مدن وقرى

مسندم: حيث تلتقي جبال عُمان الشاهقة بزرقة الخليج

ملحمة التكوين والتاريخ عند بوابة هرمز

في أقصى شمال سلطنة عُمان، حيث ترسم الطبيعة لوحة بانورامية تمتزج فيها قسوة الصخر بعذوبة الماء، تقف محافظة مسندم شامخة كحارس أبدي لأحد أهم الممرات المائية في العالم. إنها الأرض التي تتعانق فيها جبال الحجر الشاهقة مع مياه الخليج العربي وخليج عُمان، في مشهد مهيب ونادر.

تُعد محافظة مسندم، بانفصالها الجغرافي عن بقية أراضي السلطنة، متحفاً جيولوجياً وتاريخياً مفتوحاً، يروي فصولاً من حكاية الأرض والإنسان على مر العصور. من تكوينها التضاريسي الفريد الذي يُعرف بـ “فيوردات العرب”، إلى تاريخها الاستراتيجي الحافل بالأحداث، ومن ثقافة أهلها المتجذرة في أعماق الجبال والبحار، إلى مستقبلها الواعد الذي يُرسم بعناية فائقة، تقدم مسندم نموذجاً استثنائياً للتفاعل بين الجغرافيا والتاريخ والهوية الإنسانية. هذه المقالة الأكاديمية تسبر أغوار هذه المنطقة الفريدة، وتستكشف أبعادها المتعددة التي جعلت من مسندم جوهرة متلألئة على تاج عُمان.

التكوين الجيولوجي: قصة جبال غارقة

تتمتع محافظة مسندم بتكوين جيولوجي فريد هو نتاج تاريخ طويل ومعقد من العمليات التكتونية التي شكلت المنطقة على مدى مئات الملايين من السنين. إن جبال مسندم، التي تُعرف محلياً بـ “رؤوس الجبال”، هي في الأساس الامتداد الشمالي لسلسلة جبال الحجر العُمانية. كانت هذه السلسلة الجبلية في حقب جيولوجية سحيقة متصلة بسلسلة جبال زاغروس في إيران، قبل أن تؤدي الحركات التكتونية العنيفة إلى هبوط أجزاء كبيرة من هذه السلسلة، مما أدى إلى انفصالها وتكوّن الخليج العربي. هذا الحدث الجيولوجي الضخم هو الذي منح مسندم تضاريسها الدراماتيكية الحالية، حيث تغوص الجبال مباشرة في أعماق البحر، مكونةً شبكة معقدة من الأخوار والمضايق التي لا مثيل لها في شبه الجزيرة العربية.

تتبع مسندم جيولوجياً إقليم شمال عُمان، حيث تسود الصخور الجيرية الكلسية التي ترسبت في بيئة بحرية ضحلة خلال عصور تمتد من منتصف الزمن البرمي إلى العصر الكريتاسي، أي قبل ما يقرب من 100 إلى 280 مليون سنة. هذه الصخور، المعروفة جيولوجياً بـ “مجموعة الحجر الكبرى”، تميل إلى اللون الرمادي وهي غنية بالأحافير التي تشهد على تاريخها البحري القديم، حيث يمكن العثور على أصداف وقواقع وشعاب مرجانية متحجرة محفوظة بشكل جيد في طبقاتها. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي المنطقة على صخور الأفيوليت (Ophiolite)، وهي أجزاء من القشرة المحيطية القديمة التي دُفعت إلى الأعلى واستقرت فوق الصخور القارية بفعل العمليات التكتونية المعقدة. هذا المزيج من الصخور الرسوبية والمحيطية يمنح جبال مسندم تركيبتها الفريدة ويجعلها مختبراً طبيعياً لدراسة تاريخ الأرض. إن المشهد الطبوغرافي لمحافظة مسندم، بأوديته الغارقة ومصاطبه البحرية وجروفه الشاهقة، هو نتيجة مباشرة لعمليات الغمر البحري التي تبعت الهبوط التكتوني، مما خلق هذه “الفيوردات” التي غالباً ما تُقارن بفيوردات النرويج، لتستحق عن جدارة لقب “نرويج الاستواء”.

تاريخ حافل على بوابة الخليج

إن الموقع الاستراتيجي الذي تحتله محافظة مسندم عند مدخل الخليج العربي، مطلاً على مضيق هرمز، جعلها محوراً للأحداث التاريخية ومسرحاً للتفاعلات الحضارية والصراعات الدولية منذ أقدم العصور. تشير المصادر التاريخية القديمة، مثل الكتابات المسمارية السومرية والأكادية، إلى هذه المنطقة بأسماء مثل “ماكيتا” أو “أرض الجبال”، وتعتبرها جزءاً من مملكة مجان القديمة التي اشتهرت في الألف الثالث قبل الميلاد. كما ذكر الجغرافيون الكلاسيكيون، مثل سترابو، رأس مسندم كنقطة ارتكاز جغرافية ومكان مقدس للملاحين العرب الذين كانوا يؤدون طقوساً معينة عند المرور به.

خلال العصور الإسلامية، وبعد أن دخل أهل المنطقة في الإسلام، شهدت مسندم ازدهاراً ضمن الدولة الإسلامية. ومع بداية العصر الحديث، أصبحت المنطقة هدفاً للقوى الاستعمارية الساعية للسيطرة على طرق التجارة البحرية. فقد عانت مسندم من الغزو البرتغالي الذي سعى للسيطرة على مضيق هرمز، إلا أن قيام دولة اليعاربة في عُمان عام 1624م شكل نقطة تحول حاسمة. لعب أهالي مسندم، وخاصة في خصب ودبا، دوراً محورياً في دعم جيوش أئمة اليعاربة لطرد البرتغاليين، حيث كانت مساهمتهم أساسية في تحرير المنطقة واستعادة السيادة العُمانية الكاملة. استمرت أهمية مسندم في عهد دولة البوسعيد، التي حافظت على السيادة العُمانية على هذه المنطقة الحيوية، وقد كان للدعم البريطاني لسلطان مسقط دور في ترسيخ هذه السيادة خلال القرن التاسع عشر. وفي منتصف القرن التاسع عشر، اكتسبت إحدى جزر مسندم، وهي “جزيرة مقلب”، شهرة عالمية تحت اسم “جزيرة التلغراف”، حيث تم في عام 1860 مد كابل تلغراف بحري يربط البصرة في العراق بالهند مروراً بهذه الجزيرة، مما جعلها محطة ربط استراتيجية في شبكة الاتصالات العالمية آنذاك. هذا التاريخ الطويل والغني يؤكد على أن مسندم لم تكن مجرد منطقة جغرافية نائية، بل كانت دائماً لاعباً فاعلاً في تاريخ عُمان والمنطقة بأسرها.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز

تكتسب محافظة مسندم أهميتها الاستراتيجية القصوى من إشرافها المباشر على مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم نقاط الاختناق البحرية (Choke Point) في العالم. يربط هذا المضيق الحيوي الخليج العربي بخليج عُمان ومنه إلى بحر العرب والمحيط الهندي، مما يجعله الشريان الرئيسي لحركة التجارة العالمية، وخاصة تجارة الطاقة. يمر عبر المضيق ما يقرب من 20% إلى 25% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، وما بين 25% إلى 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، حيث تعبره يومياً ما بين 20 إلى 30 ناقلة عملاقة.

اقرأ أيضاً:  بلاد الشام: قلب الحضارات وملتقى التاريخ

تقع محافظة مسندم على الساحل الجنوبي للمضيق، بينما تقع إيران على ساحله الشمالي، والجزء الأعمق والصالح للملاحة من المضيق يقع ضمن المياه الإقليمية العُمانية. هذا الموقع منح سلطنة عُمان، عبر بوابة مسندم، مسؤولية تاريخية في تنظيم الملاحة وضمان سلامة العبور في هذا الممر الدولي. تمتلك عُمان موقعاً رادارياً متقدماً على إحدى جزر مسندم لمراقبة نظام فصل حركة السفن وضمان انسيابية الملاحة. إن أي تهديد بإغلاق المضيق يتردد صداه في أسواق الطاقة العالمية ويؤثر على الاقتصاد العالمي بأسره، مما يجعل من استقرار وأمن منطقة مسندم ضرورة دولية. بالنسبة لدول الخليج مثل العراق والكويت وقطر والبحرين، يمثل المضيق المنفذ البحري الوحيد لصادراتها وتجارتها. كما تعتمد دول صناعية كبرى في آسيا، مثل الصين واليابان، بشكل كبير على النفط والغاز الذي يمر عبر هذا المضيق لتلبية احتياجاتها من الطاقة. لذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية لمحافظة مسندم لا تقتصر على البعد العسكري والأمني فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وتجارية تجعلها حجر زاوية في استقرار الاقتصاد العالمي.

مجتمع فريد وثقافة متجذرة

شكلت الطبيعة الجغرافية المنعزلة والوعرة لمحافظة مسندم هوية ثقافية فريدة ومجتمعاً متماسكاً استطاع التكيف مع بيئته القاسية ببراعة. يُعد “الشحوح” القبيلة الرئيسية التي تسكن منطقة رؤوس الجبال في مسندم، وهم قبيلة عربية يعود نسبها إلى مالك بن فهم الأزدي. على عكس الكثير من القبائل في شبه الجزيرة العربية، لم يكن الشحوح من البدو الرحل في الصحراء، بل مجتمعاً جبلياً وبحرياً طور أساليب حياة تتناسب مع طبيعة مسندم. وقد أدت هذه العزلة الجغرافية إلى الحفاظ على لهجة عربية مميزة، بالإضافة إلى لغة “الكمزارية” التي يتحدث بها سكان قرية كمزار في أقصى شمال مسندم، وهي لغة فريدة تمزج بين مفردات عربية وفارسية وهندية وإنجليزية، مما يعكس تاريخ المنطقة كممر تجاري وبحري.

تتجلى عبقرية التكيف مع البيئة في النمط المعماري التقليدي، وأبرز مثال عليه هو “بيت القفل”. هذا الطراز المعماري الفريد يتميز بالآتي:

  • البناء: يُبنى بيت القفل من الصخور الجبلية الصلبة، وغالباً ما يكون جزء منه محفوراً في الأرض أو داخل المنحدرات الصخرية بعمق يصل إلى متر، مما يوفر عزلاً طبيعياً ضد الحرارة والبرودة.
  • التخزين: كان البيت يُستخدم كمخزن آمن للطعام والممتلكات، خاصة عندما كان السكان يهاجرون موسمياً بين الجبال والسواحل. وتوضع فيه أوانٍ فخارية ضخمة تسمى “الخرس” لتخزين التمور والحبوب، ويتم إدخالها أثناء عملية البناء لأن حجمها أكبر من فتحة الباب.
  • نظام القفل: استمد البيت اسمه من نظام الإغلاق المعقد الذي يعتمد على أقفال خشبية لا يعرف أسرارها إلا أصحاب البيت، مما يوفر حماية للممتلكات في غيابهم.

إلى جانب العمارة، تزخر ثقافة مسندم بفنون شعبية غنية تعكس حياة المجتمع. من أبرز هذه الفنون “فن الندبة”، وهو عبارة عن صيحات حماسية جماعية كانت تستخدم قديماً للتحذير أو لإظهار الفخر، وأصبحت اليوم تؤدى في المناسبات الاجتماعية والوطنية. وهناك أيضاً “فن الرواح”، وهو فن إيقاعي تؤديه فرق من الرجال مع الطبول في المناسبات والأفراح. هذه التقاليد الشفهية والفنون الأدائية تشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي غير المادي الذي يميز هوية مسندم.

كنوز الأعماق وتنوع الحياة الفطرية

إن التقاء الجبال بالبحر في مسندم لم يخلق فقط مناظر طبيعية خلابة، بل أوجد أيضاً بيئة بحرية غنية ومتنوعة تعد من بين الأفضل في العالم للغوص واستكشاف الحياة المائية. المياه العميقة والغنية بالمغذيات تجذب أعداداً كبيرة من الكائنات البحرية، مما يجعل سواحل مسندم نظاماً بيئياً حيوياً.

تعد الشعاب المرجانية من أبرز معالم هذه البيئة، حيث توفر مأوى ومناطق تكاثر لعدد لا يحصى من الكائنات. تنتشر في مياه مسندم أنواع مختلفة من المرجان، أبرزها مرجان “بافونا” (Pavona) و”بوريتيس” (Porites)، التي تشكل حدائق مرجانية ملونة تأوي أنواعاً مختلفة من الأسماك القاعية. وتشتهر أخوار مسندم بوجود الدلافين التي غالباً ما تسبح بمحاذاة القوارب السياحية في مشهد يأسر الألباب. كما يمكن مشاهدة أنواع أخرى من الثدييات البحرية مثل الحيتان، بما في ذلك الحوت الأحدب. وتزخر المياه بأنواع متعددة من الأسماك ذات القيمة الاقتصادية والسياحية، مثل أسماك الجيذر، والكنعد، والسهوة، والصال الكبير، بالإضافة إلى أسماك البرية التي لها موسم صيد خاص بها.

أما على اليابسة، وفي جبال مسندم الوعرة، فتوجد حياة برية تكيفت مع هذه البيئة الصعبة. وقد أكدت المسوحات البيئية وجود حيوانات برية متنوعة، منها:

  • الثدييات: مثل الثعلب الجبلي، والثعلب الأحمر، والقط البري، والوشق، والأرنب البري، والقنفذ.
  • النمر العربي: تشير بعض الروايات المحلية إلى وجود أعداد قليلة من النمر العربي في المناطق الجبلية النائية، على الرغم من عدم وجود أدلة مؤكدة حديثة على بقائه، مما يجعله من الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض في المنطقة.
  • الطيور: تعد جزر مسندم موطناً للعديد من الطيور البحرية، سواء المستوطنة أو المهاجرة.
  • النباتات: على الرغم من الطبيعة الصخرية، تزخر المحافظة بأكثر من 200 نوع من النباتات البرية والأشجار المعمرة التي تتكيف مع البيئة الجبلية.
اقرأ أيضاً:  مدينة مصياف: جوهرة ريف حماة الغربي بين عراقة التاريخ وواقع الحاضر

وقد تم الإعلان عن محمية المنتزه الوطني الطبيعي في مسندم، والتي تشمل مساحات برية وبحرية واسعة بما في ذلك تسع جزر، بهدف حماية هذا التنوع البيولوجي الفريد وضمان استدامته كإرث طبيعي للأجيال القادمة.

اقتصاد متنوع ورؤية مستقبلية واعدة

يعتمد اقتصاد محافظة مسندم تقليدياً على ركيزتين أساسيتين هما صيد الأسماك والزراعة المحدودة في الوديان والسهول الصغيرة. ولا يزال قطاع الثروة السمكية يلعب دوراً حيوياً في اقتصاد المحافظة، حيث يوفر مصدر رزق أساسي للكثير من السكان ويساهم في الأمن الغذائي. وتشتهر سواحل مسندم بوفرة أنواع مختلفة من الأسماك مثل الجيذر والكنعد والبرية، بالإضافة إلى القشريات والرخويات. وتتنوع الاستثمارات في هذا القطاع لتشمل مصانع تجهيز وتعبئة الأسماك، ومصانع الثلج، وورش صيانة القوارب، بالإضافة إلى التوجه نحو مشاريع الاستزراع السمكي الواعدة.

في العقود الأخيرة، برز قطاع السياحة كمحرك اقتصادي رئيسي جديد لمستقبل مسندم. فالطبيعة الفريدة للمحافظة، التي تجمع بين الجبال الشاهقة والخلجان البحرية العميقة، جعلتها وجهة عالمية مرموقة، خاصة لسياحة المغامرات والرحلات البحرية والغوص. ويشهد ميناء خصب حركة متزايدة للسفن السياحية العملاقة، حيث استقبل في عام 2022 وبداية 2023 نحو 58 سفينة سياحية على متنها آلاف الزوار. وتعمل السلطنة على تعزيز هذا القطاع من خلال حملات ترويجية مثل “شتاء مسندم” وفعاليات دولية مثل بطولة “إكستيرا مسندم” للترايثلون الجبلي، لترسيخ مكانة مسندم على خريطة السياحة العالمية.

تولي سلطنة عُمان اهتماماً كبيراً بتنمية محافظة مسندم ضمن “رؤية عُمان 2040″، من خلال تنفيذ استراتيجية شاملة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل ورفع مستوى المعيشة. ترتكز هذه الاستراتيجية على تطوير قطاعات حيوية مثل السياحة، والقطاع اللوجستي، والثروة السمكية، والتجارة. ويجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية الضخمة التي ستغير وجه المحافظة، ومن أبرزها:

  • مشروع طريق خصب-ليما-دبا: وهو مشروع حيوي يهدف إلى ربط ولايات المحافظة براً، مما يسهل الحركة ويفتح مناطق جديدة للتنمية العمرانية والسياحية.
  • تطوير ميناء خصب: تحويل الميناء إلى منطقة لوجستية خاصة وتعزيز قدرته على مناولة البضائع واستقبال السفن السياحية، والاستفادة من موقعه القريب من مضيق هرمز.
  • مشروع مطار مسندم الجديد: يهدف إلى تنشيط الحركة الجوية وتسهيل الوصول إلى المحافظة، مما يدعم القطاع السياحي والاقتصادي.
  • تطوير ميناء دبا: باستثمارات كبيرة لتعزيز قطاع الصيد والنقل البحري.
  • إنشاء مدينة محاس الصناعية: لجذب الاستثمارات الصناعية وتوفير فرص عمل.

هذه المشاريع الطموحة، إلى جانب تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، تؤكد على أن محافظة مسندم ليست مجرد موقع استراتيجي، بل هي أيضاً وجهة تنموية واعدة، تسير بخطى ثابتة نحو مستقبل مزدهر يحافظ على إرثها الطبيعي والثقافي الفريد، ويجعل من مسندم نقطة التقاء حقيقية بين الماضي العريق والمستقبل المشرق.

الأسئلة الشائعة

1. ما الذي يميز التكوين الجيولوجي لمحافظة مسندم عن غيرها من المناطق في شبه الجزيرة العربية؟

تتميز محافظة مسندم بتكوين جيولوجي فريد هو نتاج عمليات تكتونية معقدة أدت إلى هبوط أجزاء من سلسلة جبال الحجر وغمرها بمياه البحر. هذا التفاعل بين الجبال والبحر خلق تضاريس فريدة تُعرف بـ “فيوردات العرب”، وهي عبارة عن أودية جبلية غارقة (Rias) لا مثيل لها في المنطقة. تتكون جبال مسندم بشكل أساسي من صخور جيرية كلسية تعود إلى عصور جيولوجية قديمة، وهي غنية بالأحافير البحرية التي تدل على أن المنطقة كانت مغمورة بالمياه في الماضي. كما تحتوي على صخور الأفيوليت، وهي أجزاء من القشرة المحيطية القديمة، مما يجعلها مختبراً جيولوجياً مفتوحاً لدراسة تاريخ الأرض. هذا التكوين الدراماتيكي، حيث تغوص الجبال الشاهقة مباشرة في مياه الخليج العميقة، هو ما يمنح مسندم طابعها الجغرافي الاستثنائي.

2. ما هي الأهمية الاستراتيجية لمحافظة مسندم، وكيف يؤثر موقعها على التجارة العالمية؟

تستمد محافظة مسندم أهميتها الاستراتيجية القصوى من إشرافها المباشر على مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات المائية في العالم. يمر عبر هذا المضيق جزء كبير من إجمالي استهلاك النفط العالمي وتجارة الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله شرياناً حيوياً لاقتصاد الطاقة العالمي. تقع مسندم على الساحل الجنوبي للمضيق، ويقع الممر الملاحي العميق والآمن ضمن المياه الإقليمية العُمانية، مما يمنح سلطنة عُمان دوراً محورياً في تنظيم وضمان سلامة الملاحة الدولية. أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي، مما يجعل من أمن واستقرار مسندم ضرورة عالمية.

3. من هم السكان الأصليون لمحافظة مسندم، وما أبرز سماتهم الثقافية الفريدة؟

السكان الأصليون لمحافظة مسندم هم قبيلة “الشحوح”، وهي قبيلة عربية طورت أسلوب حياة فريد يتكيف مع الطبيعة الجبلية والبحرية القاسية للمنطقة. على عكس البداوة الصحراوية، اعتمد الشحوح على التنقل الموسمي بين المناطق الجبلية في الصيف والمناطق الساحلية في الشتاء. هذه العزلة الجغرافية ساهمت في الحفاظ على لهجة عربية مميزة، بالإضافة إلى لغة “الكمزارية” في قرية كمزار، وهي لغة فريدة تمزج مفردات من لغات متعددة. من أبرز سماتهم الثقافية “بيت القفل”، وهو طراز معماري جبلي فريد يُبنى من الصخور ويُستخدم كمخزن آمن للطعام والممتلكات. كما تشتهر المنطقة بفنونها الشعبية مثل “فن الندبة”، وهو صيحات حماسية جماعية، و”فن الرواح” الإيقاعي، وهي فنون تعكس تاريخ وهوية مجتمع مسندم.

4. لماذا تُعرف محافظة مسندم بلقب “فيوردات العرب”؟

يُطلق على محافظة مسندم لقب “فيوردات العرب” بسبب التشابه البصري المذهل بين أخوارها البحرية والفيوردات النرويجية الشهيرة. الفيورد (Fjord) هو وادٍ جليدي غمرته مياه البحر، بينما الأخوار في مسندم هي أودية نهرية قديمة غمرتها المياه نتيجة هبوط تكتوني (تُعرف علمياً باسم Rias). على الرغم من الاختلاف في أصل التكوين (جليدي مقابل تكتوني)، فإن النتيجة البصرية متشابهة إلى حد كبير: أذرع بحرية طويلة ومتعرجة تتوغل عميقاً بين جبال شاهقة شديدة الانحدار. هذا المشهد الطبيعي الدراماتيكي، حيث تتعانق قمم الجبال الصخرية مع زرقة مياه الخليج العميقة، هو الذي أكسب مسندم هذا اللقب المميز وجعلها وجهة سياحية عالمية فريدة من نوعها.

5. ما هو الدور التاريخي الذي لعبته مسندم في تاريخ عُمان، خاصة في مواجهة القوى الاستعمارية؟

لعبت مسندم دوراً تاريخياً محورياً نظراً لموقعها الاستراتيجي. منذ العصور القديمة، كانت المنطقة جزءاً من مملكة مجان القديمة ومعبراً تجارياً هاماً. وفي العصر الحديث، مع وصول القوى الاستعمارية الأوروبية، أصبحت مسندم ساحة للصراع. بعد أن سيطر البرتغاليون على مضيق هرمز، كان لأهالي مسندم، خاصة في دبا وخصب، دور حاسم في دعم أئمة اليعاربة في جهودهم لطرد البرتغاليين من المنطقة في القرن السابع عشر. وقد شكل صمودهم ومساهمتهم جزءاً أساسياً من معارك التحرير التي أدت إلى استعادة السيادة العُمانية الكاملة على سواحلها. هذا الدور يؤكد أن مسندم لم تكن مجرد منطقة نائية، بل كانت دائماً في قلب الأحداث التي شكلت تاريخ عُمان الحديث.

6. ما هي أبرز معالم التنوع البيولوجي البحري والبري في محافظة مسندم؟

تزخر محافظة مسندم بتنوع بيولوجي غني، براً وبحراً. ففي أعماق مياهها، توجد نظم بيئية بحرية خصبة تضم حدائق من الشعاب المرجانية الملونة التي تأوي مئات الأنواع من الأسماك. وتشتهر المنطقة بوجود الدلافين التي تتبع القوارب، بالإضافة إلى إمكانية مشاهدة الحيتان والسلاحف البحرية. أما على اليابسة، فتكيفت الحياة البرية مع البيئة الجبلية الوعرة، حيث يمكن العثور على الثعلب الجبلي، والقط البري، والوشق، وأنواع مختلفة من الطيور المستوطنة والمهاجرة التي تتخذ من جزر مسندم محطة لها. وقد تم الإعلان عن محمية المنتزه الوطني الطبيعي في مسندم لحماية هذا الإرث الطبيعي الفريد وضمان استدامته.

7. كيف يتكيف الاقتصاد التقليدي في مسندم مع التوجهات الحديثة نحو السياحة والتنمية؟

يعتمد اقتصاد مسندم التقليدي بشكل أساسي على صيد الأسماك والزراعة المحدودة. ولا يزال قطاع الثروة السمكية يشكل ركيزة أساسية للمجتمع المحلي. ومع ذلك، يشهد الاقتصاد تحولاً كبيراً مع بزوغ نجم قطاع السياحة كمحرك تنموي واعد. تستفيد المحافظة من طبيعتها الفريدة لجذب السياح من جميع أنحاء العالم للقيام برحلات بحرية في الأخوار، وممارسة الغوص، والاستمتاع بالمناظر الجبلية. وتعمل الحكومة على دمج القطاعين من خلال تطوير موانئ الصيد لتخدم أيضاً الأغراض السياحية، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقدم خدمات سياحية مثل رحلات القوارب التقليدية، مما يخلق اقتصاداً متنوعاً يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

8. ما هي أبرز المشاريع التنموية الكبرى التي يتم تنفيذها في مسندم ضمن “رؤية عُمان 2040″؟

تولي سلطنة عُمان اهتماماً خاصاً بتنمية محافظة مسندم ضمن “رؤية عُمان 2040” من خلال استراتيجية تنموية شاملة. ومن أبرز المشاريع الجاري تنفيذها مشروع طريق خصب-ليما-دبا، وهو مشروع استراتيجي ضخم يهدف إلى ربط ولايات المحافظة براً لأول مرة، مما يسهل التنقل ويفتح آفاقاً جديدة للتنمية. كما تشمل المشاريع تطوير ميناء خصب ليكون منطقة لوجستية وسياحية متكاملة، وإنشاء مطار جديد لتعزيز الربط الجوي، وتطوير ميناء الصيد في دبا باستثمارات كبيرة. تهدف هذه المشاريع إلى تعزيز البنية التحتية، وتنويع الاقتصاد، وجعل مسندم وجهة استثمارية وسياحية رائدة.

9. ما هي لغة “الكمزارية” التي يتحدث بها سكان قرية كمزار في مسندم؟

لغة “الكمزارية” هي لغة فريدة يتحدث بها سكان قرية كمزار، الواقعة في أقصى شمال محافظة مسندم والمطلة على مضيق هرمز. تُصنف هذه اللغة على أنها لغة إيرانية جنوبية غربية، لكن ما يجعلها فريدة هو أنها مزيج لغوي نادر تأثر بموقعه الجغرافي كملتقى للطرق البحرية. تحتوي الكمزارية على مفردات وقواعد من اللغة الفارسية القديمة، بالإضافة إلى كلمات كثيرة من العربية، والبرتغالية، والإنجليزية، والهندية. هذا الخليط اللغوي يعكس التاريخ الطويل من التفاعل بين سكان كمزار والتجار والبحارة من مختلف الحضارات الذين عبروا مضيق هرمز على مر القرون، مما يجعلها كنزاً لغوياً وثقافياً حياً.

10. ما هو “بيت القفل”، وما أهميته المعمارية والثقافية في تراث مسندم؟

“بيت القفل” هو طراز معماري تقليدي فريد يميز منطقة رؤوس الجبال في محافظة مسندم، ويعكس عبقرية التكيف مع البيئة الجبلية القاسية. يُبنى هذا البيت من الصخور المحلية الصلبة، وغالباً ما يكون جزء منه محفوراً في الأرض لتوفير العزل الحراري. الأهمية الثقافية للبيت تكمن في وظيفته؛ فقد كان يُستخدم كمخزن آمن لحفظ المؤن الثمينة مثل التمور والحبوب والممتلكات خلال فترة غياب أصحابه الذين كانوا ينتقلون موسمياً إلى السواحل. استمد البيت اسمه من نظام القفل الخشبي المعقد والمبتكر الذي يؤمن بابه، والذي لا يمكن فتحه إلا من قبل أصحابه، مما يجعله رمزاً للأمان والحفاظ على الموارد في بيئة شحيحة، وشاهداً على حكمة وبراعة سكان مسندم القدماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى