سيرة ذاتية

الإعلامي محمود الحموي: عين الثورة في ريف حماة.. قصة علم من أعلام الثورة السورية

في قلب الثورة السورية، حيث تتشابك قصص البطولة مع مآسي الحرب، يبرز اسم رضوان عبد الحميد الرمضان، المعروف إعلامياً بلقب محمود الحموي أو كنيته أبو حذيفة. هو ليس مجرد إعلامي، بل ذاكرة حية و”عين للثورة” وثّقت بالصوت والصورة لحظات تاريخية فارقة، محولاً حياته من صاحب متجر إلى رحلة محفوفة بالمخاطر لتوثيق الحقيقة. هذه قصة رجل أصبح أرشيفه الشخصي أحد أضخم كنوز الثورة البصرية، وما زال يدفع ثمن شجاعته حتى اليوم.

من متجر اللطامنة إلى قلب الحدث: شرارة البداية

قبل عام 2011، كانت حياة رضوان الرمضان “أبو حذيفة”، ابن مدينة اللطامنة بريف حماة الشمالي، تسير بوتيرة هادئة. كان يدير محله المتواضع لبيع مواد التنظيف ومستحضرات التجميل، ولم يكن يتخيل أن حياته على وشك أن تتغير إلى الأبد. مع انطلاق شرارة الثورة السورية، لم يتردد أبو حذيفة، المولود في 2 آذار 1972، في الانضمام إلى الحراك الشعبي السلمي في سورية. بدأ كمتظاهر ومنظم للمظاهرات السلمية، لكنه سرعان ما أدرك أن صوت الحقيقة يحتاج إلى من يوصله للعالم؛ فحمل كاميرته البسيطة وبدأ رحلته في العمل الإعلامي.

عين على الحقيقة: توثيق جرائم الكيماوي وانتصارات الثوار

تحول محمود الحموي “أبو حذيفة” بسرعة إلى واحد من أنشط الإعلاميين الميدانيين. لم تكن مهمته سهلة، فقد وضع نفسه في خط النار لتوثيق كل شيء:

*   توثيق جرائم الحرب: كان لأبي حذيفة له دور محوري وأساسي في فضح استخدام نظام الأسد الساقط للأسلحة الكيماوية وغاز الكلور السام في مدينته اللطامنة خاصة وفي ريف حماة الشمالي عامة. لم يكتفِ أبو حذيفة بالتصوير؛ بل كان شاهداً رئيساً على هذه الجرائم؛ إذ التقى باللجان الدولية التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، مقدماً أدلة دامغة ساهمت في إثبات هذه جرائم نظام الأسد.

*   صوت الثورة في الإعلام: أصبح “محمود الحموي” وجهاً مألوفاً على الفضائيات؛ إذ قدم أكثر من 2000 مداخلة تلفزيونية، نقل فيها الأوضاع الميدانية والإنسانية في ريف حماة الشمالي، وشرح للعالم ما يحدث على الأرض من قصف وقتل بحق المدنيين.

*   مرافق للمقاتلين: رافق “رضوان الرمضان” الثوار على خطوط المواجهة الأولى، ووثق بكاميرته معارك كبرى في أرياف حماة وإدلب، مسجلاً انتصاراتهم وتضحياتهم منذ البداية وحتى تحرير مناطق واسعة، وقد عرض حياته للخطر مرات عدة، وحاولت طيارو الأسد اغتياله؛ لأنه قض مضاجعهم بكاميرته وعينه الشاهدة على جرائمهم.

أرشيف بحجم وطن: كنز بصري بجهود فردية

ما يميز قصة “محمود الحموي” أن كل هذه الجهود الجبارة التي قام بها كانت فردية تماماً، بإمكانيات متواضعة ومعدات بسيطة لم يكن يملكها بل كانت مستعارة.

تمكن هذا الإعلامي البطل من بناء ما يُعد اليوم واحداً من أكبر الأرشيفات المصورة الفردية في الثورة السورية. هذا الأرشيف ليس مجرد مجموعة فيديوهات، بل هو سجل تاريخي بصري للأجيال القادمة، ووثيقة دامغة على ما جرى من قصف ودمار وحرق للشجر والحجر.

ثمن الحقيقة: تضحيات جسدية ونفسية

لم تكن رحلة أبي حذيفة رحلة توثيق الحقيقة بلا ثمن؛ إذ دفع الإعلامي محمود الحموي من صحته وحياته الكثير:

*   أصيب أكثر من مرة أثناء تغطيته الميدانية للقصف والمعارك.

*   تعرض لمحاولة اغتيال واستهدف بالقصف.

*   تعرض لمتاعب صحية كبيرة ما زال يعاني من آثارها حتى اليوم.

*   فقد منزله في اللطامنة الذي دُمر بالكامل بسبب القصف، مما حرمه من فرصة العودة إلى مدينته التي يحب.

*   كان آخر إعلامي يغادر ريف حماة الشمالي بعد سيطرة النظام عليه، شاهداً على اللحظات الأخيرة من التهجير.

ذاكرة لا تزال حية في الشمال السوري

اليوم، يعيش الإعلامي الكبير محمود الحموي “أبو حذيفة”، البالغ من العمر 53 عاماً، في أحد مخيمات الشمال السوري على الحدود التركية. ورغم كل ما مر به، ورغم أنه لا يملك مقومات العودة؛ إلا أن ذاكرته وأرشيفه يبقيان شعلة حية وإرثاً نابضاً بالحياة. قصة محمود الحموي هي شهادة على قوة الفرد في مواجهة الظلم، وتذكير بأن الكاميرا يمكن أن تكون سلاحاً أقوى من القذيفة، وأن الحقيقة التي وثقها بدمه وعروقه ستبقى شاهدة إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى