطة الحجم بأسعار محددة ومناسبة.
  • تدعم صناعة مواد البناء المحلية لخفض تكاليف الإنشاء.

باختصار، الحل لأزمة السكن لا يكمن في إيجاد طرق مبتكرة لتمويل شراء ما لا يمكن تحمله، بل في خلق الظروف لبناء ما يمكن للغالبية تحمل تكلفته.

إذا ما الحل حتى يستطيع ذوو الدخل المحدود والفئة المتوسطة من الحصول على سكن في هذا المشروع؟

هذا هو السؤال الجوهري، ولكنه في نفس الوقت يطرح فرضية خاطئة. كمحلل اقتصادي، سأجيبك بصراحة تامة: لا يوجد حل واقعي أو منطقي يمكّن ذوي الدخل المحدود والفئة المتوسطة من الحصول على سكن في “مشروع الياسمين” تحديداً.

محاولة إيجاد حل ضمن هذا المشروع هي كالسؤال: “ما الحل حتى يستطيع موظف عادي شراء سيارة فيراري؟”. الجواب هو أنه لا يوجد حل، لأن المنتج (سيارة فيراري) لم يُصمّم أو يُسعّر لهذه الشريحة من الأساس. المشكلة ليست في المشتري، بل في عدم تطابق المنتج مع قدرته الشرائية.

مشروع الياسمين” هو منتج عقاري فاخر (Luxury Real Estate Product). لقد تم تصميمه وهندسته وتسعيره منذ اليوم الأول لخدمة شريحة محددة جداً من العملاء: الأثرياء والمستثمرون القادرون على الدفع بالعملة الصعبة أو ما يعادلها. أي محاولة لـ “إقحام” شرائح أخرى في هذا النموذج ستفشل حتماً أو ستؤدي إلى كوارث اقتصادية.

لماذا الحلول “الإجبارية” أو “الترقيعية” لن تنجح؟

دعنا نستعرض السيناريوهات المستحيلة ونحلل لماذا هي كذلك:

  1. سيناريو “الدعم الحكومي للشراء“: كما أوضحنا سابقاً، هذا يعني أن الدولة ستنفق ميزانية ضخمة لدعم شراء أصول فاخرة، وهو أسوأ استخدام ممكن للمال العام في بلد يعاني من أزمات. إنه هدر للموارد وسبب للفساد.
  2. سيناريو “إجبار المطور على البيع بسعر منخفض“: هذا يعني مصادرة استثمار خاص وتدمير الثقة في السوق، مما يمنع أي استثمار مستقبلي في البلاد.
  3. سيناريو “تخصيص حصة للفقراء” (Inclusionary Zoning): هذا النموذج يُطبّق في بعض الدول الغربية، حيث يتم إلزام المطور قبل البدء بالمشروع بتخصيص نسبة (مثلاً 10-20%) من الشقق كإسكان ميسور التكلفة. لكن هذا يكون جزءاً من الصفقة الأولية، وليس قراراً يُفرض بعد اكتمال المشروع. وحتى لو طُبّق، فإنه لن يحل المشكلة لآلاف الأسر، بل سيمنح “جائزة يانصيب” لعدد قليل جداً من المحظوظين، وغالباً عبر المحسوبية.

إذاً، ما الحل الحقيقي؟ (تغيير السؤال يعني تغيير الحل)

السؤال الصحيح الذي يجب أن نطرحه ليس: “كيف ندخل الفقراء إلى قصر الأغنياء؟” بل: كيف نبني مساكن لائقة وميسورة التكلفة للفقراء والطبقة المتوسطة؟

الحل لا يكمن في مشروع الياسمين، بل في خلق “مشاريع ياسمين” أخرى مصممة خصيصى للطبقات الوسطى والفقيرة. وهذا يتطلب إستراتيجية وطنية متكاملة للإسكان، تقوم على تغيير فلسفة الدولة من دعم استهلاك السلع الفاخرة إلى دعم إنتاج السلع الأساسية (السكن). وهذه الإستراتيجية يجب أن تتضمن ما يلي:

1. دور الدولة: المُمكّن والمُنظّم

  • توفير الأراضي: أكبر مكون في تكلفة أي مشروع عقاري هو سعر الأرض. يجب على الدولة أن تخصص أراضٍ من أملاكها في ضواحي المدن بأسعار رمزية أو شبه مجانية للمطورين أو الجمعيات التعاونية بشرط واحد: بناء وحدات سكنية بأسعار ومواصفات محددة مسبقاً لا يمكن تجاوزها.
  • توفير البنية التحتية: يجب على الدولة أن تلتزم بتوصيل الخدمات الأساسية (ماء، كهرباء، صرف صحي، طرق) إلى هذه المناطق الجديدة، مما يقلل العبء عن المطور والمواطن.

2. دور القطاع الخاص: الحوافز الموجهة

  • بناء السكن الاجتماعي: بدلاً من بناء أبراج فاخرة، يتم تشجيع المطورين عبر حوافز ضريبية قوية وتراخيص سريعة على بناء مجمعات سكنية وظيفية، تتكون من شقق صغيرة ومتوسطة (70-100 متر مربع)، بمواد بناء جيدة ولكن غير باهظة. الربح هنا يأتي من الحجم الكبير (بناء آلاف الوحدات) وليس من الهامش المرتفع للوحدة الواحدة.

3. دور القطاع المالي: التمويل الميسر

  • إنشاء بنك للإسكان أو صندوق للتمويل العقاري: مؤسسة مالية متخصصة مدعومة من الدولة، وظيفتها ليست تمويل مشاريع فاخرة، بل تقديم قروض طويلة الأجل (20-30 سنة) بفائدة منخفضة جداً ومدعومة للمواطنين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط لشراء هذه الوحدات السكنية الميسورة التكلفة.

4. دور المجتمع: إعادة إحياء السكن التعاوني

  • الجمعيات التعاونية السكنية: هذا النموذج ناجح جداً لأنه يلغي “هامش ربح المطور” من المعادلة. مجموعة من الأفراد (مثلاً 200 موظف في قطاع معين) يشكلون جمعية، يحصلون على أرض مدعومة من الدولة وقرض مجمع من بنك الإسكان، ويشرفون بأنفسهم على بناء مساكنهم. تكون التكلفة هنا هي تكلفة البناء الفعلية فقط.

الخلاصة النهائية:

الحل لذوي الدخل المحدود والمتوسط لا يكمن إطلاقاً في مشروع الياسمين. مشروع الياسمين لا يعد جزءاً من الحل. الحل الحقيقي يكمن في إطلاق إستراتيجية إسكان وطنية تقوم على توفير الأراضي الرخيصة، وتقديم حوافز لبناء السكن الوظيفي، وتوفير قروض ميسرة، وإعادة إحياء النموذج التعاوني.

بعبارة أخرى، الحل ليس أن نجد طريقة لإدخال عائلة إلى سيارة رياضية، بل أن نبني حافلة نقل عام كبيرة، آمنة، وموثوقة تتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى