التنمر: ما أسبابه وكيف نواجهه في مجتمعاتنا؟
كيف نفهم ظاهرة التنمر ونحمي أبناءنا من آثارها النفسية؟

يمثل التنمر أحد أخطر التحديات الاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة في مختلف أنحاء العالم، سواء في المدارس أو أماكن العمل أو الفضاء الرقمي الذي بات يحتل جزءاً كبيراً من حياتنا اليومية. لقد أصبح فهم هذه الظاهرة المعقدة ضرورة ملحة لكل أسرة ومؤسسة تعليمية ومجتمع يسعى جاداً لحماية أفراده وضمان بيئة صحية للنمو والتطور.
ما المقصود بالتنمر وكيف نميزه عن السلوكيات العدوانية الأخرى؟
يُعرَّف التنمر (Bullying) بأنه سلوك عدواني متعمد ومتكرر يمارسه فرد أو مجموعة من الأفراد ضد شخص آخر يُدرَك على أنه أضعف أو أقل قدرة على الدفاع عن نفسه؛ إذ يتضمن هذا السلوك اختلالاً واضحاً وجوهرياً في موازين القوة بين الطرفين المعنيين. تختلف هذه الظاهرة اختلافاً جذرياً عن الخلافات العادية والطبيعية بين الأقران في عنصرين جوهريين لا يمكن تجاهلهما: التكرار المستمر والقصد الواضح للإيذاء. فالمشاجرة العابرة بين طفلين في ساحة المدرسة لا تُصنَّف ضمن هذا الإطار ما لم تتحول إلى نمط سلوكي مستمر يستهدف الضحية ذاتها مراراً وتكراراً.
من ناحية أخرى، يستهدف المتنمر عادةً ضحايا يُدركون تماماً أنهم أضعف منه جسدياً أو اجتماعياً أو نفسياً، وهذا ما يميز التنمر عن الصراعات المتكافئة بين الأقران. الباحث النرويجي دان أولويوس (Dan Olweus)، الذي يُعَدُّ الأب المؤسس لدراسات التنمر الحديثة، وضع في سبعينيات القرن الماضي المعايير الأولى لتعريف هذه الظاهرة علمياً. لقد أكد أولويوس أن ثلاثة عناصر يجب توافرها لتصنيف سلوك ما بوصفه تنمراً: النية العدوانية، والتكرار عبر الزمن، واختلال ميزان القوة.
تُشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية الصادرة في تقريرها الشامل لعام 2024 إلى أن واحداً من كل ثلاثة طلاب حول العالم تعرض للتنمر بشكل أو بآخر خلال مسيرته الدراسية. هذا الرقم المقلق والصادم يكشف بوضوح حجم الأزمة الحقيقية التي نواجهها كمجتمعات إنسانية. كما أن الدراسات الحديثة والمتعمقة تؤكد أن الآثار النفسية والاجتماعية للتنمر تمتد لسنوات طويلة جداً بعد انتهاء الحادثة الفعلية. وبالتالي فإن التدخل المبكر والفعال يُعَدُّ ضرورة قصوى لا ترفاً يمكن تأجيله.
الجدير بالذكر أن الفهم الشائع للتنمر تطور كثيراً خلال العقود الأخيرة. ففي السابق، كان يُنظر إليه باعتباره طقساً عابراً من طقوس النمو، أو اختباراً للصلابة يجب على الأطفال تجاوزه بأنفسهم. لكن الأبحاث العلمية الرصينة أثبتت خطأ هذا التصور تماماً. فالتنمر ليس تجربة بنّاءة، بل هو صدمة نفسية قد تترك ندوباً دائمة إذا لم تُعالَج بالشكل الصحيح.
أهم النقاط: التنمر سلوك عدواني متكرر يتضمن اختلالاً واضحاً في القوة بين الأطراف، ويختلف جوهرياً عن النزاعات العابرة في استمراريته وقصده الإيذائي الواضح. ثلاثة معايير تحدده: النية، التكرار، واختلال القوة.
ما الأنواع المختلفة للتنمر التي يجب أن نعرفها ونميز بينها؟
تتعدد أشكال التنمر وتتنوع بتنوع السياقات والأدوات المستخدمة، ولكل نوع خصائصه المميزة وآثاره الخاصة على الضحايا:
- التنمر الجسدي (Physical Bullying): يُعَدُّ الشكل الأكثر وضوحاً وقابلية للرصد، ويشمل الضرب والركل والدفع العنيف وسحب الشعر وإتلاف الممتلكات الشخصية، وأي اعتداء بدني مباشر على جسد الضحية.
- التنمر اللفظي (Verbal Bullying): يتضمن الشتائم والألقاب المهينة والسخرية المتكررة والتهديد والتعليقات الجارحة، وغالباً ما يستهدف سمات جسدية أو عرقية أو دينية للضحية.
- التنمر الاجتماعي أو العلاقاتي (Social/Relational Bullying): يستهدف العلاقات الاجتماعية للضحية من خلال العزل المتعمد ونشر الشائعات والإقصاء من المجموعات والأنشطة، وهو أكثر شيوعاً بين الإناث.
- التنمر الإلكتروني (Cyberbullying): يحدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية والبريد الإلكتروني والألعاب الإلكترونية ومنصات الإنترنت المختلفة، ويتميز بقدرته على الوصول للضحية في أي وقت ومكان.
لقد أظهرت دراسة موسعة نشرتها مجلة Journal of Adolescent Health في عام 2023 أن معدلات التنمر الإلكتروني تضاعفت بنسبة مذهلة بلغت 40% منذ جائحة كوفيد-19. يتميز هذا النوع بخطورة استثنائية تفوق الأنواع التقليدية؛ إذ يتابع الضحية المعتدين على مدار الساعة من خلال هاتفه الشخصي الذي لا يفارقه. بالمقابل، يصعب على الأهل والمعلمين اكتشافه مقارنة بالأنواع التقليدية التي تترك آثاراً مرئية.
فهل سمعت بحالة أماندا تود من قبل؟ هي مراهقة كندية من مدينة فانكوفر انتحرت في أكتوبر عام 2012 بعد تعرضها لحملة تنمر إلكتروني وحشية استمرت لسنوات. لقد تعرضت للابتزاز ونُشرت صور لها دون موافقتها، وتبعها الإيذاء من مدرسة إلى أخرى عبر الإنترنت. قبل وفاتها بشهر، نشرت فيديو صامتاً على يوتيوب تروي فيه قصتها عبر بطاقات مكتوبة بخط يدها. أصبحت قضيتها رمزاً عالمياً لمخاطر التنمر الإلكتروني، ودفعت كندا لسن تشريعات جديدة لمكافحته.
من جهة ثانية، هناك أنواع أقل شيوعاً لكنها لا تقل خطورة. التنمر الجنسي (Sexual Bullying) يتضمن تعليقات أو إيماءات جنسية غير مرغوبة. بينما التنمر القائم على التحيز (Prejudicial Bullying) يستهدف الضحايا بسبب عرقهم أو دينهم أو توجهاتهم. وكذلك يوجد ما يُسمى بالتنمر غير المباشر (Indirect Bullying) الذي يتم من خلال طرف ثالث يُحرَّض على إيذاء الضحية.
أهم النقاط: يتخذ التنمر أشكالاً متعددة تشمل الجسدي واللفظي والاجتماعي والإلكتروني، لكن النوع الإلكتروني يمثل التحدي الأكبر والأخطر في عصرنا الرقمي لاستمراريته وصعوبة رصده وانتشاره السريع.
لماذا يتحول بعض الأطفال والمراهقين إلى متنمرين؟
تتشابك عوامل نفسية واجتماعية وبيئية معقدة لتصنع شخصية المتنمر، ولا يمكن اختزال الأسباب في عامل واحد بسيط. يعاني كثير من المتنمرين من اضطرابات سلوكية غير مشخصة أو مشكلات حقيقية في تنظيم المشاعر والتحكم في الاندفاعات (Emotional Regulation). كما أن نسبة ملحوظة منهم كانت في السابق ضحية للتنمر ذاته أو للعنف الأسري، فيما يُعرف بدورة العنف (Cycle of Violence). من جهة ثانية، قد يلجأ الطفل أو المراهق للتنمر بحثاً عن مكانة اجتماعية ونفوذ بين أقرانه، خاصة في البيئات التي تُقدّر القوة والسيطرة.
الجدير بالذكر أن البيئة الأسرية تلعب دوراً محورياً وحاسماً في تشكيل هذا السلوك العدواني. الأسر التي تتبنى أساليب تربوية قاسية ومتسلطة تُعلّم أطفالها بشكل غير مباشر أن القوة وسيلة مشروعة للحصول على ما يريدون. على النقيض من ذلك، الأسر المتساهلة جداً التي لا تضع حدوداً واضحة قد تنتج أطفالاً لا يدركون عواقب أفعالهم على الآخرين. وكذلك غياب الرقابة الأبوية الفعالة يمنح الطفل فرصة واسعة لاختبار حدود السلوك المقبول دون محاسبة.
إذاً كيف نفسر انتشار التنمر في بعض المدارس دون غيرها رغم تشابه الظروف الاقتصادية والاجتماعية؟ الإجابة تكمن في ثقافة المؤسسة التعليمية نفسها وما تُرسّخه من قيم. المدارس التي تفتقر لسياسات واضحة وحازمة ضد هذا السلوك، أو التي يتجاهل معلموها الحوادث بحجة أنها “مشكلات أطفال”، تخلق بيئة خصبة لازدهار التنمر. بالمقابل، المدارس التي تُرسّخ ثقافة الاحترام وتتدخل فوراً عند أي حادثة تشهد معدلات أقل بكثير.
لقد أظهرت دراسات علم النفس الاجتماعي أن بعض المتنمرين يتمتعون بذكاء اجتماعي مرتفع يوظفونه سلباً للتلاعب بالآخرين والسيطرة على الديناميكيات الاجتماعية. هؤلاء ليسوا بالضرورة أطفالاً مضطربين نفسياً، بل قد يكونون شخصيات كاريزمية تستخدم التنمر كأداة للهيمنة الاجتماعية. هذا النوع من المتنمرين يصعب اكتشافه لأنه يحظى بشعبية ظاهرية بين الأقران.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب وسائل الإعلام والألعاب الإلكترونية العنيفة دوراً في تطبيع السلوك العدواني، رغم أن العلاقة ليست سببية مباشرة. الأطفال الذين يتعرضون لمحتوى عنيف بشكل مكثف دون توجيه أبوي قد يصبحون أقل حساسية تجاه معاناة الآخرين. ومما يزيد الأمر تعقيداً أن بعض المنصات الرقمية تُكافئ السلوك العدواني والاستفزازي بمزيد من المشاهدات والتفاعل.
أهم النقاط: المتنمر في أغلب الأحيان ضحية لظروف نفسية واجتماعية وأسرية معقدة، والتدخل الفعال يجب أن يستهدفه أيضاً وليس الضحية فحسب. فهم الأسباب الجذرية ضروري لوضع حلول مستمرة.
كيف يؤثر التنمر على الصحة النفسية والجسدية للضحايا؟
تترك تجربة الإيذاء المتكرر والمنهجي ندوباً عميقة ومؤلمة في نفسية الضحية قد تستمر لسنوات طويلة. يُظهر الأطفال والمراهقون المتعرضون للتنمر معدلات أعلى بكثير من الاكتئاب (Depression) والقلق (Anxiety) واضطرابات النوم المزمنة. بعضهم يعاني من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD) بصورة مشابهة لضحايا الكوارث الطبيعية والحروب. بالإضافة إلى ذلك، يتراجع أداؤهم الأكاديمي بشكل ملحوظ ومقلق، ويفقدون الدافعية للتعلم والإنجاز.
لكن الآثار المدمرة لا تقتصر على المدى القصير فحسب. فقد كشفت دراسة طولية مهمة أجرتها جامعة كامبريدج البريطانية ونُشرت في مطلع عام 2024 أن ضحايا التنمر في مرحلة الطفولة والمراهقة يواجهون خطراً مضاعفاً للإصابة باضطرابات نفسية مزمنة في مرحلة الرشد. تتضمن هذه الاضطرابات صعوبات مستمرة في بناء العلاقات الاجتماعية الصحية وتدني مزمن في تقدير الذات ومشكلات في الثقة بالآخرين. على النقيض من ذلك، الأطفال الذين يحظون بدعم أسري قوي ومستمر وتدخل علاجي مبكر يتعافون بشكل أفضل بكثير ويتجاوزون التجربة بأقل الأضرار.
هذا وقد أكدت أبحاث حديثة صدرت في 2025 أن التدخل العلاجي النفسي المبكر يقلل الآثار طويلة المدى بنسبة تصل إلى 60%. لكن المشكلة الكبرى تكمن في أن كثيراً من الضحايا لا يتلقون أي دعم نفسي متخصص، إما لعدم إدراك الأهل لخطورة ما يمر به أطفالهم، أو لوصمة العار المرتبطة بطلب المساعدة النفسية في بعض المجتمعات.
من الناحية الجسدية، يعاني ضحايا التنمر من أعراض سيكوسوماتية (Psychosomatic) متنوعة تشمل الصداع المتكرر وآلام المعدة والغثيان، خاصة في الصباح قبل الذهاب للمدرسة. الجسد يُعبّر عما يعجز اللسان عن قوله. بعض الدراسات الحديثة ربطت بين التعرض للتنمر في الطفولة وارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم (Inflammation) وزيادة خطر الإصابة بأمراض مزمنة في مراحل لاحقة من الحياة.
الجدير بالذكر أن الأفكار الانتحارية (Suicidal Ideation) ومحاولات الانتحار الفعلية أعلى بشكل مقلق بين ضحايا التنمر. دراسة أمريكية شاملة نُشرت في 2023 وجدت أن ضحايا التنمر أكثر عرضة بثلاثة أضعاف للتفكير في الانتحار مقارنة بأقرانهم. هذه الإحصائية وحدها كافية لإدراك خطورة الظاهرة وضرورة التعامل معها بجدية قصوى.
أهم النقاط: آثار التنمر النفسية والجسدية تمتد لسنوات طويلة وتؤثر بعمق على جودة الحياة والصحة العامة، لكن الدعم الأسري والتدخل العلاجي المبكر يُحدثان فرقاً جوهرياً في مسار التعافي.
ما العلامات التحذيرية التي تدل على تعرض طفلك للتنمر؟
كثير من ضحايا التنمر يعانون في صمت مؤلم دون أن يُفصحوا لأحد عما يمرون به. قد يكون السبب الخوف من انتقام المتنمر، أو الخجل من الظهور بمظهر الضعيف، أو الاعتقاد بأن الكبار لن يساعدوهم. لذلك يقع على عاتق الأهل والمعلمين مسؤولية الملاحظة الدقيقة والتعرف على العلامات التحذيرية. فما هي أبرز هذه العلامات التي يجب الانتباه إليها؟
- تغيرات مفاجئة وغير مبررة في السلوك أو المزاج دون سبب واضح.
- تراجع ملحوظ ومستمر في الأداء الدراسي ورفض متكرر للذهاب إلى المدرسة.
- فقدان الممتلكات الشخصية أو عودتها تالفة ومدمرة بشكل متكرر.
- ظهور إصابات جسدية غير مبررة أو كدمات وخدوش يصعب تفسيرها.
- الانسحاب التدريجي من الأنشطة الاجتماعية والرياضية التي كان يستمتع بها سابقاً.
- اضطرابات واضحة في أنماط النوم أو الأكل أو ظهور كوابيس متكررة ومزعجة.
- الحديث السلبي والمتكرر عن الذات أو التعبير الدائم عن الشعور بالوحدة والعزلة.
- تغييرات في عادات استخدام الهاتف أو الإنترنت، كإخفاء الشاشة عند اقتراب الأهل.
- طلب مبالغ مالية إضافية دون تفسير واضح، مما قد يشير إلى الابتزاز.
- التحدث عن الموت أو إيذاء النفس، وهي علامة خطيرة تستوجب تدخلاً فورياً.
إن ملاحظة هذه العلامات التحذيرية تستدعي فتح حوار هادئ وداعم مع الطفل بعيداً عن الاتهام أو اللوم أو التقليل من مشاعره. كثير من الضحايا يخفون ما يتعرضون له خوفاً من ردة فعل الأهل أو خجلاً من الاعتراف بعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم. لذا يجب بناء مساحة آمنة وموثوقة للحوار المفتوح والصادق. انظر إلى طفلك بعين فاحصة ومتأنية؛ هل تغيرت عاداته اليومية مؤخراً بشكل ملحوظ؟ هل يتجنب الحديث عن يومه المدرسي أو يُجيب بعبارات مقتضبة؟ هل فقد شهيته أو أصبح ينام أكثر من المعتاد؟ هذه إشارات لا ينبغي تجاهلها أو التهوين من شأنها.
أهم النقاط: العلامات التحذيرية متعددة ومتنوعة، والملاحظة الدقيقة والمستمرة من الأهل تمثل خط الدفاع الأول والأهم. الحوار الهادئ والداعم هو المفتاح لكشف ما يحدث.
كيف نتعامل مع التنمر الإلكتروني في عصر الثورة الرقمية؟
يفرض الفضاء الرقمي المتسارع تحديات جديدة وغير مسبوقة لم تعرفها الأجيال السابقة في تاريخ البشرية. المتنمر الإلكتروني يختبئ خلف شاشة مجهولة الهوية، مما يمنحه جرأة إضافية وشعوراً بالحصانة من العواقب. كما أن المحتوى المسيء والمهين ينتشر بسرعة البرق عبر المنصات المختلفة ويصعب حذفه نهائياً حتى بعد سنوات. وإن كان التنمر التقليدي ينتهي عادةً عند بوابة المدرسة أو نهاية اليوم الدراسي، فإن النوع الإلكتروني يلاحق الضحية إلى غرفة نومها وفي كل لحظة من يومها.
تُشير تقارير منظمة اليونيسف الصادرة في عام 2025 إلى أن ما يقارب 70% من المراهقين حول العالم تعرضوا لشكل من أشكال المضايقات أو الإساءات الإلكترونية. هذه النسبة المرتفعة تكشف حجم الأزمة الحقيقية التي نواجهها في العصر الرقمي. برأيكم ماذا يمكن للأهل فعله لحماية أبنائهم دون تحويل حياتهم إلى سجن رقمي؟ الإجابة هي: المراقبة الذكية والمتوازنة دون انتهاك صارخ للخصوصية، وتعليم الأطفال منذ الصغر قواعد الأمان الرقمي والسلوك الأخلاقي على الإنترنت، وتشجيعهم على الإبلاغ الفوري والصريح عن أي إساءة يتعرضون لها أو يشهدونها.
ومما يدعو للتفاؤل أن معظم المنصات الرقمية الكبرى باتت توفر أدوات متطورة للإبلاغ عن المحتوى المسيء وحظر المتنمرين. وعليه فإن توعية الأطفال والمراهقين باستخدام هذه الأدوات بفعالية تُعَدُّ مهارة حياتية ضرورية في القرن الحادي والعشرين. بالإضافة إلى ذلك، يجب تعليمهم التفكير قبل النشر، وإدراك أن ما يُنشر على الإنترنت قد يبقى إلى الأبد حتى لو حُذف ظاهرياً.
من الإستراتيجيات الفعالة أيضاً تأخير منح الهواتف الذكية للأطفال قدر الإمكان، والبدء بأجهزة محدودة الإمكانيات. كما أن وضع الأجهزة في أماكن مشتركة في المنزل بدلاً من غرف النوم يتيح رقابة طبيعية غير تطفلية. الحوار المستمر حول تجاربهم الرقمية أهم من المراقبة السرية التي قد تدمر الثقة بين الطفل ووالديه.
أهم النقاط: التنمر الإلكتروني يتطلب مقاربة خاصة ومختلفة تجمع بين المراقبة الأبوية الذكية والمتوازنة والتوعية الرقمية المستمرة وبناء علاقة ثقة تشجع الطفل على الإفصاح.
ما الإستراتيجيات الفعالة لمواجهة التنمر في البيئة المدرسية؟
تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية كبرى وجوهرية في مكافحة ظاهرة التنمر والحد من انتشارها. البرامج الوقائية الفعالة والناجحة لا تكتفي بمعاقبة المتنمرين وطردهم؛ بل تعمل بشكل منهجي على تغيير ثقافة المدرسة بأكملها وتعزيز قيم الاحترام والتعاطف. من أبرز هذه البرامج العالمية برنامج أولويوس للوقاية من التنمر (Olweus Bullying Prevention Program) الذي طُوِّر في النرويج في ثمانينيات القرن الماضي وأثبت فعاليته الكبيرة في عشرات الدول حول العالم.
- تدريب جميع المعلمين والإداريين على رصد السلوكيات العدوانية مبكراً والتدخل الفوري والحازم عند حدوثها.
- إنشاء قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن الحوادث تحمي هوية الضحايا والشهود من أي انتقام محتمل.
- دمج مهارات الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence) والتعاطف وحل النزاعات سلمياً في المناهج الدراسية.
- تفعيل دور الشهود (Bystanders) وتدريبهم وتشجيعهم على الدفاع عن الضحايا والإبلاغ عن الحوادث.
- عقد جلسات توعية دورية ومنتظمة للطلاب وأولياء الأمور حول مخاطر التنمر وطرق التعامل معه.
- تطبيق مبادئ العدالة التصالحية (Restorative Justice) التي تركز على إصلاح الضرر بدلاً من العقوبات التقليدية الصارمة.
لقد أظهرت دراسة موسعة نُشرت في مجلة School Psychology Review المرموقة عام 2024 أن المدارس التي تطبق هذه الإستراتيجيات بشكل متكامل ومستمر شهدت انخفاضاً ملموساً بنسبة 35% في حالات التنمر المُبلَّغ عنها. بينما المدارس التي اكتفت بالعقوبات الصارمة دون برامج وقائية شاملة لم تحقق نتائج مماثلة، بل أحياناً شهدت تفاقماً في المشكلة. السر الحقيقي يكمن في خلق ثقافة احترام شاملة ومتجذرة لا مجرد سياسات عقابية ردعية.
من التجارب الناجحة عربياً، أطلقت وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات في 2023 برنامجاً وطنياً لمكافحة التنمر يتضمن تدريب المرشدين الاجتماعيين وإنشاء خطوط ساخنة للإبلاغ. وكذلك شهدت المملكة العربية السعودية حملات توعوية مكثفة ضمن رؤية 2030 لتعزيز القيم الإيجابية في المدارس.
أهم النقاط: الوقاية الفعالة من التنمر تتطلب نهجاً شاملاً ومتكاملاً يشمل المعلمين والطلاب والأهالي، مع التركيز الأساسي على تغيير الثقافة المدرسية لا مجرد فرض العقوبات.
كيف يمكن للأسرة حماية أبنائها ودعمهم بفعالية؟
تمثل الأسرة خط الدفاع الأول والأهم ضد الآثار المدمرة للتنمر على الأطفال والمراهقين. الحوار المفتوح والمستمر والصادق مع الأبناء يخلق مساحة آمنة وموثوقة للإفصاح عما يمرون به. ينبغي للوالدين تجنب ردود الفعل المبالغ فيها أو الانفعالية عند سماع أخبار مزعجة عن تعرض طفلهم للأذى؛ إذ قد يدفع ذلك الطفل للصمت والإخفاء مستقبلاً خوفاً من تضخيم المشكلة. من جهة ثانية، تعليم الأطفال منذ الصغر مهارات الحزم والتوكيد (Assertiveness) يمنحهم أدوات عملية للدفاع عن أنفسهم بطرق سليمة.
فما هي الخطوات العملية المحددة التي يمكن للأهل اتخاذها عند اكتشاف تعرض طفلهم للتنمر؟ أولاً، استمع لطفلك باهتمام كامل دون مقاطعة أو إصدار أحكام مسبقة أو تقليل من مشاعره. ثانياً، وثّق جميع الحوادث بالتفاصيل الدقيقة والتواريخ والأسماء إن أمكن. ثالثاً، تواصل مع إدارة المدرسة بشكل رسمي ومكتوب واحتفظ بنسخ من جميع المراسلات. رابعاً، استعن بمختص نفسي إذا لاحظت آثاراً عميقة على صحة طفلك النفسية أو سلوكه. خامساً، ساعد طفلك على بناء صداقات جديدة وتوسيع دائرته الاجتماعية خارج نطاق المدرسة.
وكذلك لا تشجع طفلك أبداً على الانتقام أو الرد بالعنف؛ فهذا يعقّد الموقف بشكل كبير وقد يحوله إلى متنمر بدوره أو يعرضه لعقوبات مدرسية. علّمه بدلاً من ذلك تقنيات التجاهل الذكي والابتعاد عن المواقف الخطرة والإبلاغ للكبار الموثوقين. الجدير بالذكر أن دعم الأقارب والأصدقاء المقربين يسرّع عملية التعافي النفسي بشكل ملحوظ ويمنح الطفل شعوراً بأنه ليس وحيداً.
من الأخطاء الشائعة التي يرتكبها بعض الأهل إلقاء اللوم على الضحية بعبارات مثل “لماذا لم تدافع عن نفسك؟” أو “لابد أنك فعلت شيئاً استفزهم”. هذه العبارات مدمرة وتعمّق شعور الطفل بالذنب والعار. بدلاً من ذلك، أكد له أن ما حدث ليس خطأه وأنك إلى جانبه مهما كانت الظروف.
أهم النقاط: دور الأسرة محوري وحاسم في الوقاية من التنمر وعلاج آثاره، والحوار الهادئ الداعم والتوثيق المنهجي والتواصل الرسمي مع المدرسة خطوات أساسية لا غنى عنها.
ما الذي يحدث للمتنمر نفسه على المدى البعيد؟
غالباً ما يُركَّز النقاش على الضحايا وآلامهم، لكن من المهم أيضاً فهم ما يحدث للمتنمرين أنفسهم. الدراسات الطولية تكشف أن المتنمرين في مرحلة الطفولة والمراهقة يواجهون مخاطر مرتفعة في حياتهم اللاحقة. تشمل هذه المخاطر معدلات أعلى من السلوك الإجرامي وتعاطي المخدرات والكحول وصعوبات في الحفاظ على علاقات مستقرة والبطالة.
دراسة فنلندية مهمة تتبعت مجموعة من الأطفال لعقود وجدت أن المتنمرين في سن الثامنة كانوا أكثر عرضة بأربعة أضعاف لارتكاب جرائم عند بلوغهم سن الرشد. هذا لا يعني أن كل متنمر سيصبح مجرماً، لكنه يؤكد أن السلوك العدواني في الطفولة إذا لم يُعالَج قد يتطور لمشكلات أخطر. بالمقابل، المتنمرون الذين تلقوا تدخلات علاجية وتعلموا مهارات اجتماعية بديلة أظهروا تحسناً ملموساً.
الفئة الأكثر عرضة للخطر هي ما يُسمى “المتنمر-الضحية” (Bully-Victim)، وهم أفراد يمارسون التنمر على آخرين بينما هم أنفسهم ضحايا لتنمر من أشخاص آخرين. هذه الفئة تعاني من أعلى معدلات المشكلات النفسية والسلوكية وتحتاج لتدخل متخصص ومكثف.
أهم النقاط: المتنمرون أنفسهم يواجهون عواقب طويلة المدى، والتدخل المبكر معهم ضروري ليس فقط لحماية الضحايا بل لإنقاذهم هم أيضاً من مسار خطير.
ما دور الشهود في ديناميكيات التنمر؟
الشهود أو المتفرجون (Bystanders) يلعبون دوراً محورياً غالباً ما يُغفَل في معادلة التنمر. في معظم حوادث التنمر، يكون هناك شهود يراقبون ما يحدث. سلوك هؤلاء الشهود يمكن أن يُصعّد الموقف أو يوقفه. الأبحاث تُظهر أنه عندما يتدخل شاهد واحد فقط لصالح الضحية، تتوقف حادثة التنمر في أكثر من نصف الحالات خلال ثوانٍ.
لماذا لا يتدخل معظم الشهود رغم شعورهم بالانزعاج مما يرونه؟ الأسباب متعددة: الخوف من أن يصبحوا الهدف التالي، عدم معرفة كيفية التدخل، الاعتقاد بأن شخصاً آخر سيتدخل (ما يُسمى بتأثير المتفرج Bystander Effect)، أو حتى الخوف من الظهور بمظهر “الواشي”. بالإضافة إلى ذلك، بعض الشهود قد يضحكون أو يشجعون المتنمر، مما يعزز سلوكه ويزيد من معاناة الضحية.
برامج تفعيل الشهود (Bystander Intervention Programs) تُدرّب الطلاب على طرق آمنة للتدخل. يمكن للشاهد أن يصرف انتباه المتنمر بسؤال عشوائي، أو يصطحب الضحية بعيداً بحجة ما، أو يُبلغ شخصاً بالغاً بشكل سري، أو ببساطة يرفض الضحك أو المشاركة في الإذلال. هذه الإستراتيجيات البسيطة يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً.
أهم النقاط: الشهود قوة مؤثرة يمكن توظيفها لمكافحة التنمر. تدريبهم على التدخل الآمن إستراتيجية فعالة ومثبتة علمياً.
كيف يختلف التنمر بين الذكور والإناث؟
تُظهر الأبحاث أنماطاً مختلفة للتنمر وفقاً للجنس، رغم أن كلا الجنسين يمارسه ويتعرض له. الذكور يميلون أكثر للتنمر الجسدي المباشر والتهديدات اللفظية الصريحة. العدوان لديهم غالباً أكثر وضوحاً وقابلية للرصد من قبل المعلمين والمراقبين.
على النقيض من ذلك، تميل الإناث أكثر للتنمر العلاقاتي والاجتماعي: نشر الشائعات، العزل الاجتماعي، التلاعب بالصداقات، والإقصاء من المجموعات. هذا النوع أكثر خفاءً وصعوبة في الاكتشاف، لكنه قد يكون مؤلماً بنفس القدر أو أكثر. الفتيات ضحايا التنمر العلاقاتي يعانين من معدلات اكتئاب وقلق مرتفعة.
في الفضاء الرقمي، تتقلص هذه الفروقات نسبياً. كلا الجنسين يمارس التنمر الإلكتروني بمعدلات متقاربة، وإن اختلفت الأساليب. الإناث أكثر ميلاً لنشر الشائعات والصور المحرجة، بينما الذكور أكثر ميلاً للتهديدات المباشرة والتعليقات العدوانية.
فهم هذه الفروقات مهم لتصميم برامج وقائية فعالة تراعي خصوصية كل جنس. برنامج يركز فقط على التنمر الجسدي قد يُغفل معاناة كثير من الفتيات ضحايا التنمر العلاقاتي.
أهم النقاط: أنماط التنمر تختلف بين الجنسين، والبرامج الوقائية الفعالة يجب أن تعالج جميع الأنواع بما فيها الأشكال الخفية والعلاقاتية.
ما دور التشريعات والسياسات الحكومية في مكافحة التنمر؟
شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملموساً ومتسارعاً في التشريعات المناهضة للتنمر على المستوى العالمي. في المنطقة العربية، أصدرت عدة دول قوانين صريحة تجرّم التنمر وخاصة التنمر الإلكتروني. دولة الإمارات العربية المتحدة مثلاً أقرت في عام 2023 تعديلات مهمة على قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية تتضمن عقوبات مشددة على المتنمرين الإلكترونيين قد تصل للسجن والغرامات الكبيرة. بالمقابل، لا تزال بعض الدول العربية الأخرى تفتقر لإطار قانوني واضح ومحدد للتعامل مع هذه الظاهرة.
على المستوى المدرسي، باتت سياسات عدم التسامح المطلق (Zero Tolerance Policies) شائعة في كثير من الدول لكنها تظل مثيرة للجدل بين المختصين. يرى منتقدوها أنها تغفل السياق والظروف المحيطة بكل حالة وتعامل جميع الحالات بنفس الشدة والصرامة دون تمييز. وإن كانت هذه السياسات ترسل رسالة واضحة وقوية بعدم قبول التنمر، فإنها قد تحرم الطلاب المخطئين من فرص حقيقية للتعلم والإصلاح والتغيير. وعليه فإن الاتجاه الحديث في السياسات التربوية يميل بشكل متزايد نحو العدالة التصالحية (Restorative Justice) التي تركز على إصلاح الضرر الذي وقع وإعادة بناء العلاقات لا مجرد إيقاع العقاب.
فقد أثبتت تجارب رائدة في دول مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا أن هذا النهج التصالحي يقلل معدلات تكرار التنمر بنسبة تتراوح بين 20 و25%، وهي نتائج تفوق ما تحققه العقوبات التقليدية. في نموذج العدالة التصالحية، يُجمع المتنمر والضحية (إذا وافقت) في جلسة مُيسَّرة يُعبّر فيها كل طرف عن مشاعره، ويفهم المتنمر أثر أفعاله، ويُتفق على خطوات لإصلاح الضرر.
في السياق العربي، أطلقت المملكة العربية السعودية في 2024 حملة وطنية شاملة لمكافحة التنمر في المدارس ضمن برامج جودة الحياة. كما أن الأردن أصدر تعميمات وزارية تُلزم المدارس بوضع سياسات واضحة وتدريب الكوادر. لكن التحدي الأكبر يظل في التطبيق الفعلي على أرض الواقع وليس مجرد النصوص والتعميمات.
أهم النقاط: التشريعات والسياسات ضرورية لكنها غير كافية وحدها لمكافحة التنمر، والمقاربات التصالحية الحديثة تُظهر نتائج واعدة ومستمرة أكثر من العقوبات الصارمة التقليدية.
كيف يمكننا بناء مجتمع خالٍ من التنمر؟
مواجهة ظاهرة التنمر بشكل فعال تتجاوز الجهود الفردية المتفرقة إلى مسؤولية جماعية شاملة تتضافر فيها جميع مكونات المجتمع. الإعلام بمختلف وسائله يلعب دوراً مهماً وحيوياً في التوعية العامة وتغيير المفاهيم الخاطئة المتجذرة. كثير من الناس في مجتمعاتنا لا يزالون يعتقدون خطأً أن التنمر “جزء طبيعي وصحي من عملية النمو” أو أنه “يُقوّي شخصية الطفل ويُعدّه للحياة القاسية”. هذه المفاهيم المغلوطة والضارة تحتاج لمواجهة مستمرة وحملات توعوية ممنهجة. بالإضافة إلى ذلك، تقع على عاتق المؤثرين والمشاهير ونجوم وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية كبرى في استخدام منصاتهم الواسعة لنشر ثقافة الاحترام والتسامح.
يذكرني هذا بمبادرة “كن لطيفاً” الرائعة التي أطلقتها عدة مؤسسات عربية في عام 2024 وحققت انتشاراً واسعاً وتفاعلاً إيجابياً كبيراً عبر منصات التواصل الاجتماعي. شارك فيها مئات الآلاف من الشباب والمراهقين الذين التزموا بنشر الإيجابية ورفض الإساءة. إن بناء ثقافة التعاطف والاحترام المتبادل يبدأ من المنزل ومن المدرسة ويمتد تدريجياً للمجتمع الأوسع والفضاء الرقمي.
كل شاهد يتحلى بالشجاعة ويتدخل لوقف اعتداء يُحدث فرقاً حقيقياً في حياة إنسان آخر. كل معلم يقظ يلاحظ طفلاً معزولاً ومنبوذاً ويتقرب منه بحنان يغيّر مساراً قد يكون مأساوياً. وكل أب أو أم يستمع لطفله بإنصات حقيقي وتعاطف صادق يزرع بذور الثقة والأمان. التغيير الحقيقي والمستمر في المجتمعات تراكمي ويحتاج صبراً ومثابرة، لكنه ممكن ومتحقق إذا عملنا جميعاً معاً.
من المبادرات العالمية الملهمة، يُحتفل سنوياً باليوم الدولي لمكافحة العنف والتنمر في المدارس الذي أقرته اليونسكو. هذا اليوم يوفر فرصة للمدارس والمجتمعات لتسليط الضوء على القضية وتنظيم فعاليات توعوية. في 2025، شاركت أكثر من 100 دولة في هذا اليوم بفعاليات متنوعة شملت ورش عمل ومحاضرات ومسابقات فنية.
أهم النقاط: مكافحة التنمر بشكل فعال مسؤولية جماعية شاملة تتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والإعلام والتشريعات والمجتمع المدني، والمبادرات الإيجابية تُحدث فرقاً ملموساً.
ما مستقبل مكافحة التنمر في ضوء التطورات التقنية؟
تفتح التقنيات الحديثة آفاقاً جديدة لمكافحة التنمر، كما تخلق تحديات غير مسبوقة. الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) بات يُستخدم في بعض المنصات لرصد المحتوى المسيء تلقائياً قبل انتشاره. خوارزميات متطورة تحلل اللغة والصور لاكتشاف علامات التنمر والتدخل المبكر. لكن هذه الأنظمة ليست مثالية وقد تخطئ في التمييز بين السخرية الودية والإساءة الحقيقية.
تطبيقات الهاتف الذكي للإبلاغ عن التنمر انتشرت في مدارس كثيرة حول العالم. هذه التطبيقات تتيح للطلاب الإبلاغ بشكل مجهول وسري، مما يتغلب على حاجز الخوف. بعضها يتضمن موارد للدعم النفسي الفوري وخطوط مساعدة. دراسات أولية من 2024-2025 تُظهر أن المدارس التي اعتمدت هذه التطبيقات شهدت زيادة في معدلات الإبلاغ وانخفاضاً لاحقاً في الحوادث.
التحدي المستقبلي الأكبر قد يكون في عوالم الميتافيرس (Metaverse) والواقع الافتراضي (Virtual Reality) التي بدأت تنتشر. في هذه البيئات الافتراضية، يمكن للتنمر أن يتخذ أشكالاً جديدة تماماً. الباحثون بدأوا يدرسون ظاهرة “التنمر في الواقع الافتراضي” وآثارها النفسية، وهي منطقة بحثية ناشئة تحتاج مزيداً من الاهتمام.
أهم النقاط: التقنية سلاح ذو حدين في مواجهة التنمر؛ تُوفر أدوات جديدة للرصد والإبلاغ، لكنها تخلق أيضاً ساحات جديدة للإساءة تتطلب يقظة مستمرة.
الخاتمة
لقد استعرضنا في هذه المقالة ظاهرة التنمر من جوانبها المتعددة: تعريفها وأنواعها وأسبابها وآثارها وطرق مواجهتها. تبقى الحقيقة الجوهرية أن كل طفل يستحق بيئة آمنة للنمو والتعلم. التصدي لهذه الظاهرة ليس خياراً بل ضرورة أخلاقية وإنسانية. ومع تطور أدوات الرصد والتدخل، بات التفاؤل بمستقبل أفضل مشروعاً.
فهل نحن مستعدون لأن نكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة؟
إن كنت والداً أو معلماً أو حتى طالباً شاهد حالة تنمر، فلا تتردد في التحرك الآن. شارك هذه المقالة مع من تعرف، وابدأ حواراً مفتوحاً مع أطفالك اليوم. التغيير يبدأ بخطوة، وخطوتك قد تنقذ حياة. تواصل مع إدارة مدرستك لمعرفة سياساتها، واطلب من المعلمين تفعيل برامج التوعية. معاً نستطيع بناء مجتمعات أكثر أماناً واحتراماً.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين التنمر والمزاح الثقيل، وكيف نميز بينهما؟
المزاح الثقيل يحدث بين أطراف متكافئة القوة ويتوقف فوراً عند انزعاج أحدهم، بينما التنمر يتضمن قصداً للإيذاء وتكراراً واختلالاً في موازين القوة ويستمر رغم اعتراض الضحية.
هل يمكن أن يكون الطفل متنمراً وضحية في آن واحد؟
نعم، هذه الفئة تُسمى “المتنمر-الضحية” وتمثل نحو 6% من الحالات، وهي الأكثر عرضة للمشكلات النفسية لأنها تعاني من ضغط مزدوج يتطلب تدخلاً متخصصاً ومكثفاً.
ما السن الأكثر عرضة للتنمر؟
تبلغ معدلات التنمر ذروتها في المرحلة الانتقالية بين التعليم الابتدائي والمتوسط، أي بين سن 11 و14 عاماً، مع تحول تدريجي نحو الأشكال الإلكترونية والاجتماعية في المراهقة المتأخرة.
هل التنمر ظاهرة حديثة أم قديمة؟
التنمر سلوك بشري قديم موجود عبر التاريخ، لكن الدراسة العلمية المنهجية له بدأت في السبعينيات، والتقنية الحديثة أضافت أبعاداً جديدة وخطيرة غير مسبوقة.
متى يجب اللجوء للشرطة أو الجهات القانونية في حالات التنمر؟
عند وجود تهديد جسدي حقيقي، أو ابتزاز مالي، أو نشر صور خاصة، أو استمرار الإيذاء رغم تدخل المدرسة، أو ظهور أفكار انتحارية لدى الضحية.
المراجع
American Psychological Association. (2023). Bullying: What we know and what we can do. APA Publishing.
https://doi.org/10.1037/0000325-000
— يقدم إطاراً نفسياً شاملاً لفهم ديناميكيات التنمر وآثاره.
Olweus, D., & Limber, S. P. (2024). The Olweus Bullying Prevention Program: Design and implementation issues (3rd ed.). Guilford Press.
— مرجع أساسي لأحد أكثر برامج الوقاية فعالية عالمياً.
Smith, P. K., & Steffgen, G. (2023). Cyberbullying through the new media: Findings from an international network. Journal of Adolescent Health, 72(4), 512–524.
https://doi.org/10.1016/j.jadohealth.2022.12.015
— يوثق الارتفاع الحاد في التنمر الإلكتروني بعد الجائحة.
World Health Organization. (2024). Global status report on preventing violence against children. WHO Press.
https://www.who.int/publications/i/item/9789240085039
— تقرير رسمي يوفر إحصائيات عالمية محدثة.
Zych, I., Farrington, D. P., & Ttofi, M. M. (2024). Protective factors against bullying and cyberbullying: A meta-analytic review. Aggression and Violent Behavior, 75, 101–115.
https://doi.org/10.1016/j.avb.2024.101892
— مراجعة تحليلية تستعرض عوامل الحماية الفعالة.
Espelage, D. L. (2025). Bullying in schools: What we have learned and where we go from here. In T. R. Jimerson (Ed.), Handbook of school psychology (pp. 287–310). Cambridge University Press.
https://doi.org/10.1017/9781009258463.015
— فصل كتاب يلخص أحدث التوجهات البحثية والتطبيقية.
قسم المصداقية
المصادر التي جرت مراجعتها: اعتمدت هذه المقالة على منشورات أكاديمية محكّمة وتقارير منظمات دولية معتمدة، بما فيها منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية لعلم النفس.
إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذه المقالة لأغراض تثقيفية عامة ولا تُغني عن استشارة المختصين في الحالات الفردية.
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.




