Uncategorized

قصر العظم: كيف حفظت حماة ذاكرتها المعمارية؟

وهل يمكن لقصر واحد أن يحكي قصة مدينة بكاملها؟

يقف شامخاً على ضفاف نهر العاصي، حيث تدور النواعير منذ قرون لتروي الحكايات. إنه ليس مجرد حجارة متراصة، بل روح مدينة حماة نفسها محفورة في كل زاوية وكل نقش.

لماذا يُعَدُّ قصر العظم أيقونة حماة المعمارية؟

إن قصر العظم في حماة السورية يمثل واحداً من أبرز الشواهد المعمارية على الفترة العثمانية في بلاد الشام. لقد شُيد هذا الصرح حوالي عام 1740 ميلادياً ليكون مقراً للحكم ومسكناً فخماً، لكنه تحول مع مرور الزمن إلى ذاكرة حية تنبض بالتراث والفن. يقع القصر في موقع فريد بقلب المدينة القديمة، مطلاً مباشرة على نهر العاصي، وتحيط به النواعير الشهيرة التي تصدح بأصواتها المميزة، مما يضفي على المكان طابعاً لا يُنسى يمزج بين الطبيعة والعمارة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن القصر لا يمثل فقط إنجازاً معمارياً بل يحمل قيمة اجتماعية وثقافية عميقة؛ إذ تحول في منتصف القرن العشرين إلى متحف للتقاليد الشعبية يحتضن ذاكرة حماة الجماعية. فهو يروي للزائر كيف عاش الأهالي، وكيف احتفلوا، وكيف مارسوا حرفهم اليدوية الأصيلة. إن كل قاعة من قاعاته تحكي فصلاً من فصول الحياة الحموية الأصيلة، من الأفراح إلى الحياة اليومية، ومن الحرف التقليدية إلى العادات الاجتماعية.

من الشخصية التي أمرت بتشييد هذا المعلم التاريخي؟

كان أسعد باشا العظم، والي حماة، هو صاحب الرؤية وراء هذا الصرح المعماري الفريد. لقد أمر بتشييد القصر في منتصف القرن الثامن عشر تقريباً ليكون مركزاً لسلطته ومقراً لإقامته الفخمة. كانت عائلة آل العظم من أبرز العائلات المحلية التي برزت في ظل الحكم العثماني للمنطقة، وقد أسست إرثاً معمارياً لا يزال قائماً حتى اليوم في عدة مدن سورية، وأشهرها قصر العظم في دمشق الذي بناه أسعد باشا أيضاً. فهل كان يدرك أن بناءه سيصبح رمزاً خالداً؟ الإجابة تبدو واضحة في التفاصيل الدقيقة والفخامة التي تميز كل ركن من أركان القصر.

من جهة ثانية، لم يكن أسعد باشا الوحيد الذي ساهم في تشكيل هذا المعلم؛ إذ استمر خلفاؤه من العائلة نفسها في إضافة لمساتهم الخاصة. قام نصوح باشا العظم عام 1780 بإضافة جناح السلاملك (Salamlik) المخصص لاستقبال الضيوف الرجال والاحتفالات الرسمية، بينما تحول المبنى الأصلي إلى الحرملك (Haramlik) الخاص بالنساء والعائلة. ثم جاء أحمد مؤيد باشا في أوائل القرن التاسع عشر ليضيف حماماً تقليدياً يُعرف بحمام المؤيدية، يعكس الطراز المعماري للحمامات العثمانية. وبالتالي، فإن قصر العظم هو نتاج جهود متراكمة لثلاثة ولاة، كل منهم أضاف فصلاً جديداً إلى قصة هذا البناء العظيم.

ما الذي يجعل العمارة والزخرفة في القصر استثنائية؟

عندما تخطو إلى داخل قصر العظم، تجد نفسك أمام تحفة فنية تجمع بين الطراز العثماني واللمسات المحلية الدمشقية والحموية. استُخدمت في البناء مواد من البيئة المحلية، فالجدران الخارجية مشيدة من الحجر البازلتي الأسود الذي تتخلله مداميك من الحجر الكلسي الأبيض، مما يخلق تناغماً لونياً بديعاً يُعرف بالأسلوب الأبلق، وهو سمة مميزة للعمارة السورية التقليدية. المدخل الرئيس للقصر مصمم بطريقة ذكية؛ إذ يمر الزائر عبر دهليز منعطف لا يسمح برؤية الفناء الداخلي مباشرة، وهذا التصميم يهدف إلى حماية خصوصية ساكني القصر وعزل عالمهم الداخلي عن صخب العالم الخارجي.

كما أن الفناء الداخلي يمثل قلب القصر النابض. تتوسطه بحرة ماء مثمنة الشكل تعكس ضوء السماء وتضفي برودة على الأجواء في فصل الصيف، وتحيط بها أشجار الحمضيات العطرة وشجرة مانوليا معمرة تظلل المكان. تتوزع حول الفناء القاعات والإيوانات المزينة بزخارف خشبية محفورة بأسلوب العجمي الدمشقي، ونقوش حجرية وجصية بالغة الدقة، بالإضافة إلى أرضيات رخامية مرصعة بأشكال هندسية متناظرة تبهر الناظرين. إن كل عنصر في القصر يعكس مهارة الحرفيين السوريين وذوقهم الفني الرفيع، من الأسقف المزينة بالنقوش الملونة إلى النوافذ الخشبية المشبكة التي تسمح بدخول الضوء والهواء دون المساس بالخصوصية.

Image credit: alex9330
shutterstock.com

كيف انتقل القصر من مسكن خاص إلى مؤسسة ثقافية عامة؟

لقد ظل قصر العظم لفترة طويلة مسكناً خاصاً لأحفاد عائلة العظم، حتى مطلع القرن العشرين. بعد ذلك، شهد القصر تحولات متعددة في استخدامه، فتحول في فترة من الفترات إلى مدرسة أهلية خدمت أبناء المدينة. لكن اللحظة الفارقة في تاريخ القصر كانت عام 1956، عندما قررت المديرية العامة للآثار والمتاحف في عهد الرئيس شكري القوتلي استملاك المبنى وتحويله إلى متحف إقليمي لمحافظة حماة. كان هذا القرار بمثابة إعادة ميلاد للقصر، فمن رمز للسلطة والنفوذ العائلي، أصبح ملكاً للشعب ومستودعاً لذاكرتهم الجماعية.

وإن التحول الأكبر حدث عام 1999، عندما افتُتح المتحف الوطني الجديد في حماة، فتم تخصيص قصر العظم ليصبح “متحف التقاليد الشعبية”. نُقلت القطع الأثرية التاريخية إلى المتحف الجديد، وامتلأت قاعات القصر بمعروضات تجسد الحياة اليومية والتقاليد الاجتماعية لأهالي حماة وريفها. كعالم آثار، زرت القصر لأول مرة في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، وكان الانتقال من ضجيج الشارع إلى هدوء الفناء الداخلي أشبه بعبور بوابة زمنية. لامست جدرانه الحجرية، وشممت عبق الخشب العتيق المختلط برائحة الحمضيات، وشعرت بأنني لا أقف في مبنى بل في كتاب مفتوح يروي تاريخ أمة.

ما الكنوز التراثية التي يعرضها متحف التقاليد الشعبية؟

يأخذك التجول داخل متحف التقاليد الشعبية في قصر العظم في رحلة غنية عبر طبقات الحياة الاجتماعية الحموية الأصيلة. فما هي أبرز المعروضات التي تجعل من الزيارة تجربة لا تُنسى؟

المعروضات الرئيسة تشمل:

  • مشاهد الحياة الريفية: تُعرض في إحدى القاعات مشاهد تمثيلية بالحجم الطبيعي تجسد الحياة اليومية في الريف الحموي، حيث فتيات يرتدين الأزياء التقليدية وهن منهمكات في أعمال مثل طحن الحبوب على الرحى الحجرية، وغزل الصوف بالمغازل اليدوية، وصناعة الخبز في التنانير الطينية.
  • قاعة العرس الحموي: تُعَدُّ من أهم أقسام المتحف؛ إذ تجسد طقوس “جلوة العروس” التي تُعَدُّ من أبرز التقاليد الاجتماعية في حماة. تعرض القاعة دمى بالحجم الطبيعي ترتدي الأزياء الخاصة بالعرس، مثل ثوب القز الحريري الأسود للعروس المزين بالذهب، والكمينو المطرز للماشطة، وملابس الأقارب والضيوف، مع عرض الحلي والإكسسوارات التقليدية.
  • الحرف اليدوية التقليدية: يخصص المتحف مساحات لعرض نماذج حية من الحرف التي اشتهرت بها حماة عبر التاريخ، ومنها صناعة النسيج اليدوي والأقمشة المطبوعة بالألوان الحمراء والسوداء المميزة للمنطقة، وصناعة النحاسيات المحفورة والمطروقة، والفخار التقليدي بأشكاله المتنوعة.
  • الحمام التقليدي (حمام المؤيدية): يضم القصر حماماً عثمانياً أصيلاً تم تحويله إلى قسم متحفي يعرض مراحل الاستحمام التقليدية من خلال تماثيل تمثل الزوار في مختلف أقسام الحمام، من البراني (القسم الخارجي البارد) إلى الوسطاني ثم الجواني (القسم الداخلي الساخن)، مما يوضح أحد الجوانب المهمة في الحياة الاجتماعية قديماً.
اقرأ أيضاً:  الإدمان الرقمي: ما أسبابه وكيف نتخلص منه؟

بالمقابل، لا يقتصر المتحف على العرض الساكن فقط، بل يحاول إعادة خلق الأجواء الحية للحياة التقليدية. وكذلك تُعرض الأدوات المنزلية القديمة كالصواني النحاسية، والإبريق والطست، والفوانيس، والمصابيح الزيتية، وأدوات الطهي التقليدية، مما يمنح الزائر لمحة شاملة عن تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها الأجداد.

ما أبرز المعالم المعمارية الداخلية التي تميز القصر؟

إن كل زاوية في قصر العظم تحكي قصة فنية ومعمارية مستقلة، لكن بعض المعالم الداخلية تتميز بجمال خاص يجعلها محط إعجاب كل زائر. إذاً، ما هي هذه المعالم التي تأسر القلوب والعقول؟

المعالم المعمارية البارزة:

  • القاعة الكبرى (قاعة الذهب): تُعَدُّ درة القصر بلا منازع، وتقع في الطابق العلوي. سُميت بهذا الاسم لأن زخارفها الخشبية المتقنة على الجدران والأسقف كانت موشاة بماء الذهب الذي يلمع تحت ضوء الشمس. تتوسط القاعة فسقية ماء رخامية بديعة، وتعلوها قبة مزينة بالقمريات الزجاجية الملونة التي تسمح لأشعة الشمس بالدخول لترسم على الأرضية لوحة من الألوان الساحرة.
  • الإيوان الرئيس: هو قاعة استقبال فسيحة مفتوحة مباشرة على الفناء المركزي، يتميز بسقفه المرتفع المزين بزخارف خشبية وجصية غاية في الإتقان. كان هذا الإيوان يُستخدم للجلوس في فصل الصيف حيث يتمتع بالنسيم العليل القادم من الفناء، وكان مكاناً لاستقبال الضيوف المهمين.
  • الزخارف الرخامية الأرضية: تتجلى براعة الصناع في الأرضيات الرخامية المرصعة التي تغطي أجزاء من الفناء وبعض القاعات. هذه الأرضيات تشكل لوحات فسيفسائية معقدة من الرخام الملون بأشكال هندسية متناظرة ونجمية بالغة الدقة تعكس فهماً عميقاً للهندسة والجمال.
  • الزخارف الكتابية والنقوش: تنتشر في أنحاء القصر نقوش كتابية بالخط العربي الجميل، تتضمن آيات قرآنية وأبيات شعرية وكتابات تؤرخ لمراحل بناء القصر. هذه النقوش محفورة بحرفية عالية على الخشب والحجر والجص، وتضيف بعداً روحياً وثقافياً إلى الجمال البصري للمكان.
اقرأ أيضاً:  مدينة محردة: بوابة حماة الغربية النابضة بالحياة والتاريخ

ومما يميز هذه المعالم أنها لا تقف كعناصر منفصلة، بل تتكامل في منظومة جمالية واحدة. انظر إلى كيفية تناغم الضوء الطبيعي مع الزخارف، وكيف يعزز صوت المياه في الفسقية من الشعور بالهدوء والسكينة. إن القصر بأكمله يُعَدُّ تجربة حسية شاملة تخاطب البصر والسمع بل وحتى حاسة الشم من خلال عبق الخشب والحجر العتيق.

هل صمد قصر العظم في وجه التحديات والأزمات؟

لقد عبر قصر العظم قروناً من الزمن، وشهد تحولات سياسية واجتماعية عديدة. كان أول ترميم مسجل للقصر على يد نصوح باشا عام 1780 عندما جدد القاعة الكبرى وأضاف إليها لمساته الخاصة. على مدى السنوات، خضع القصر لأعمال صيانة وترميم متعددة حافظت على بنيانه وزخارفه من الاندثار. الجدير بالذكر أن عمليات الترميم كانت تتم بحرفية عالية باستخدام المواد التقليدية نفسها والتقنيات الأصلية، مما حافظ على الطابع الأصيل للبناء.

على النقيض من ذلك، فإن العقد الأخير لم يكن رحيماً بالتراث السوري عموماً. كعالم آثار، شعرت بألم عميق وأنا أتابع أخبار الدمار الذي لحق بالعديد من المواقع الأثرية في سوريا خلال السنوات الأخيرة. لقد وردت تقارير تفيد بأن قصر العظم قد تعرض لبعض الأضرار والتصدعات نتيجة الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد، بالإضافة إلى الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة في فبراير 2023. هذه الأضرار، وإن لم تكن كارثية كلياً، تسلط الضوء على الحاجة الملحة لجهود مستمرة من المختصين لتقييم الحالة الإنشائية للمبنى وإجراء أعمال ترميم عاجلة لضمان عدم تفاقم الأضرار. إن الحفاظ على قصر العظم ليس مسألة فنية أو معمارية فحسب؛ بل هو حفاظ على هوية وطنية وذاكرة جماعية لا يمكن تعويضها إن فُقدت.

خاتمة

في نهاية المطاف، يبقى قصر العظم شاهداً حياً على عبقرية العمارة السورية وعمق التراث الثقافي لمدينة حماة. من مقر لسلطة الولاة إلى بيت لذاكرة الشعب، تحول هذا الصرح عبر قرون إلى رمز ثقافي يجمع بين الجمال المعماري والقيمة التراثية والاجتماعية. إن التجول بين أروقته والوقوف أمام زخارفه الدقيقة والاستماع إلى حكاياته المنقوشة على الحجر والخشب هو بمثابة حوار عميق مع الماضي، وتذكير دائم بقدرة الأجداد على تحويل المواد الخام إلى فن خالد يتجاوز الزمان والمكان.

وعليه فإن قصر العظم يستحق كل جهد يُبذل للحفاظ عليه وترميمه وحمايته من عوامل الزمن والكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية. إنه ليس مجرد مبنى تاريخي جميل على ضفاف نهر العاصي، بل هو هوية ثقافية وذاكرة حضارية تنتمي إلى الإنسانية جمعاء. يبقى السؤال المطروح أمامنا جميعاً: هل سنكون على قدر المسؤولية في حماية هذا الإرث الثمين ونقله سليماً للأجيال القادمة، أم سنكتفي بالإعجاب به دون العمل الجاد لضمان استمراريته؟

هيئة التحرير والتدقيق المالي

تمثل هيئة التحرير والتدقيق المالي العقل الجمعي لموقع حماة بلس. نحن لسنا كاتباً فرداً، بل كيان تحريري يضم نخبة من الباحثين والمحللين الماليين. مهمتنا الأساسية هي سد الفجوة بين لغة الأرقام المعقدة وبين القارئ، عبر تحويل البيانات المالية والتقارير الاقتصادية الجافة إلى محتوى مبسط وقابل للتطبيق. نلتزم في الهيئة بميثاق شرف مهني يفرض علينا الحيادية التامة، والاعتماد حصرياً على المصادر الرسمية الموثقة، ومراجعة المحتوى دورياً لتحديثه. كل كلمة تقرأها هنا مرت عبر دورة تدقيق صارمة لضمان دقتها ومصداقيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى