وجيه البارودي: طبيب الفقراء وشاعر حماة 1906 -1996

محتوى المقالة
مقدمة
في تاريخ الطب والأدب السوري، تبرز شخصيات استطاعت أن تجمع بين العلم والفن، وأن تحقق التوازن بين المعرفة النظرية والممارسة الإنسانية. ومن بين هذه الشخصيات الاستثنائية، يقف الدكتور وجيه البارودي (1906-1996) كرمز للطبيب المثقف والشاعر الملتزم، الذي جسد في حياته وأعماله قيم الإنسانية والعطاء والانتماء لوطنه ومدينته حماة. لقد كان البارودي شخصية متعددة الأبعاد، فهو الطبيب الذي كرس حياته لخدمة المرضى والفقراء، والشاعر الذي عبر عن مشاعر الحب والجمال والثورة على الظلم، والمثقف الذي شهد أحداث القرن العشرين وتفاعل معها بوعي وإدراك عميق.
إن دراسة شخصية وجيه البارودي تكتسب أهمية خاصة في السياق الثقافي والاجتماعي السوري، ليس فقط لأنه نموذج للطبيب الإنساني، بل لأنه يمثل جيلاً من المثقفين الذين تشكلت رؤيتهم للعالم في بدايات القرن العشرين، وعاشوا تحولات جذرية في المجتمع العربي. كما أن حياته الطويلة التي امتدت لتسعة عقود جعلته شاهداً على تطورات مهمة في تاريخ سوريا الحديث، من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي وصولاً إلى عصر الاستقلال.
نشأة وجيه البارودي وبداياته
وُلد وجيه البارودي في الأول من آذار عام 1906 في مدينة حماة، التي ستظل طوال حياته موضوع عشقه وإلهامه الشعري. نشأ في بيئة حموية تقليدية، حيث بدأ تعليمه الأولي في الكتاتيب، وهي المؤسسات التعليمية التقليدية التي كانت سائدة في المدن العربية آنذاك. هذه البداية التقليدية في التعليم أكسبته معرفة عميقة باللغة العربية والتراث الإسلامي، مما انعكس لاحقاً على شعره وثقافته الواسعة.
انتقل البارودي بعد ذلك إلى مدرسة “ترقي الوطن” في حماة، وهو اسم يحمل دلالات وطنية واضحة يعكس الروح الإصلاحية التي كانت سائدة في تلك الفترة. هذا التعليم المبكر في مدرسة تحمل هذا الاسم ربما أثر على تكوينه الفكري والوطني، وساهم في بناء شخصيته المتمردة والثائرة التي ستظهر لاحقاً في شعره ومواقفه الاجتماعية.
كان لانتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 تأثير مباشر على مسار حياة البارودي، حيث سافر إلى لبنان لمتابعة دراسته. هذا القرار بالسفر للدراسة يعكس رؤية تقدمية من عائلته، التي أدركت أهمية التعليم الحديث والانفتاح على العالم الخارجي. قضى البارودي أربعة عشر عاماً في لبنان، من عام 1918 إلى 1932، وهي فترة تكوينية حاسمة في حياته شملت المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية.
الدراسة الجامعية والبيئة الثقافية لـ وجيه البارودي
التحق البارودي بالجامعة الأمريكية في بيروت، التي كانت تُعرف آنذاك باسم “الكلية السورية الإنجيلية”. كانت هذه الجامعة مركزاً مهماً للتعليم الحديث في المنطقة العربية، وملتقى للطلاب من مختلف البلدان العربية. البيئة الجامعية في بيروت في عشرينيات القرن العشرين كانت مشحونة بالحيوية الفكرية والثقافية، حيث التقى طلاب من خلفيات متنوعة وتفاعلوا مع الأفكار الحديثة والتيارات الأدبية الجديدة.
في هذه البيئة المثرية، تعرف البارودي على مجموعة مميزة من الأدباء والمثقفين الذين سيصبحون لاحقاً من أعلام الأدب العربي. كان من بين زملائه عمر فروخ اللبناني، الذي أصبح مؤرخاً وأديباً مشهوراً، وإبراهيم طوقان الفلسطيني، أحد أبرز شعراء فلسطين، وحافظ جميل العراقي، وأبو القاسم الشابي التونسي، الشاعر الذي ترك أثراً عميقاً في الشعر العربي الحديث بقصائده الثورية والرومانسية.
تأسيس جمعية “دار الندوة” عام 1926 مع هؤلاء الأدباء يشير إلى الوعي المبكر للبارودي بأهمية العمل الجماعي في النشاط الثقافي. هذه الجمعية لم تكن مجرد تجمع اجتماعي، بل كانت منصة لتبادل الأفكار والإبداعات الأدبية. في إطار هذه الجمعية، بدأ صوت البارودي الشعري يتبلور ويأخذ ملامحه المميزة. كما شارك في كتابة قصائد مشتركة، مثل “وادي الرمان” التي نظمها مع إبراهيم طوقان، مما يدل على التفاعل الإبداعي بين هؤلاء الشعراء الشباب.
العودة إلى حماة وممارسة الطب
تخرج وجيه البارودي طبيباً عام 1932 من الجامعة الأمريكية في بيروت، وعاد فوراً إلى مدينته حماة ليفتح عيادته الطبية الخاصة. هذا القرار بالعودة إلى المدينة الأم، رغم الفرص التي كانت متاحة له في بيروت أو مدن أخرى أكبر، يعكس عمق انتمائه لحماة والتزامه بخدمة أهلها. كان بإمكانه أن يبقى في بيروت أو أن ينتقل إلى دمشق أو حلب، لكنه اختار حماة ولم يغادرها أبداً طوال حياته.
ما يميز بداية ممارسة البارودي للطب هو روحه الريادية وانفتاحه على الحداثة. فقد اقتنى دراجة عادية لزيارة مرضاه، وكان أول من يمتلك دراجة في حماة. هذا التفصيل البسيط يحمل دلالات مهمة حول شخصيته المتقدمة وعدم خوفه من كسر التقاليد إذا كان ذلك يخدم عمله وغايته الإنسانية. لاحقاً، اقتنى دراجة نارية، وكان أيضاً أول من يمتلكها في المدينة، ثم انتقل إلى السيارة ليكون رائداً في هذا المجال أيضاً.
هذا التطور في وسائل النقل التي استخدمها البارودي ليس مجرد تفصيل تقني، بل يعكس رؤيته التقدمية ورغبته في تطوير خدماته الطبية. كما يدل على شجاعته في مواجهة النقد الاجتماعي، فالمجتمع الحموي المحافظ في ثلاثينيات القرن العشرين لم يكن معتاداً على مثل هذه الحداثة، لكن البارودي لم يتردد في اعتماد كل ما يساعده على خدمة مرضاه بشكل أفضل.
شخصية وجيه البارودي المتمردة والمواقف الاجتماعية
تجلت شخصية البارودي المتمردة في مواقف عديدة، أبرزها موقفه من الطربوش. في ذلك الوقت، كان الطربوش عرفاً اجتماعياً إلزامياً في المجتمع الحموي، ورمزاً للوقار والاحترام. لكن البارودي قرر خلع الطربوش ووضع البرنيطة بدلاً منه، مما أثار موجة من النقد الجارح من قبل المجتمع. هذا الموقف يكشف عن جانب مهم من شخصيته: رفضه للخضوع للأعراف الاجتماعية التي يراها عقيمة أو متخلفة، حتى لو كلفه ذلك نقداً ومواجهة اجتماعية.
هذا التمرد لم يكن مجرد موقف شخصي، بل كان انعكاساً لفلسفة حياة تقوم على الحرية الفكرية والاستقلالية في اتخاذ القرارات. البارودي كان يؤمن بأن الشكليات لا يجب أن تحد من حرية الإنسان أو تعيق تقدمه. وهذا الموقف امتد ليشمل جوانب أخرى من حياته، من ممارسته للطب إلى شعره ومواقفه السياسية والاجتماعية.
رغم هذا التمرد، فإن البارودي حافظ على علاقة عميقة مع مدينته وأهلها. حبه لحماة لم يكن حباً أعمى للتقاليد، بل حباً نقدياً يسعى للتطوير والتحسين. أبياته الشعرية عن حماة تعكس هذا الحب العميق:
“في حماة مقيم لا أغادرها
شاطئ البحر عندي ضفة النهر
فيها النواعير والعاصي شاعرها
ثلاثة ميزتنا حكمة القدر”
هذه الأبيات تظهر كيف حول البارودي حماة إلى عالم شعري كامل، حيث يصبح نهر العاصي بديلاً عن البحر، والنواعير رمزاً للجمال والتميز. الشاعر نفسه يضع نفسه كثالث عنصر مميز للمدينة، إلى جانب العاصي والنواعير، مما يدل على وعيه بدوره ومكانته في تاريخ المدينة.
ممارسة الطب والفلسفة الإنسانية
امتدت ممارسة البارودي للطب من عام 1932 حتى وفاته عام 1996، أي ما يزيد على أربعة وستين عاماً. هذا الرقم القياسي في الاستمرار بممارسة الطب لا يعكس فقط القدرة الجسدية والذهنية الاستثنائية، بل يدل على العشق الحقيقي لمهنة الطب والالتزام العميق بخدمة الناس. كان البارودي يعتبر الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، وهذا ما انعكس على طريقة ممارسته وعلاقته بمرضاه.
اشتهر البارودي بلقب “أبو الفقراء”، وهو لقب يحمل دلالات عميقة حول فلسفته في ممارسة الطب. لم يكن طبيباً تقليدياً يهتم فقط بالجانب العلاجي، بل كان طبيباً اجتماعياً يفهم أن الفقر والحاجة جزء من معاناة مرضاه. كان يمنع الفقراء من دفع أجور المعاينة، وفي كثير من الأحيان كان يتكفل بتكاليف العلاج. بل إنه كان يذهب أبعد من ذلك، فعندما يزور المرضى في منازلهم، كان يضع المال تحت وسائد أسرتهم دون علمهم، ليساعدهم على تحمل أعباء المرض والحاجة.
هذا السلوك الإنساني الاستثنائي لم يكن مجرد عمل خيري، بل كان انعكاساً لفلسفة عميقة في الحياة. البارودي آمن بأن الطبيب مسؤول عن شفاء المريض جسدياً ونفسياً واجتماعياً، وأن الفقر يمكن أن يكون عاملاً معيقاً للشفاء. لذلك، كان يتعامل مع الحالة الاجتماعية للمريض كجزء من العلاج. شعره يعكس هذه الفلسفة:
وبيني وبين المال قامت عداوة
فأصبحت أرضى باليسير من اليسر
وأنشأت بين الطب والفقر إلفةً
مشيت بها في ظل ألوية النصـر
إبداع وجيه البارودي في ممارس الطب
ما ميز البارودي كطبيب لم يكن فقط إنسانيته، بل أيضاً إبداعه في أساليب العلاج. كان يؤمن بأن الحالة النفسية للمريض لا تقل أهمية عن الحالة الجسدية، وطور أساليب علاجية تعتمد على فهم عميق لنفسية المريض. القصة الشهيرة عن استخدامه للطبلة والرقص لمساعدة امرأة على الولادة تظهر هذا الجانب الإبداعي في شخصيته.
عندما طُلب لمساعدة امرأة في ولادة متعسرة، لاحظ أنها في حالة خوف وتشنج. بدلاً من الاعتماد على الأساليب الطبية التقليدية فقط، طلب طبلة وبدأ بالرقص، مما أدى إلى انغراق المرأة في الضحك وتمت الولادة بسهولة. عندما سُئل عن سبب هذا التصرف الغريب، أجاب بحكمة طبيب مخضرم: “إن المرأة خائفة ومتشنجة وهذه الحالة لا يفكها إلا الضحك أو الفزع، لم أستطع على الثانية فقمت بالأولى.”
هذه القصة تكشف عن عمق فهم البارودي لطبيعة الإنسان وحاجاته النفسية. كان يدرك أن الطب لا يقتصر على تطبيق المعرفة العلمية بشكل آلي، بل يتطلب فهماً إنسانياً وقدرة على الابتكار والتكيف مع كل حالة بشكل فردي. هذا المنهج في العلاج جعله مرجعاً للحالات المستعصية، وجعل الناس يثقون به ثقة استثنائية.
تجربة وجيه البارودي الشعرية والموضوعات الرئيسية
يُعتبر الغزل أحد أبرز الموضوعات في شعر البارودي، لكنه لم يكن غزلاً تقليدياً بل غزلاً يحمل فلسفة خاصة في الحب والجمال. ظل البارودي طوال حياته متلهفاً للجمال، ورأى في الحب قوة محركة للحياة ومصدر إلهام لا ينضب. حتى في سن الثمانين، كان لا يزال يكتب شعر الغزل بحيوية الشباب، مما أثار استغراب البعض وإعجاب آخرين.
في إحدى قصائده، يدافع عن حقه في الحب والغزل رغم تقدم العمر:
يعجب الناس كيف يهوى مسنّ
في الثمانين قوّس الدهر ظهره
خَـبرَ الحــبّ يافعـاً ثمّ كـهــلاً
ثمَ شيخاً فازداد عزماً و خبْره
وهو أصبى فتـوّةً في الثمـانين
وأدهـى مـن المـراهـق شـرَه
هذه الأبيات تكشف عن فلسفة البارودي في الحب: إنه ليس مجرد انفعال عابر مرتبط بالشباب، بل قوة حيوية تنمو وتتطور مع التجربة والنضج. الشاعر يرى أن تجربته الطويلة في الحب جعلته أكثر قدرة على فهمه والتعبير عنه، وأن الحب في الكبر له طعم مختلف أكثر عمقاً ونضجاً.
إلى جانب الغزل، اهتم البارودي بقضايا اجتماعية مهمة، خاصة قضية الفقر والعدالة الاجتماعية. قصيدته “الحمراء” من ديوانه الأول تمثل نموذجاً واضحاً لشعره الاجتماعي الثائر:
مررت أمس على العافين أسألـهم
ما تبتغون ؟ أجابوا : الخبز و الماء
ومرَ بي مترفُ يشكو , فقلت له :
ممَ إشتكيـت ؟ أجـاب : العيش أعباء
سيّـارتي فقـدت في اللـون جدَتها
أريــد أخــرى لهــا شـكــل و لألاء
يـا معـدمون أفيـقوا من جهالتكم
يــا مــن حــيـاتـكــم نـتـنٌ و أوبـاء
لابـدّ لـلأرض مـن يوم تثـور به
والشـمـس من حنـق في الأفـق حمـراء
هذه القصيدة تظهر الوعي الاجتماعي العميق للبارودي والتناقض الصارخ الذي كان يراه في المجتمع بين الفقر المدقع والترف المفرط. الشاعر لا يكتفي بوصف هذا التناقض، بل يدعو إلى الثورة عليه. استخدامه للون الأحمر في عنوان القصيدة وخاتمتها يرمز إلى الثورة والتغيير الجذري الذي يراه ضرورياً.
دواوين وجيه البارودي الشعرية والتطور الفني
نشر البارودي ثلاثة دواوين شعرية على مدى حياته الطويلة. الديوان الأول “بيني وبين الغواني” صدر عام 1950، أي بعد ثمانية عشر عاماً من بداية ممارسته للطب. هذا التأخير في النشر يدل على أن البارودي كان شاعراً دقيقاً يحرص على نضج تجربته قبل عرضها على الجمهور. العنوان نفسه يشير إلى المحور الأساسي للديوان، وهو علاقة الشاعر بالحب والجمال.
الديوان الثاني “كذا أنا” صدر عام 1971 مع إعادة طباعة الديوان الأول. هذا العنوان يحمل دلالة قوية على الصراحة والجرأة في التعبير عن الذات. البارودي في هذا الديوان يقدم نفسه كما هو، دون تزييف أو مجاملة اجتماعية. إنه الطبيب والشاعر والعاشق والثائر، وهو فخور بكل هذه الأبعاد في شخصيته.
الديوان الثالث والأخير “سيد العشاق” صدر عام 1994، أي قبل وفاته بعامين فقط وعندما كان الشاعر في الثامنة والثمانين من عمره. هذا العنوان يؤكد مرة أخرى على مركزية موضوع الحب في شعر البارودي، وعلى إصراره على اعتبار نفسه عاشقاً حتى آخر أيام حياته.
علاقة وجيه البارودي بالتراث والحداثة
يمثل شعر البارودي نموذجاً مثيراً للاهتمام في العلاقة بين التراث والحداثة. فهو من جهة متجذر في التراث الشعري العربي، يستخدم البحور التقليدية والقوافي الكلاسيكية، ويوظف الصور الشعرية المستمدة من البيئة العربية. لكنه من جهة أخرى يتناول موضوعات حديثة ويعبر عن رؤية متقدمة للحياة والمجتمع.
هذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة يعكس ثقافة البارودي الواسعة وانفتاحه على التيارات الحديثة دون فقدان جذوره. تجربته في الجامعة الأمريكية في بيروت ومخالطته لأدباء من مدارس شعرية مختلفة أثرت على شعره وجعلته أكثر تنوعاً وغنى.
إرث وجيه البارودي وذكراه
رحل البارودي في الحادي عشر من شباط 1996، تاركاً إرثاً طبياً وأدبياً وإنسانياً ثرياً. لقد حقق ما قاله في أحد أبياته:
أنا حيٌ بمنجزات نضالي
وبشعري الذي يظلُ طريَا
وبطـبِي وخـبرتي وبحبِي
سـوف أبقى مخـلَداً أبديَـا
إن البارودي لم يكن مجرد طبيب أو شاعر، بل كان رمزاً لنموذج المثقف الملتزم الذي يجمع بين العلم والفن، وبين المعرفة النظرية والممارسة العملية. حياته الطويلة التي امتدت عبر تسعة عقود جعلته شاهداً على تحولات جذرية في المجتمع السوري والعربي، وأتاحت له أن يترك بصمات واضحة في مجالات متعددة.
لقد تم تكريم البارودي في حياته من قبل وزارة الصحة السورية كأقدم طبيب في سوريا وصاحب أطول مدة عمل طبي، كما تم تكريمه كشاعر في احتفال خاص بمناسبة بلوغه السبعين. هذا التكريم المزدوج يعكس التقدير للجانبين المهمين في شخصيته: الطبيب والشاعر.
خاتمة
في الختام، يمكن القول إن وجيه البارودي يمثل نموذجاً فريداً للشخصية المتكاملة التي نجحت في الجمع بين العلم والفن، وبين الممارسة المهنية والإبداع الأدبي. لقد كان طبيباً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ إنسانية، وشاعراً يعبر عن مشاعر عصره وتطلعاته. كما كان مثقفاً ملتزماً يحمل قضايا مجتمعه ويسعى للتغيير والإصلاح من خلال عمله وشعره.
إن دراسة شخصية البارودي تفتح آفاقاً مهمة لفهم تطور الثقافة العربية في القرن العشرين، ودور المثقف في المجتمع، وطبيعة العلاقة بين المعرفة العلمية والإبداع الأدبي. كما تقدم نموذجاً ملهماً للأجيال الجديدة من الأطباء والمثقفين حول إمكانية الجمع بين التخصص المهني والإبداع الفكري والفني.
لقد صدق البارودي عندما قال إنه سيبقى مخلداً بمنجزاته وشعره وطبه وحبه. فذكراه لا تزال حية في قلوب أهالي حماة وفي تاريخ الطب والأدب السوري. وقد حق للمدينة أن تفتخر بابنها الذي جعل اسمه مقترناً باسمها، كما حق لسوريا أن تعتز بهذا النموذج الاستثنائي من أبنائها المبدعين.
الأسئلة الشائعة
1. من هو وجيه البارودي؟
وجيه بن عبد الحسيب البارودي (1 مارس 1906 – 11 فبراير 1996) كان طبيبًا وشاعرًا سوريًا من مدينة حماة، اشتهر بلقب “أبو الفقراء” بسبب تفانيه في تقديم الرعاية الطبية للفقراء، ولقب “شاعر حماة” لإسهاماته الأدبية في شعر الغزل والإصلاح الاجتماعي. وُلد في أسرة ميسورة، مما ساعده على متابعة تعليمه في بيروت، حيث تخرج طبيبًا عام 1932. عاش حياته في حماة، وكان شاهدًا على أحداث القرن العشرين، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى وتحولات المجتمع السوري. يُعتبر رمزًا ثقافيًا في حماة، حيث يُقال: “حماة هي العاصي والنواعير ووجيه البارودي”، مما يعكس مكانته في المدينة.
2. ما هي خلفيته التعليمية؟
بدأ وجيه البارودي تعليمه في الكتاتيب التقليدية في حماة، حيث تعلم القرآن واللغة العربية، ثم التحق بمدرسة “ترقي الوطن” الابتدائية. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، سافر إلى لبنان لمواصلة دراسته، وأمضى 14 عامًا في بيروت، حيث أكمل المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية. تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت (المعروفة آنذاك بالكلية السورية الإنجيلية) عام 1932 بدرجة في الطب، مما أهله لممارسة المهنة في حماة.
3. كيف ساهم وجيه البارودي في مجال الطب في سوريا؟
مارس وجيه البارودي الطب في حماة منذ تخرجه عام 1932 حتى وفاته عام 1996، محققًا مسيرة مهنية امتدت لأكثر من 60 عامًا، وهي واحدة من أطول المسيرات الطبية في سوريا. افتتح عيادته الخاصة في حماة، حيث كان يعالج المرضى من جميع الطبقات، مع التركيز بشكل خاص على الفقراء، الذين كان يقدم لهم العلاج مجانًا أو بتكاليف رمزية. كان نهجه الإنساني في الطب يعكس فلسفته في الحياة، حيث كان يرى أن الطب رسالة إنسانية تهدف إلى تخفيف معاناة الناس.
4. لماذا عُرف وجيه البارودي بـ”طبيب الفقراء”؟
حصل وجيه البارودي على لقب “طبيب الفقراء” أو “أبو الفقراء” بسبب التزامه الراسخ بتقديم الرعاية الطبية للأشخاص الأقل حظًا في المجتمع. كان يعالج المرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج، وغالبًا ما كان يتنازل عن أجره أو يقدم خدماته مجانًا. هذا التفاني جعله محبوبًا في حماة، حيث أصبح رمزًا للعطاء والإنسانية.
5. ما هي بعض الإنجازات البارزة في مسيرته الطبية؟
من أبرز إنجازات وجيه البارودي الطبية استمراريته في ممارسة الطب لأكثر من 60 عامًا، وهي مدة قياسية جعلته أحد أطول الأطباء ممارسة في سوريا. في عام 1991، حصل على درع من وزارة الصحة السورية، قدمه له الدكتور إياد الشاطئ، تقديرًا لخدماته الطويلة والمتميزة. كما كان أول من امتلك دراجة هوائية ودراجة نارية وسيارة في حماة، مما ساعده في الوصول إلى مرضاه بسهولة.
6. كيف وازن وجيه البارودي بين مهنته الطبية وشغفه بالشعر؟
نجح وجيه البارودي في التوفيق بين مهنته الطبية وشغفه بالشعر من خلال دمج هذين الجانبين في حياته اليومية. كان يقضي نهاره في عيادته يعالج المرضى، بينما كان يخصص أوقات فراغه لكتابة الشعر، مستلهمًا من تجاربه الشخصية وملاحظاته الاجتماعية. كثيرًا ما كانت قصائده تعكس قيمه الإنسانية التي مارسها في مهنته الطبية، مثل التعاطف مع الفقراء والدعوة إلى العدالة الاجتماعية.
7. ما هي الموضوعات التي تناولها وجيه البارودي في شعره؟
استكشف وجيه البارودي في شعره موضوعات متنوعة تشمل الحب، الجمال، العدالة الاجتماعية، والإنسانية. اشتهر بشعر الغزل الذي يحتفي بالحب والجمال، لكنه تناول أيضًا قضايا اجتماعية مثل التفاوت الطبقي والفقر. كما عبر عن تمرده على الأعراف الاجتماعية البالية، داعيًا إلى الإصلاح والتقدم. قصائده كانت مزيجًا من العاطفة الشخصية والتعليق الاجتماعي، مما جعلها مؤثرة وذات طابع إنساني.
8. هل يمكن تقديم أمثلة على شعر وجيه البارودي؟
من أبرز أمثلة شعر وجيه البارودي:
- من ديوان “بيني وبين الغواني”:أجري وراء الجمال مغامرا لا أبالي
مستمتعاً باندفاعي الأعمى و باستبسالي - قصيدة تعكس صراعه الشخصي:خرجت أشق طريق الحياة بسيف اليقين ودرع الثبات
وحيدا أناضل.. لا والد معي
وأمي في الحالكات - عن دوره المزدوج كطبيب وشاعر:أتيت إلى الدنيا طبيبا وشاعرا
أداوي بطبي الجسم والروح بالشعر - نقد اجتماعي في قصيدة “الحمراء”:مررت أمس على العافين أسألهم
هذه الأبيات تعكس تنوع موضوعاته من الغزل إلى النقد الاجتماعي والتأمل الشخصي.
9. كيف عكس شعر وجيه البارودي آراءه حول المجتمع؟
عكس شعر وجيه البارودي آراءه التقدمية حول المجتمع، حيث استخدم قصائده لتحدي الأعراف الاجتماعية وانتقاد الأثرياء والقوى المتنفذة. في قصيدته “الحمراء”، سلط الضوء على التفاوت بين الأغنياء والفقراء، داعيًا إلى الإصلاح الاجتماعي. كما تناول في قصيدة أخرى ظاهرة التلاعب بالحجاب، معبرًا عن رؤيته النقدية بأسلوب فكاهي:
تفنن البنات في الحجاب ألوانا.. حتى غدا الحجاب كالجمال فتانا
ظلمنه وكل من ظلمته خانا.. وضيع السر الذي من أجله كانا
هذه الأبيات تظهر قدرته على معالجة القضايا الاجتماعية بحس نقدي وفكاهي.
10. ما أهمية “دار الندوة” في مسيرته الأدبية؟
أسس وجيه البارودي جمعية “دار الندوة” الأدبية عام 1926 مع أدباء بارزين مثل عمر فروخ، إبراهيم طوقان، حافظ جميل، وأبو القاسم الشابي. كانت هذه الجمعية منصة للتبادل الفكري والأدبي، وساهمت في صقل موهبته الشعرية من خلال التفاعل مع شعراء ومفكرين آخرين. شكلت “دار الندوة” بداية ناضجة لتجربته الشعرية، حيث وجد في بيروت بيئة أدبية غنية ساعدته على تطوير أسلوبه.
11. كيف كان ينظر إليه معاصروه؟
كان وجيه البارودي محل تقدير كبير من معاصريه كطبيب وشاعر. في المجال الطبي، احترمه الناس لتفانيه ونهجه الإنساني في علاج المرضى. في الأوساط الأدبية، أُعجب به زملاؤه لمهارته الشعرية وقدرته على تناول الموضوعات الشخصية والاجتماعية. ومع ذلك، واجه انتقادات بسبب تمرده على بعض الأعراف، مثل خلعه للطربوش واستبداله بالبرنيطة، مما أثار جدلاً في مجتمعه المحافظ.
12. ما هي الجوائز والتكريمات التي حصل عليها وجيه البارودي؟
حصل وجيه البارودي على عدة جوائز وتكريمات خلال حياته. في عام 1975، كُرم كشاعر وحصل على كأس محافظ حماة للشعر في احتفال حضره نخبة من الأدباء السوريين. في عام 1991، مُنح درعًا من وزارة الصحة السورية تقديرًا لمسيرته الطبية التي امتدت لأكثر من 60 عامًا. كما يُحتفى به سنويًا من خلال مهرجان الدكتور وجيه البارودي للإبداع الشعري والنقد الأدبي.
13. كيف أثرت حياته الشخصية على أعماله؟
أثرت حياة وجيه البارودي الشخصية، وخاصة فقدانه لزوجته وثلاثة من أبنائه العشرة، بشكل عميق على أعماله. هذه المآسي انعكست في شعره، حيث تناول موضوعات الحب، الخسارة، والصمود. على سبيل المثال، في قصيدته:
خرجت أشق طريق الحياة بسيف اليقين ودرع الثبات
وحيدا أناضل.. لا والد معي
وأمي في الحالكات
تعكس هذه الأبيات شعوره بالوحدة بعد خسارته الشخصية. كما شكلت تجاربه الشخصية نهجه الإنساني في الطب والشعر، مما جعله يركز على التعاطف مع الناس.
14. ما هو إرث وجيه البارودي في حماة وسوريا؟
يُعتبر وجيه البارودي رمزًا ثقافيًا وإنسانيًا في حماة وسوريا. كطبيب، يُذكر لخدمته المتفانية للمجتمع، خاصة الفقراء. كشاعر، ترك بصمة في الأدب العربي من خلال قصائد الغزل والنقد الاجتماعي. يُشار إليه كجزء لا يتجزأ من هوية حماة، إلى جانب نهر العاصي والنواعير. يستمر إرثه من خلال مهرجان الدكتور وجيه البارودي للإبداع الشعري، الذي بدأ عام 2016، ويحتفي بالشعراء المعاصرين.
15. هل هناك كتب أو دراسات عن حياة وجيه البارودي وأعماله؟
نعم، هناك عدة كتب ودراسات عن حياة وجيه البارودي وأعماله. منها:
- “وجيه البارودي: الطبيب الشاعر الذي حمل هموم أمته” لمحمد عيد الخربوطلي، صدر عن اتحاد الكتاب العرب عام 2012.
- كتاب ضمن سلسلة “آفاق ثقافية” صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، أعده الأديب نزار نجار، يتناول سيرة البارودي وشعره.
- دراسة لعبد الكريم الأشتر في كتاب “شعراء شاميون قدامى ومحدثون”، تناولت دواعي الخروج على المألوف في شعر البارودي.