السيول الجارفة وارتفاع عكارة مياه الفرات يوقفان 15 محطة مياه في الرقة وسط استنفار لإنقاذ المفقودين
الرقة – حماة بلس
تسببت موجة السيول العنيفة التي ضربت البلاد مؤخراً في شلل جزئي لقطاع مياه الشرب بمحافظة الرقة، إذ أدى الارتفاع القياسي في عكارة مياه الفرات إلى خروج 15 محطة ضخ عن الخدمة، في وقت تواجه فيه فرق الإنقاذ تحديات غير مسبوقة للبحث عن مفقودين ابتلعتهم المياه، ضمن كارثة مناخية طالت 9 محافظات سورية وأسفرت عن ضحايا وأضرار مادية جسيمة.
ووفقاً لما نقلته منصة (حماة بلس) عن وكالة “نورث برس”، فإن السيول الجارفة رفعت مستويات العكارة في نهر الفرات إلى معدلات عالية جداً تجاوزت القدرة الاستيعابية والتقنية لمحطات المعالجة والتنقية.
وفي هذا الصدد، أوضح مدير المخابر في الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بالرقة، محمد الحسين، أن قرار إيقاف ضخ المياه جاء كإجراء احترازي ضروري؛ حفاظاً على سلامة الأهالي، ولحماية تجهيزات المحطات من التلف، وضمان إيصال مياه نظيفة وآمنة للمواطنين، مؤكداً أن استمرار الضخ في أثناء هذه الظروف لم يكن خياراً مناسباً على الإطلاق.
وأشار الحسين إلى التطورات الميدانية لعمل المشاريع المائية على النحو الآتي:
- عودة جميع مشاريع المياه الواقعة في الريف الغربي لمدينة الرقة إلى العمل الطبيعي.
- استمرار توقف 10 محطات رئيسة و5 محطات فرعية تقع جميعها شرقي المدينة على ضفتي نهر الفرات.
- توقعات فنية بعودة جميع المحطات والمشاريع المتبقية إلى الخدمة في غضون الـ 24 ساعة القادمة فور استقرار نسب الرواسب.
تأجيل تشغيل محطة معدان حمايةً لصحة الأهالي
وفي سياق متصل بتداعيات عكارة مياه الفرات، أعلنت مديرية إعلام الرقة عبر معرفها الرسمي في تطبيق “تلغرام”، تأجيل إعادة تشغيل محطة مياه الشرب في مدينة معدان شرقي المحافظة، نتيجة الأمطار الغزيرة والفيضانات التي شهدتها المنطقة.
وبحسب ما رصدته منصة (حماة بلس) من بيانات رسمية، فإن هذا التأجيل يأتي حرصاً على سلامة مياه الشرب المقدمة إلى أفراد المجتمع، إذ تجري الجهات المعنية قياسات مخبرية دورية لنسب العكارة لتحديد إمكانية تشغيل المضخات مجدداً دون مخاطر، ولن يُتخذ قرار التشغيل إلا بعد انخفاض الشوائب إلى الحدود القياسية الآمنة التي تضمن وصول المياه صالحة للاستخدام البشري.
عكارة مياه الفرات تعيق عمليات البحث عن المفقودين
لم تقتصر تأثيرات السيول على قطاع المياه فحسب، بل امتدت لتعيق عمليات الإنقاذ الإنسانية؛ إذ تواصل فرق الدفاع المدني السوري، لليوم الرابع على التوالي، عمليات البحث عن مفقودين اثنين في بحيرة الفرات بمحافظة الرقة، بعد أن جرفتهما السيول من منطقة جسر السلماني.
وأفاد الدفاع المدني السوري عبر معرفاته الرسمية، بأن فرقه نفذت عمليات تمشيط واسعة على امتداد مجرى السيل وصولاً إلى البحيرة، غير أن الفرق الميدانية تصطدم بعقبة رئيسة تتمثل في انعدام الرؤية تماماً تحت الماء؛ وذلك نتيجة شدة عكارة مياه الفرات واختلاط مياه السيول الطينية بمياه البحيرة، وهو ما يُعَدُّ التحدي الأكبر الذي يواجه الغواصين ويحدّ من فاعلية عمليات البحث في الأعماق.
حصيلة ثقيلة للسيول في 9 محافظات سورية
تأتي أزمة الرقة كجزء من موجة طقس قاسية ضربت مناطق واسعة من البلاد، وحسب المصادر الرسمية التي تابعتها (حماة بلس)، فقد أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، عبر منصة “إكس”، عن حصيلة مؤلمة للخسائر البشرية والمادية مع استمرار الاستجابة الطارئة، وتتلخص أبرز الأرقام في النقاط التالية:
- الوفيات: ارتفاع الحصيلة إلى 7 وفيات، من بينهم 5 أطفال قضوا غرقاً في برك مياه شكلتها السيول، ورجل توفي إثر حادث سير ناجم عن الحالة الجوية السيئة، وآخر جرفته المياه في منطقة هريبشة بريف دير الزور.
- المفقودون: استمرار البحث عن 4 أشخاص لا يزالون في عداد المفقودين.
- عمليات الإنقاذ: تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ نحو 60 مدنياً حاصرتهم السيول في أثناء وجودهم داخل مركباتهم.
- الاستجابة الطارئة: تلقت غرف العمليات أكثر من 900 بلاغ استغاثة، نُفذت على إثرها مئات الاستجابات الميدانية لفتح الطرق وتصريف المياه.
- الأضرار المادية: تضرر واسع في المنازل، والمرافق العامة، وشبكات الطرق، والخدمات الرئيسة في 9 محافظات.
سياق الحدث: تحديات البنية التحتية في مواجهة التغيرات المناخية
تُعَدُّ ظاهرة ارتفاع عكارة مياه الفرات وتوقف محطات الضخ أزمة متكررة تواجه البنية التحتية المائية في شمال شرقي سوريا خلال مواسم الأمطار الغزيرة والسيول. ومن الناحية العلمية والفنية، فإن مياه السيول تجرف معها كميات هائلة من الطمي والغرين والرواسب الطينية إلى مجرى النهر، وعندما تتجاوز وحدة قياس العكارة (NTU) الحدود التصميمية لفلاتر وأحواض الترسيب في المحطات، يصبح إيقاف الضخ أمراً حتمياً.
إن تشغيل المضخات في ظل هذه الظروف يؤدي إلى نتيجتين كارثيتين: الأولى هي احتراق المضخات وانسداد شبكات الأنابيب بالوحل ما يتطلب صيانات معقدة ومكلفة، والثانية هي فشل عمليات الكلورة والتعقيم؛ إذ تحتمي البكتيريا والملوثات داخل الجزيئات الطينية العالقة، مما يهدد صحة الأهالي بأمراض منقولة عبر المياه. ويعكس تكرار هذا المشهد الحاجة الملحة إلى خطط إستراتيجية لتحديث محطات التنقية وتزويدها بأنظمة ترسيب أولية متطورة قادرة على العمل على نحو مستمر في أثناء الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية الحادة.



