جغرافيا طبيعية

سهل الغاب: دراسة في الجغرافيا التاريخية والاقتصاد الزراعي والسياسات التنموية

مقدمة

يمثّل سهل الغاب أحد أبرز الأقاليم الزراعية في وسط سورية، نظراً لخصوبته العالية، وشبكاته المائية المحورية، وبنيته الاجتماعية التي توارثت الزراعة عبر الأجيال. يقع هذا الحوض النهري في قلب محافظة حماة، بمحاذاة كتل جبلية مؤثرة، ويظهر كمنظومة مكانية متكاملة تُمكّن من تحليل تفاعلات الطبيعة والمجتمع والاقتصاد ضمن سياق متغيّر. وتؤكد الصلة الوثيقة بين الموارد المائية والسياسات العامة والتقنيات الزراعية أن دراسة هذا الإقليم تشكّل مدخلاً نقدياً لتقدير أثر إدارة المياه والاستثمار في البنية التحتية على مسارات التنمية المحلية وكرامة عيش الفلاحين.

إن سهل الغاب، باعتباره فضاءً جغرافياً مفتوحاً على السفوح الغربية وممرات الشمال السوري، يزاوج بين خصائص التربة الغرينية، ومناخ متباين الفصول، ونظم ريّ تاريخية متصلة بنهر العاصي، ويرتبط بذاكرة اجتماعية واقتصادية متجذّرة. وقد أفضت هذه المنظومة إلى إنتاج محاصيل استراتيجية كبرى، ونمو تجمعات ريفية ذات تماسك عشائري، والاندماج التدريجي للإقليم في شبكات تسويق أوسع تصل الساحل بالداخل.

التحديات الراهنة التي يواجهها القطاع الزراعي في هذا الإقليم لا يمكن فهمها بمعزل عن هذه البنية المركبة: بدءاً من هندسة الري والصرف التي غيّرت ملامح المكان في منتصف القرن العشرين، مروراً بصدمات انهيار البنى التحتية المائية، وتعقيدات توزيع المدخلات الزراعية، والتقلبات السعرية، ووصولاً إلى تأثير الحروب والأزمات على سلاسة الإنتاج. وبناءً على ذلك، تقدّم هذه المقالة قراءة تحليلية شاملة لسياقات المكان والإنسان والاقتصاد، وتقترح إجراءات عملية لإعادة بناء دورة إنتاج مستدامة تنصف المنتجين وتعيد الاعتبار إلى المكان بوصفه رافعةً للأمن الغذائي المحلي والوطني.

الموقع والجغرافيا الطبيعية

يقع سهل الغاب ضمن محافظة حماة في المنطقة الوسطى من سورية، محصوراً بين جبال اللاذقية غرباً، وجبل الزاوية شرقاً، وجسر الشغور شمالاً، ومصياف جنوباً؛ وهو تموضع يكوّن حوضاً طبيعياً يعبره نهر العاصي وتغذّيه مياه أمطار الجبال الغربية. يتسم المشهد الطبوغرافي باستواء نسبي يتخلله انحدار طفيف باتجاه مجرى النهر، وهو ما أسّس تاريخياً لمشكلة ركود مائي في مواسم الأمطار قبل إنجاز أعمال الصرف الواسعة في منتصف القرن الماضي.

يمتد سهل الغاب قرابة 80 كيلومتراً طولاً، ويتراوح عرضه بين 10 و15 كيلومتراً، وهي سمة امتداد طولي تفضي إلى تباينات محلية دقيقة في الرطوبة والتربة وإمكانات الري بين الشمال والجنوب، وبين المناطق القريبة من المصارف المائية والبعيدة عنها. وتقوم تربته على رواسب نهرية قديمة وحديثة، تشمل تربة غرينية ملائمة للمحاصيل الحقلية والصناعية، مع حساسية للتملّح في المواقع التي عانت ركوداً مائياً أو صرفاً غير مكتمل.

يجتاز نهر العاصي سهل الغاب بوصفه عنصر الهيكلة الرئيس للإقليم؛ غير أن الانحدار الطفيف للنهر في منطقة العشارنة (بحدود 0.10%) حدّ تاريخياً من قدرته على ريّ المساحات المجاورة عبر الانسياب الطبيعي، ما استدعى حلولاً هندسية لإنشاء قنوات تنقل المياه إلى الأحواض الزراعية بتدرجات محسوبة. وقد جعلت هذه الخاصية الهيدرولوجية إدارة المياه قضية محورية في مجمل تاريخ التنمية الزراعية في المنطقة.

كان جزء من سهل الغاب قبل أعمال التجفيف مستنقعاً واسعاً، ما أدى إلى انتشار مياه راكدة شتاءً وإلى صعوبة الاستغلال الزراعي لفترات طويلة من العام. وبعد تنفيذ التجفيف وتهيئة المصارف، تبدّل النظام البيئي الإقليمي نحو حقل زراعي أكثر استقراراً نسبياً، مع استمرار التحديات الناجمة عن تذبذب الأمطار ومخاطر الغمر أو الجفاف في بعض المواسم. ولا يزال اختيار المحاصيل وبنية الدورة الزراعية ودرجة الاعتماد على الري السطحي أو التكميلي مرتهناً بتقلبات هذه المنظومة المائية.

تُعد تربة سهل الغاب من الأخصب على المستوى الوطني، وهو ما انعكس في تبنّي محاصيل استراتيجية تحتاج إلى توافق مناخي ومائي وتربوي مثل القطن والشوندر السكري ودوّار الشمس والقمح، إلى جانب طيف واسع من الخضراوات ذات الجودة العالية. وبحكم موقعه بين الأطر الجبلية والسهل، يتمتع الإقليم بميزات نسبية لمزارع الأسماك وتربية الأبقار، ولا سيّما مع وفرة المياه السطحية تاريخياً في مواسم محددة.

التاريخ والدلالات الحضارية

ورد ذكر سهل الغاب في مصادر تاريخية عديدة، وارتبط بممرات عبور وبجغرافيا معارك تعود إلى فترات ما قبل الميلاد، ما يدل على حساسية الموقع في ربط الداخل بالساحل. وتقوم على أطرافه معالم وقلاع تاريخية توضح أهمية السيطرة على هذه البقعة لتحقيق تفوق عسكري واقتصادي، من بينها قلعة أفاميا التي تشرف على محور حركة حيوي، إلى جانب قلعة سمعان بوصفها معلماً حضارياً ضمن المجال الأوسع للشمال السوري.

تقع على أطراف سهل الغاب تحصينات وقلاع مثل قلعة المضيق قرب أفاميا، بما يبرز التداخل بين التاريخ العسكري والإدارة الإقليمية للموارد، إذ إن السيطرة على الممرات والحواجز الطبيعية كانت شرطاً لحماية خطوط النقل والتزويد. كما شكّلت المناطق المحيطة مراكز للاستيطان الزراعي والصناعات المرتبطة بالمحاصيل، وتقاطعت فيها مسارات الرعاة والمزارعين والتجّار، ما عزز دينامية بشرية اقتصادية استمرت بأشكال متفاوتة حتى الأزمنة الحديثة.

وشهد سهل الغاب معارك وتحركات عشائرية وتحولات سكانية تؤكد أن وفرة الماء والغذاء تولّد توترات حول الوصول إلى الموارد، وهو ما أسبغ على نظم الإدارة المحلية والجهوية دوراً مباشراً في تنظيم النشاطين الزراعي والرعوي. وقد تركت هذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية أثراً مستمراً في تشكيل البنية الاجتماعية الحالية وفي توزيع السكن والملكية وحركة اليد العاملة.

مشروع الغاب: نشأة وبنية وتحوّلات

بدأ مشروع استصلاح سهل الغاب عام 1953 بوصفه واحداً من أكبر المشاريع المائية في شمال سورية، مستهدفاً صرف المستنقعات وتحديث شبكات الري والصرف، ما أتاح تحويل المساحات التي كانت تغمرها المياه شتاءً إلى أراضٍ قابلة للاستثمار الزراعي طوال الموسم. واكتمل صرف معظم الحوض نحو عام 1968، موفّراً أراضي صالحة للزراعة لآلاف العائلات، ومرسخاً نمط استقرار ريفي يقوم على ملكيات صغيرة إلى متوسطة ودورة إنتاج موسعة.

أتاح مشروع سهل الغاب الانتقال بالمنظومة البيئية من ركود مائي إلى تدفقات منظّمة عبر شبكة قنوات رئيسية وفرعية، إلى جانب مصارف مائية تحمي التربة من التملّح والتغدّق. وشُيّدت بنى تحتية رئيسة، منها سد محردة الذي أنجز عام 1961 بارتفاع يقارب 40 متراً وطول 200 متر وسعة تخزينية بنحو 65 مليون متر مكعب، وسد زيزون الذي اكتمل عام 1996 بارتفاع يقارب 32 متراً وسعة قصوى تقارب 71 مليون متر مكعب، إلى جانب قناطر وشبكات توزيع في مواقع مثل القرقور وزيزون ومناطق أخرى.

تضمنت أنظمة الري في سهل الغاب قنوات رئيسية أشير إليها اصطلاحاً بقنوات ج1 وج2 وج3 في مراحل معينة، وقد شكّلت العمود الفقري لجرّ المياه وإعادة توزيعها. وأتاحت هذه الشبكات إدخال زراعات تكثيفية بعد المحاصيل الشتوية، وتحقيق أكثر من موسم سنوياً في بعض القطع، ما رفع القيمة المضافة للدونم وأسهم في تلبية الطلب الوطني على محاصيل صناعية وغذائية.

وبفضل المشروع تراجعت الملاريا في سهل الغاب نتيجة تجفيف المياه الراكدة وتحسين الصرف، كما تحسنت الحركة عبر إنشاء طرق وخطوط مواصلات كان تعذّر مدّها سابقاً بسبب المستنقعات. ولم تقتصر هذه التحسينات على الجانب التقني، بل امتدت إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، إذ فتحت أسواقاً جديدة وقلّصت المسافات بين المزارع ومراكز التحويل والتصنيع والتسويق.

وأدّى انهيار سد زيزون في يونيو/حزيران 2002 إلى آثار جسيمة على سهل الغاب ومحيطه؛ إذ تسببت الفجوة في الميول وانفلات المياه في فيضانات واسعة أفضت إلى خسائر بشرية ومادية، وتهجير للسكان، وغمر مساحات زراعية كبيرة. وقد أعاد الحدث إبراز كلفة الإهمال في صيانة البنى المائية الكبرى، وكشف هشاشة المنظومة بمجرد تعطل نقطة حرجة فيها، كما أكد أهمية مصفوفة أمن مائي متكاملة تشمل التصميم والصيانة والرصد والتأمين.

الارتباطات المكانية والاقتصادية مع الساحل

خلال ثمانينيات القرن الماضي، جرى وصل سهل الغاب بالساحل السوري عبر طريق واسع يمر ببيت ياشوط، وهو اختراق مكاني أعاد تشكيل خرائط التسويق وحركة السلع والعمالة اليومية. وقد سهّل هذا الربط تدفق المنتجات الزراعية إلى بلدات وقرى منطقة جبلة، ووفّر منظومة نقل أكثر كفاءة خفضت تكاليف الوصول إلى الأسواق ورفعت قدرة المنتج على الاستفادة من فروقات الأسعار.

وانعكس الطريق على أسواق سهل الغاب بتحويل بعض بلداته وقراه إلى عقد للتبادل والتخزين، كما حافظ الإقليم على دوره في تجارة الدخان البلدي عالي الجودة الذي يُسوق من بيت ياشوط وقراها إلى بقية المناطق. ولم تكن هذه الشبكة مجرد مسار لشاحنات، بل عقدة علاقات اقتصادية واجتماعية ساعدت المنتجين الصغار على إيجاد منافذ أكثر استقراراً لتصريف محاصيلهم.

السكان والبنية الاجتماعية

بلغ عدد سكان سهل الغاب نحو 325 ألف نسمة في عام 2010، وتشكل الزراعة مصدر الرزق الرئيس لغالبية الأسر. وتتجاور في الإقليم عشائر عربية عريقة مثل الدمالخة والنعيم والولدة وبني خزاعة والويس والجيس والفريجاوية وبني خالد وبني سعيد وغيرها، وتنتظم هذه البنية في أنماط سكن ريفية وقروية مترابطة عبر المصاهرة والعمل المشترك خلال مواسم الزراعة والحصاد.

وتسود في سهل الغاب بنية عشائرية تداخلت تاريخياً مع نمط تعاونيات محلية وشبكات عائلية غير رسمية تؤمّن تبادل الخبرات والأدوات واليد العاملة في المواسم، ما يولّد مرونة اجتماعية تساعد على امتصاص الصدمات إلى حد معين، مع بقاء الحاجة ملحّة إلى أطر مؤسسية عادلة للتسعير والتأمين الزراعي وتوزيع المدخلات.

التقسيمات الإدارية ومراكز العمران

تتوزع في سهل الغاب مدن وبلدات وقرى ومزارع تتبع إدارياً لمحافظتي حماة وإدلب تبعاً للموقع، وتشمل مراكز مثل السقيلبية وسلحب على الأطراف، كما تنتشر قرى ذات حضور اقتصادي وزراعي مثل: قلعة المضيق، كفر نبودة، العشارنة، حورات عمورين، الحواش، الحويز، المشيك، زيزون، القرقور، المنصورة، القاهرة، التمانعة، الكريم، الرصيف، الصحن، دوير الأكراد، الحويجة، الصفا (تل زجرم)، قليدين، الزقوم، قسطون، تل واسط، خربة الناقوس، الشريعة، العمقية، العنكاوي، الدقماق، عين الطاقة، التوينة، الزيارة، الجيد، عين الكروم، عناب، مرداش، الحيدرية، ناعور شطحة، نبل الخطيب، الفريكة، جورين، ناعور جورين، العزيزية وغيرها.

وتُعد الحميدية بوابة جبل الزاوية المؤدية إلى سهل الغاب، إذ تمثل عقدة وصل طبيعية بين الحوض المنخفض والكتل الجبلية الشرقية، ما جعلها تاريخياً موقع عبور وتبادل سكاني واقتصادي. ويطرح هذا التوزيع المكاني المعقد للقرى رؤية تخطيطية تراعي أثر الريف المتناثر والشبكات الطرقية الثانوية على كفاءة الخدمات الزراعية واللوجستية.

الاقتصاد الزراعي وأنماط الإنتاج

يُعد سهل الغاب من أغنى الأقاليم السورية بالموارد الزراعية، وقد تعاظم دوره في تأمين محاصيل استراتيجية للاستهلاك المحلي وللصناعات التحويلية. تتصدر هذه المحاصيل القطن والشوندر السكري ودوّار الشمس والقمح، إضافة إلى التبغ، وهي محاصيل تحتاج إلى تخطيط موسمي دقيق وتوفر مدخلات أساسية مثل البذار والأسمدة والري واليد العاملة وفق مواقيت حصاد ومعالجة محددة.

وتنتشر في سهل الغاب زراعات الخضراوات بمختلف أنواعها مع سمعة جودة عالية تعود إلى خصوبة التربة وتوافر المياه وتقاليد الزراعة المتوارثة. وتشمل ذلك البندورة والخيار والباذنجان والفليفلة والبطاطا وغيرها، وتُسوق هذه المنتجات إلى أسواق المحافظات وإلى المصانع والمعامل، مستفيدة من الربط الطرقي الذي أعاد توزيع أقطاب التسويق بين الداخل والساحل.

كما يُعد سهل الغاب مركزاً لتربية الأسماك والأبقار، حيث أسهمت وفرة المياه السطحية والمصارف في تهيئة بيئة مناسبة لأحواض السمك ومشاريع الألبان. ويسهم هذا التنوع الأفقي في الأنشطة الزراعية والحيوانية في دعم دورة شبه مغلقة للمواد العضوية وزيادة مرونة الدخل لدى الأسر المنتجة.

وترتبط جودة خضراوات سهل الغاب بالمناخ المحلي المعتدل نسبياً وبالتربة الغرينية الغنية، وهو ما انعكس في سلاسل قيمة مصغرة تشمل التعبئة والتوضيب والنقل المبرد الموسمي، مع استمرار الحاجة إلى تحديث هذه السلاسل لتقليص الفاقد بعد الحصاد وتثبيت الجودة في مواسم الذروة.

وقد أتاح اعتماد مزارعي سهل الغاب على أنظمة ري سطحية وصرف مائي مُهندسة تاريخياً إدخال زراعات تحميليّة بعد القمح، مثل الذرة الصفراء في مواسم معيّنة، غير أن نجاح هذه الزراعات ظل مشروطاً بتوافر التجفيف الصناعي واللوجستيات الملائمة إذا تزامن الحصاد مع هطولات مبكرة، وهو ما كشفته صدمات تسويقية معروفة عند غياب التجهيزات المطلوبة.

التحولات الراهنة والتحديات

تراجعت أوضاع المزارعين في سهل الغاب منذ اندلاع الحرب وتداعياتها، واشتدت الأزمة في الأعوام الأخيرة بفعل شح المحروقات وارتفاع تكاليف الإنتاج واليد العاملة وتذبذب توافر الأسمدة المدعومة. وأفضى ذلك إلى انكماش مساحات بعض الزراعات الموسمية، وانقراض محاصيل اعتادت المنطقة إنتاجها بكميات معتبرة مثل الشوندر السكري والقطن في سنوات معينة، واضطر كثيرون إلى التحول نحو محاصيل أقل كلفة وإن كانت أقل قيمة مضافة على المدى البعيد.

ويواجه سهل الغاب تقلبات سعرية حادّة في أسواق المحاصيل؛ إذ شهدت الذرة الصفراء مثلاً تسعيراً مبدئياً مقبولاً في موسم سابق مع وعود بالشراء المؤسسي، غير أن غياب المجففات وهطول الأمطار المبكر تسببا في هبوط السعر لصالح الوسطاء والباعة، بينما تكبّد المنتج خسائر نتيجة تزامن الظرف المناخي مع نقص البنية اللوجستية. ويبرز هذا النوع من المخاطر الحاجة إلى عقود شراء مُلزمة وتوزيع منصف للمخاطر بين المنتج والمؤسسة.

كما شهدت حقول سهل الغاب انقراضاً أو تقلصاً في مساحات محاصيل مثل الذرة البيضاء والعدس وبعض أصناف البذور الزيتية المحلية بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع قدرة الأسر على تمويل الدورة الزراعية اللاحقة إذا تعرض الموسم لخسارة. وتتبدى الإشكالية في هشاشة التمويل الزراعي الصغير وغياب أدوات التحوط والتأمين، بما يحوّل الخسارة الموسمية إلى سلسلة خسائر متراكمة.

وتنعكس أزمة المحروقات في سهل الغاب على الري التكميلي في المواسم الشحيحة الأمطار وعلى عمليات الرش والتسميد في مواقيتها التقنية المطلوبة، كما أن تأخر توفير الأسمدة، ولا سيما الفوسفورية والبوتاسية، يضعف التعويض عن نقص الانشطار أو عن تعفّن الجذور في بعض الحالات. وتتمثل النتيجة في تباين الغلة وجودة المنتج عند الحصاد، وتراجع قابلية الاستدامة الأسرية.

ووُصف كثيرون سهل الغاب بأنه “السهل المنسي” في السياسات العامة، تعبيراً عن شعور مزمن بتراجع الدعم الفني والتمويلي والتسويقي، وغياب العقود المتوازنة بين المنتجين والمؤسسات، بحيث يتحمل الفلاح مخاطر الموسم كاملة فيما تتجنب المؤسسة الالتزامات الملزمة زمنياً وسعرياً. وتفضي هذه “عقود الإذعان”، وفق تسمية منتجين محليين، إلى انسحاب تدريجي من المحاصيل الاستراتيجية مرتفعة الكلفة باتجاه محاصيل أقل كلفة ولو كان ذلك على حساب الأمن الغذائي.

البيئة والموارد المائية: بين الغمر والتصحر

يعاني سهل الغاب من ظاهرة الغرق الشتوي والجفاف الصيفي متى اختل تكامل منظومتي الصرف والري؛ فقد تغمر المياه مساحات في ذروة الهطولات، بينما يجف السطح صيفاً مع ارتفاع الحرارة وغياب الري المنتظم. ويولّد هذا التناوب الحاد بين الغمر والتجفيف السريع ضغوطاً على التربة ويزيد مخاطر التملّح في المصاطب الدنيا إذا لم تُدار المصارف بصرامة.

ولا تختزل تحديات التصحر في سهل الغاب في تقلص الغطاء النباتي فحسب، بل تمثل محصلة مركبة لتدهور الشبكات المائية وتشتت الحيازات والضغوط الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى تقليص الاستثمار في استصلاح الأراضي أو إلى هجر النشاط الزراعي مؤقتاً أو دائماً. وفي بعض المواقع، أدى ضعف الدخل إلى قطع الأشجار لبيع الحطب والفحم، ما أضعف الحماية الحيوية للمنحدرات وزاد قابلية الاشتعال.

ويسهم تحسين الحراجة حول سهل الغاب واستعادة المصاطب النباتية الواقية على السفوح الغربية في خفض جريان السيول المفاجئ نحو الحوض، وتعزيز تغذية المياه الجوفية، وتوفير ظلال جزئية تحد من التبخر. كما أن إدارة الغطاء النباتي في محيط المصارف الرئيسة تقلل الطمي وتحافظ على سعة التصريف عند ذروة الهطول.

سياسات واستراتيجيات النهوض: إطار مقترح

يبدأ إحياء منظومات الري في سهل الغاب بإجراء تدقيق شامل لكفاءة القنوات الرئيسة والفرعية والمصارف، ومعايرة مناسيب المياه استناداً إلى خرائط ارتفاعات دقيقة، وإعادة تأهيل نقاط الاختناق. وتستدعي منهجية الإدارة المتكاملة للموارد المائية الفصل بين وظائف التخزين ووظائف التصريف، وتوزيع المرونة عبر سدود سطحية صغيرة على الروافد ومرافق ضخ تعمل بالطاقة المتجددة.

وتُعد العقود الزراعية المنصفة في سهل الغاب ضرورة لاستعادة ثقة المنتج بالمحاصيل الاستراتيجية مرتفعة الكلفة؛ ويقتضي ذلك عقود شراء مُلزمة سعرياً وزمنياً، تتضمن بنوداً خاصة بتجفيف المحاصيل مثل الذرة الصفراء، وتحمّل المؤسسة جزءاً من مخاطر الأمطار المبكرة عبر توفير مجففات ثابتة ومتنقلة، وتوفير مستودعات قريبة من الحقول لتقليص فاقد الجودة.

كما أن تعزيز التكامل اللوجستي بين سهل الغاب والساحل عبر ممر بيت ياشوط وتفرعاته يتطلب توسيع طاقة النقل المبرد، وإنشاء مراكز فرز وتوضيب قرب قرى الإنتاج الكثيف، وتطوير أسواق جملة قادرة على تداول عقود آجلة صغرى للمحاصيل الموسمية. ويؤدي تمكين التعاونيات الزراعية من التفاوض الجماعي إلى تحسين شروط البيع والشراء.

وإلى جانب ذلك، يمكن تصميم حزمة سياسات زراعية مركزة تتضمن:

  • تمويل تشاركي منخفض الفائدة مخصص للمحاصيل الاستراتيجية، يصرف على دفعات مرتبطة بمراحل النمو، مع آلية سداد تراعي تذبذب الموسم.
  • برنامج ذكي لدعم المدخلات يضمن توافر الأسمدة (الفوسفور، البوتاس) في الأوقات الحرجة، مع ربط الدعم بمؤشرات أداء حقلية قابلة للتحقق.
  • إدماج نظم طاقة متجددة صغيرة (شمسية/رياح) لضخ المياه إلى قنوات الري التكميلي، بهدف تقليص الاعتماد على المحروقات، خصوصاً في قمم الطلب الصيفي.
  • إعادة تأهيل المصانع والمرافق التحويلية المرتبطة بالشوندر السكري والقطن في محيط الإقليم، بما ينعش الدورة الاقتصادية ويثبّت الطلب.
  • توسيع خدمات الإرشاد الزراعي والتتبّع الحقلي، بما يشمل إنذارات مبكرة للآفات ومذكرات تقنية دقيقة لإدارة مياه الري في ظروف الغمر المحتمل أو الجفاف.
  • إنشاء صندوق تأمين زراعي للمخاطر المناخية، مدعوم جزئياً من الدولة ومكمّل بتغطيات سوقية، مع آلية تعويض سريعة وشفافة.
  • إدارة هيدرولوجية للسفوح الغربية عبر سدود سطحية صغيرة وحواجز ترابية متدرجة لالتقاط الجريان السطحي وتحويله إلى تخزين موسمي.
  • بناء شراكات تعليمية مع المدارس والمعاهد الزراعية لتعزيز ثقافة الزراعة الحديثة لدى الشبان، وتحديث الكفاءات الفنية في القرى.

ويُعد إعادة الاعتبار للثروة الحراجية بالتوازي مع الزراعة أمراً حاسماً؛ فالغطاء الحرجي يحمي التربة ويحد من تآكلها، ويوفر دخلاً تكميلياً إذا نُظّمت الاستفادة منه على أسس مستدامة (مثل جمع مخلفات التقليم بدلاً من القطع الجائر). كما أن إشراك المجتمع المحلي في الحماية شرط للنجاح عبر حوافز مادية ومعنوية مرتبطة بأداء الحماية والتشجير ومكافحة الحرائق.

ولا تقل حكامة المياه أهمية عن الهندسة؛ فالشفافية في توزيع الحصص المائية، وجدولة الري وفق أولويات المحاصيل ومراحلها الفينولوجية، وتفعيل الرقابة المجتمعية على تشغيل القنوات والمضخات، جميعها عوامل تحدّ من الاستخدامات المتعدية وتضمن عدالة الوصول إلى الماء. ويمكن دمج نظم استشعار منخفضة الكلفة لرصد المنسوب والتدفق في نقاط حرجة وتغذية لوحة قيادة محلية لصنع القرار.

ويمر إعادة بناء الثقة بين المنتج والمؤسسة عبر التزام حكومي واضح بألا يخسر المزارع موسمه إذا التزم بالخطة الزراعية الوطنية؛ ويعني ذلك إعلان تسعير مسبق، وإبرام عقود طويلة نسبياً للمحاصيل الصناعية، واعتماد سياسات استيراد متوازنة لا تُغرق السوق المحلي في ذروة الحصاد. ويستند الهدف الاجتماعي للزراعة، بوصفها مصدراً لعيش كريم وتعليم للأبناء واستدامة قروية، إلى تمويل أولي واستقرار توقعي لا يقلان أهمية عن تحسين التقنية.

خاتمة

يظل سهل الغاب مشروعاً وطنياً مفتوحاً على احتمالات النهوض والانكفاء في آن واحد. فمن جودة إدارة الموارد المائية والبنى التحتية إلى عدالة التسعير وتوفر المدخلات، ومن صيانة السدود والقنوات إلى إحياء المصانع التحويلية والأسواق القادرة على استيعاب الإنتاج، تتحدد نتائج المواسم وملامح الاستقرار الاجتماعي. ويُعد دمج المعرفة المحلية المتراكمة لدى الفلاحين مع مقاربات هندسية وإدارية معاصرة المسار الأقصر لاستعادة الدور التاريخي للمكان بوصفه خزاناً زراعياً ومجالاً حياً لصناعة الغذاء وتأمين الدخل.

ولا يقتصر إصلاح المنظومات على ضخ الأموال أو افتتاح الطرق، بل يشمل بناء مؤسسات تشاركية تضمن ألّا تتحول المخاطر إلى خسائر هيكلية تدفع الأسر إلى الهجرة أو الانسحاب من محاصيل ذات قيمة وطنية. وفي الأثناء، تبقى القدرة على تحويل الجريان الشتوي إلى مخزون صيفي، وتحويل الغمر إلى فرصة لزيادة الخصوبة، وتحويل المرافق القديمة إلى منصات إنتاج حديثة، معياراً للنجاح. وهنا يتلاقى العلم الهندسي مع الرشد الاقتصادي والحس المجتمعي على أرض أثبتت مراراً قدرتها على العطاء متى وُضعت السياسات المناسبة في وقتها الملائم. ووفق هذه الرؤية العملية المتدرجة، يمكن للإقليم استعادة مكانته، وأداء دوره في تحقيق الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد المحلي، وإثبات مرة أخرى أن التلاقي بين الماء والأرض والإنسان يصنع فارقاً حين تُحسن إدارته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى