الإمبراطور شينونغ: مكتشف الشاي وأبو الزراعة والطب الصيني

تحليل أكاديمي للأسطورة التي شكلت ثقافة الشاي وأسست لحضارة بأكملها
في عمق سجلات التاريخ الأسطوري للصين، تبرز شخصيات محورية لا يمكن فهم الحضارة الصينية دون استيعاب أدوارها التأسيسية. من بين هؤلاء العمالقة، يقف الإمبراطور شينونغ (Shennong – 神農)، الذي يُترجم اسمه حرفيًا إلى “المزارع الإلهي”، كشخصية شامخة متعددة الأوجه. هو ليس مجرد حاكم أسطوري، بل بطل ثقافي يُنسب إليه الفضل في إرساء دعائم المجتمع الصيني القديم من خلال تقديم الزراعة، ووضع أسس الطب الصيني التقليدي، والأهم من ذلك، الاكتشاف المصيري لنبتة الشاي. تستهدف هذه المقالة تقديم تحليل أكاديمي مباشر لشخصية الإمبراطور شينونغ، مستعرضةً الأساطير المحيطة به، ومناقشة دوره كرمز للابتكار والمعرفة، وتأثيره الدائم الذي لا يزال يتردد صداه في الصين الحديثة والعالم أجمع. إن دراسة أسطورة الإمبراطور شينونغ لا تقتصر على سرد حكاية قديمة، بل هي غوص في فهم كيفية تشكيل الأساطير للقيم المجتمعية، وكيف يمكن لشخصية واحدة، حتى لو كانت أسطورية، أن تصبح حجر الزاوية في هوية أمة بأكملها.
الهوية الأسطورية: من هو الإمبراطور شينونغ؟
يُصنف الإمبراطور شينونغ ضمن “الحكام الثلاثة والأباطرة الخمسة” (Three Sovereigns and Five Emperors)، وهي مجموعة من الحكام الأسطوريين الذين يُعتقد أنهم حكموا الصين في فترة ما قبل التاريخ، والتي تمتد تقريبًا من 2852 إلى 2070 قبل الميلاد. وفقًا للمؤرخ سيما كيان (Sima Qian) في “سجلات المؤرخ العظيم” (Records of the Grand Historian)، يُعتبر الإمبراطور شينونغ الحاكم الثاني من بين الحكام الثلاثة، خلفًا للإمبراطور فوشي (Fuxi) وسلفًا للإمبراطور الأصفر (Huangdi). تصف الأساطير الإمبراطور شينونغ بمظهر مميز، حيث يُصوَّر غالبًا بجسد إنسان ورأس ثور، وهو ترميز مباشر لارتباطه الوثيق بالزراعة والماشية. هذا التصوير الهجين لا يقلل من شأنه، بل يعزز مكانته ككائن يجمع بين الحكمة البشرية والقوة الإنتاجية للطبيعة.
تُقدم الأسطورة الإمبراطور شينونغ كمعلم أول للبشرية. قبل عصره، يُقال إن الناس كانوا يعيشون كالصيادين وجامعي الثمار، يقتاتون على اللحوم النيئة والنباتات البرية والمحار، ويعانون من الأمراض والمجاعات بشكل مستمر. جاء الإمبراطور شينونغ ليغير هذا الواقع المؤلم. لقد لاحظ معاناة شعبه وعزم على إيجاد طريقة لتوفير مصدر غذاء مستدام وآمن. من خلال مراقبته الدقيقة للطبيعة، قام بتعليم شعبه كيفية التمييز بين التربة الخصبة والقاحلة، وكيفية حرث الأرض وزراعة الحبوب الخمسة (wǔ gǔ – 五穀)، والتي تشمل عادةً الأرز، والقمح، والدخن بنوعيه، وفول الصويا. كما يُنسب إلى الإمبراطور شينونغ اختراع أدوات زراعية أساسية مثل المحراث الخشبي والفأس، مما مكّن الناس من الانتقال من حياة الترحال إلى الاستقرار في مجتمعات زراعية منظمة. إن هذه الإسهامات الجوهرية هي التي منحته لقب “المزارع الإلهي”، وجعلت من شخصية الإمبراطور شينونغ رمزًا للثورة الزراعية في الصين.
اكتشاف الشاي: اللحظة التي غيرت العالم
تعتبر قصة اكتشاف الشاي من أشهر الأساطير المرتبطة بالإمبراطور شينونغ، وهي حكاية غنية بالدلالات الرمزية والعلمية البدائية. تقول الرواية الأكثر شيوعًا، والتي يُقال إنها وقعت في عام 2737 قبل الميلاد، أن الإمبراطور شينونغ كان حاكمًا يهتم بشدة بصحة شعبه. كجزء من تعاليمه الصحية، أصدر مرسومًا يقضي بضرورة غلي الماء قبل شربه لتجنب الأمراض، وهو مبدأ صحي متقدم جدًا بالنسبة لتلك الحقبة. في أحد الأيام، بينما كان الإمبراطور شينونغ يستريح تحت شجرة برية أثناء قيامه برحلة استكشافية في أرجاء مملكته، طلب من حاشيته غلي بعض الماء له. هبت نسمة من الهواء، فحملت معها بضع أوراق من الشجرة التي كان يجلس تحتها، وسقطت مباشرة في وعاء الماء المغلي.
لاحظ الإمبراطور شينونغ، الذي كان يتمتع بفضول علمي لا ينضب، أن لون الماء بدأ يتغير تدريجيًا إلى لون ذهبي فاتح، وانبعثت منه رائحة عطرية زكية لم يعهدها من قبل. وبدلاً من التخلص من الماء، دفعه فضوله إلى تذوق هذا المشروب الجديد. عند ارتشافه أول قطرة، شعر الإمبراطور شينونغ بإحساس منعش يسري في جسده. وصف المشروب بأنه لا يروي العطش فحسب، بل ينشط العقل ويطرد التعب. لم يكن هذا مجرد اكتشاف لمشروب لذيذ، بل كان اكتشافًا لخصائص طبية محتملة. هذه النبتة، التي لم تكن معروفة من قبل، كانت شجرة الكاميليا الصينية (Camellia sinensis). لقد أطلق الإمبراطور شينونغ على هذا المشروب اسم “تشا” (茶)، وهو الاسم الذي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم. إن قصة اكتشاف الشاي هذه لا تسلط الضوء فقط على الصدفة، بل تؤكد على المنهجية التي اتبعها الإمبراطور شينونغ: الملاحظة، والفضول، والتجريب، والتوثيق.
رائد الطب الصيني التقليدي: تذوق مئات الأعشاب
لم تكن إسهامات الإمبراطور شينونغ مقتصرة على الزراعة واكتشاف الشاي. في الواقع، يُعتبر على نطاق واسع الأب الروحي للطب الصيني التقليدي (Traditional Chinese Medicine – TCM). انطلق الإمبراطور شينونغ في مهمة شاقة وخطيرة لتحديد الخصائص الطبية للنباتات والمعادن المختلفة. تقول الأسطورة إنه كان يمتلك بطنًا شفافًا، مما سمح له بمراقبة تأثير كل نبتة يتناولها على أعضائه الداخلية مباشرة. مسلحًا بهذه القدرة الخارقة، جاب الإمبراطور شينونغ الجبال والغابات، وقام بتذوق مئات الأنواع من الأعشاب والنباتات البرية لتصنيفها حسب خصائصها: هل هي سامة أم علاجية؟ هل هي حارة أم باردة في طبيعتها؟
خلال هذه التجارب البطولية، تعرض الإمبراطور شينونغ للتسمم عشرات المرات في اليوم الواحد، أحيانًا ما يصل إلى سبعين مرة. وهنا، يعود الشاي ليؤدي دورًا حاسمًا في أسطورته. يُروى أن الإمبراطور شينونغ استخدم الشاي كترياق فعال للعديد من السموم التي واجهها. فكلما شعر بأثر سام لنبتة ما، كان يمضغ أوراق الشاي أو يشرب منقوعها، فيشعر بالتحسن. هذه الرواية تربط بشكل وثيق بين اكتشاف الشاي ودوره كطبيب، وتكرس مكانة الشاي ليس فقط كمشروب اجتماعي، بل كعامل علاجي أساسي في الثقافة الصينية.
تُوجت هذه الجهود الجبارة في عمل يُنسب إليه، وهو كتاب “شينونغ بن تساو جينغ” (Shennong Ben Cao Jing – 神農本草經)، أو “كلاسيكيات المزارع الإلهي للمواد الطبية”. يُعد هذا الكتاب أقدم دستور للأدوية في تاريخ الصين، وعلى الرغم من أن النسخة الحالية التي وصلتنا قد تم تجميعها في وقت لاحق (خلال عهد أسرة هان)، إلا أن المعرفة الواردة فيه تُنسب تقليديًا إلى الأبحاث الأصلية التي قام بها الإمبراطور شينونغ. يصنف الكتاب 365 دواءً (بما في ذلك 252 مستحضرًا نباتيًا) إلى ثلاث فئات: “عليا” (غير سامة ومجددة للحيوية)، و”متوسطة” (ذات سمية طفيفة وتستخدم لتعزيز الصحة)، و”سفلى” (سامة وتستخدم لعلاج الأمراض فقط). إن المنهجية التي اتبعها الإمبراطور شينونغ في التصنيف والتجريب، حتى في شكلها الأسطوري، تضع حجر الأساس لعلم الصيدلة الصيني وتجسد روح التضحية بالنفس من أجل رفاهية البشرية.
الإمبراطور شينونغ بين الأسطورة والحقيقة التاريخية
من منظور أكاديمي حديث، من المستبعد جدًا أن يكون الإمبراطور شينونغ شخصية تاريخية حقيقية واحدة قامت بكل هذه الإنجازات الهائلة. لا توجد أدلة أثرية ملموسة تدعم وجوده كفرد. بدلاً من ذلك، ينظر العلماء إلى الإمبراطور شينونغ على أنه “بطل ثقافي” (Culture Hero)، وهو تجسيد رمزي للابتكارات والمعارف التي تراكمت على مدى آلاف السنين خلال العصر الحجري الحديث في الصين. إن الانتقال من مجتمعات الصيد والجمع إلى الزراعة المستقرة لم يكن عمل رجل واحد، بل كان عملية تدريجية ومعقدة شاركت فيها أجيال لا حصر لها.
إن تجميع هذه الإنجازات ونسبتها إلى شخصية واحدة مثل الإمبراطور شينونغ يخدم عدة أغراض هامة. أولاً، يبسط التاريخ المعقد ويجعله سهل الفهم والتذكر والتناقل عبر الأجيال. ثانيًا، يضفي شرعية وقدسية على هذه الممارسات الحيوية؛ فعندما يُقال إن الزراعة والطب هما هديتان من “المزارع الإلهي”، فإن ذلك يرسخ أهميتهما في النسيج الثقافي والديني للمجتمع. ثالثًا، يقدم الإمبراطور شينونغ نموذجًا مثاليًا للحاكم الحكيم والعطوف الذي يكرس حياته لخدمة شعبه، وهو مفهوم أساسي في الفلسفة السياسية الصينية، لا سيما الكونفوشيوسية. لذلك، فإن شخصية الإمبراطور شينونغ قد تكون تمثيلًا رمزيًا لزعيم قبلي أو مجموعة من القادة الذين لعبوا دورًا محوريًا في هذه التطورات المبكرة، أو قد يكون ببساطة تجسيدًا للذاكرة الجماعية لشعب بأكمله.
سواء كان الإمبراطور شينونغ حقيقيًا أم لا، فإن الأسطورة نفسها حقيقة ثقافية لا يمكن إنكارها. لقد شكلت هذه القصص رؤية الصينيين لتاريخهم وللعالم الطبيعي من حولهم. إن فكرة أن المعرفة تأتي من خلال التجربة المباشرة والملاحظة الدقيقة، وهي الفكرة المركزية في أسطورة الإمبراطور شينونغ، قد ألهمت عددًا لا يحصى من الأطباء والعلماء والمزارعين على مر القرون.
الإرث الدائم: تأثير الإمبراطور شينونغ في العصر الحديث
إن تأثير الإمبراطور شينونغ يتجاوز بكثير صفحات كتب الأساطير. فإرثه حي ومتجذر بعمق في جوانب متعددة من الحياة الصينية المعاصرة. في مجال الزراعة، لا يزال يُبجل كإله راعٍ للمزارعين والصيادلة. تقام الاحتفالات والمهرجانات تكريمًا له، خاصة في المناطق الريفية، حيث يصلي المزارعون من أجل حصاد وفير وحماية محاصيلهم. إن المبادئ الزراعية الأولى التي يُنسب فضلها إلى الإمبراطور شينونغ، مثل فهم التربة والمناخ، لا تزال تشكل أساس الممارسات الزراعية المستدامة.
في عالم الطب، يعتبر “شينونغ بن تساو جينغ” نصًا تأسيسيًا لا يزال يُدرس ويُرجع إليه من قبل ممارسي الطب الصيني التقليدي في جميع أنحاء العالم. إن روح الإمبراطور شينونغ المتمثلة في التجريب الدؤوب والتضحية بالذات لا تزال تلهم الباحثين في مجال الأعشاب والطب البديل. إن المنهجية التي وضعها لتصنيف الأعشاب بناءً على خصائصها وفوائدها لا تزال تؤثر على علم الأدوية العشبية الحديث.
أما بالنسبة للشاي، فإن إرث الإمبراطور شينونغ هو الأكثر وضوحًا وعالمية. تبدأ كل قصة تروى عن تاريخ الشاي تقريبًا باللحظة الأسطورية التي سقطت فيها ورقة الشاي في وعاء الماء المغلي الخاص به. لقد تحول هذا المشروب، الذي اكتشفه الإمبراطور شينونغ، من دواء عشبي إلى ثاني أكثر المشروبات استهلاكًا في العالم بعد الماء. لقد أصبحت ثقافة الشاي، بكل طقوسها وفلسفاتها، جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية الصينية، وانتشرت لتؤثر على عادات الشرب في بريطانيا والهند واليابان وأماكن أخرى لا حصر لها. في كل مرة يتم فيها إعداد كوب من الشاي، سواء في حفل شاي صيني متقن أو ببساطة باستخدام كيس شاي في كوب، فإن ذلك يعد صدى بعيدًا لاكتشاف الإمبراطور شينونغ الأسطوري. إن هذه الحكاية تضفي على الشاي عمقًا تاريخيًا ورومانسيًا، وتحوله من مجرد سلعة إلى جسر يربط الحاضر بماضٍ سحيق.
في الختام، يمثل الإمبراطور شينونغ أكثر من مجرد شخصية أسطورية؛ إنه رمز للتقدم البشري القائم على الفضول والمثابرة والتعاطف. سواء كان يُنظر إليه كإله، أو كحاكم أسطوري، أو كتجسيد لآلاف السنين من الابتكار البشري، فإن قصة الإمبراطور شينونغ تظل حجر زاوية في فهم أصول الحضارة الصينية. إن إرثه في الزراعة والطب، والذي يتوج باكتشافه المصيري للشاي، لا يزال يشكل العالم الذي نعيش فيه اليوم. إن دراسة حياة وأسطورة الإمبراطور شينونغ تعلمنا أن أعظم الاكتشافات غالبًا ما تبدأ بلحظة بسيطة من الملاحظة، وأن السعي وراء المعرفة من أجل تحسين حياة الآخرين هو أنبل مسعى يمكن أن يقوم به الإنسان. إن دور الإمبراطور شينونغ كأب للزراعة ورائد للطب ومكتشف للشاي يضمن أن اسمه سيظل خالدًا في تاريخ البشرية، كرمز للحكمة التي تنبع من الأرض نفسها. وهكذا، فإن الحكاية الخالدة عن الإمبراطور شينونغ تستمر في إلهامنا، لتذكرنا بالصلة العميقة بين الإنسان والطبيعة.
الأسئلة الشائعة
1. هل الإمبراطور شينونغ شخصية تاريخية حقيقية أم مجرد أسطورة؟
من منظور أكاديمي صارم، لا توجد أدلة أثرية أو نصوص معاصرة تثبت وجود الإمبراطور شينونغ كفرد تاريخي واحد. يعتبره المؤرخون “بطلاً ثقافياً” (Culture Hero)، وهو شخصية أسطورية يتمحور حولها تراكم الإنجازات والابتكارات التي حدثت على مدى قرون أو آلاف السنين. إن الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث، وتطور المعرفة بالنباتات الطبية، كانت عمليات تدريجية ومعقدة قامت بها مجتمعات بأكملها. إن أسطورة الإمبراطور شينونغ هي وسيلة رمزية لتبسيط هذا التاريخ المعقد وتجسيده في شخصية ملهمة، مما يسهل نقل هذه المعارف والقيم عبر الأجيال ويمنحها هالة من القدسية والأهمية.
2. ما هي التفاصيل الأكاديمية وراء قصة اكتشاف الإمبراطور شينونغ للشاي، وما هي أهميتها الرمزية؟
قصة اكتشاف الشاي هي حكاية رمزية بامتياز. أكاديمياً، تبرز القصة عدة مفاهيم: أولاً، مبدأ الصحة العامة المتقدم الذي يمثله مرسوم الإمبراطور شينونغ بغلي الماء، مما يعكس وعياً مبكراً بأهمية النظافة. ثانياً، تجسد القصة الروح العلمية البدائية القائمة على الملاحظة (تغير لون الماء ورائحته)، والفضول (الرغبة في التذوق بدلاً من التخلص منه)، والتجريب الشخصي. رمزياً، سقوط أوراق الشاي في الإناء لا يمثل مجرد صدفة، بل هو تدخل إلهي أو طبيعي لتوجيه البشرية نحو اكتشاف عظيم. الأهمية الرمزية تكمن في تأسيس الشاي ليس فقط كمشروب، بل كعنصر مرتبط بالصحة واليقظة الذهنية منذ اللحظة الأولى لاكتشافه على يد الإمبراطور شينونغ.
3. لماذا يُلقب الإمبراطور شينونغ بـ “المزارع الإلهي”، وما هي أبرز إنجازاته المنسوبة إليه في مجال الزراعة؟
لقب “المزارع الإلهي” (Shennong) هو ترجمة حرفية لاسمه وهو يلخص جوهر دوره الأسطوري. يُنسب إليه الفضل في تحويل المجتمع الصيني من حياة الصيد والجمع البدائية إلى مجتمع زراعي مستقر. أبرز إنجازاته المنسوبة إليه تشمل:
- تعليم زراعة الحبوب الخمسة: يُعتقد أنه أول من علم الناس كيفية زراعة المحاصيل الأساسية التي ضمنت الأمن الغذائي.
- اختراع الأدوات الزراعية: يُنسب إليه اختراع المحراث الخشبي والفأس وغيرها من الأدوات التي سهلت عملية الزراعة.
- فهم التربة والمناخ: يُقال إن الإمبراطور شينونغ علم الناس كيفية التمييز بين أنواع التربة المختلفة واختيار الأنسب لكل محصول.
هذه الإنجازات مجتمعة تمثل الثورة الزراعية، وهي الحدث الذي وضع الأساس لقيام الحضارة الصينية، مما يبرر تماماً لقبه الإلهي.
4. كيف أسس الإمبراطور شينونغ لدراسة الطب الصيني التقليدي، وما هي المنهجية التي اتبعها؟
أسس الإمبراطور شينونغ للطب الصيني التقليدي من خلال منهجيته التجريبية الرائدة. تقول الأسطورة إنه قام شخصياً بتذوق مئات الأعشاب لتحديد خصائصها. المنهجية المنسوبة إليه، على الرغم من طابعها الأسطوري (مثل امتلاكه لبطن شفاف)، ترمز إلى المبادئ الأساسية لعلم الأدوية:
- التجربة المباشرة (Empiricism): الاعتماد على التجربة الشخصية والملاحظة لتحديد آثار المواد.
- التصنيف (Taxonomy): قام بتصنيف النباتات إلى فئات (سامة، علاجية، مغذية) بناءً على تأثيرها.
- التضحية بالنفس من أجل المعرفة: استعداده للمخاطرة بحياته (تعرضه للتسمم مراراً وتكراراً) من أجل صحة شعبه يمثل النموذج الأخلاقي الأعلى للطبيب.
هذه المنهجية التجريبية، التي يمثلها الإمبراطور شينونغ، وضعت حجر الأساس لعلم الأعشاب الصيني.
5. ما هو كتاب “شينونغ بن تساو جينغ”، وما هي قيمته التاريخية والعلمية؟
“شينونغ بن تساو جينغ” (كلاسيكيات المزارع الإلهي للمواد الطبية) هو أقدم دستور أدوية معروف في الصين. على الرغم من أن تأليفه يُنسب تقليدياً إلى الإمبراطور شينونغ، إلا أن الإجماع العلمي يرجح أن النص تم تجميعه وتدوينه خلال عهد أسرة هان (206 ق.م – 220 م)، بناءً على معارف شفهية تراكمت عبر قرون. قيمته تكمن في كونه أول عمل منهجي يصنف الأدوية (365 دواءً) إلى ثلاث فئات رئيسية بناءً على فعاليتها وسميتها. إنه يمثل أول محاولة لإنشاء نظام متكامل لعلم الأدوية في الصين، وقد شكل الأساس الذي بني عليه الطب الصيني التقليدي لآلاف السنين.
6. ما الدلالة الرمزية لتصوير الإمبراطور شينونغ برأس ثور وجسد إنسان؟
هذا التصوير الهجين يحمل دلالات رمزية عميقة. رأس الثور يربط الإمبراطور شينونغ مباشرة بعالم الزراعة والماشية والقوة البدنية والخصوبة والارتباط بالأرض. الثور في العديد من الثقافات القديمة يمثل قوة الطبيعة الإنتاجية. أما الجسد البشري، فيرمز إلى الحكمة والذكاء والقيادة والقدرة على تنظيم المجتمع. بدمج الاثنين، يصبح الإمبراطور شينونغ تجسيداً مثالياً للتناغم بين الطبيعة والحضارة، فهو القائد الحكيم الذي يسخر قوة الطبيعة الخام لخدمة البشرية وتقدمها.
7. كيف يظهر تأثير الإمبراطور شينونغ في الصين الحديثة والعالم اليوم؟
تأثير الإمبراطور شينونغ لا يزال حاضراً بقوة. في الصين، يُبجل كإله راعٍ للمزارعين والصيادلة، وتقام له المهرجانات. مبادئ الطب الصيني التقليدي، التي يُعتبر مؤسسها، تُمارس وتُدرس عالمياً. أما إرثه الأكبر، الشاي، فقد أصبح ظاهرة عالمية وثاني أكثر المشروبات استهلاكاً بعد الماء، وشكل ثقافات بأكملها حول العالم. كل كوب شاي يتم شربه اليوم هو، بشكل غير مباشر، إحياء لذكرى اكتشاف الإمبراطور شينونغ الأسطوري.
8. ما هو الأصل اللغوي لاسم “شينونغ” (神農) وكيف يعكس دوره الأسطوري؟
الاسم بحد ذاته هو وصف دقيق لدوره. يتكون من مقطعين صينيين: “شين” (神 – Shén) الذي يعني “إله” أو “إلهي” أو “روحي”، و “نونغ” (農 – Nóng) الذي يعني “زراعة” أو “مزارع”. وبالتالي، فإن “شينونغ” تُترجم حرفياً إلى “المزارع الإلهي”. هذا الاسم ليس مجرد اسم علم، بل هو لقب وصفي يلخص مهمته الحضارية بأكملها: أنه الكائن الإلهي الذي منح البشرية هبة الزراعة، أهم مقومات الحضارة.
9. ما هو موقع الإمبراطور شينونغ ضمن التسلسل الهرمي للأباطرة الأسطوريين في الصين؟
يُصنف الإمبراطور شينونغ ضمن “الحكام الثلاثة والأباطرة الخمسة”، وهم مجموعة من الحكام الأسطوريين الذين يُعتقد أنهم أسسوا الحضارة الصينية. عادةً ما يُعتبر الإمبراطور شينونغ الثاني من بين الحكام الثلاثة، بعد فوشي (Fuxi)، الذي يُنسب إليه اختراع الكتابة والصيد، وقبل الإمبراطور الأصفر (Huangdi)، الذي يُعتبر سلف جميع الصينيين الهان. يمثل كل حاكم من هؤلاء مرحلة أساسية من تطور الحضارة، ويمثل الإمبراطور شينونغ مرحلة الانتقال إلى الزراعة والطب.
10. هل كان اكتشاف الشاي من قبل الإمبراطور شينونغ يُنظر إليه كإضافة غذائية أم كعلاج طبي في المقام الأول؟
وفقًا للأسطورة، كان يُنظر إليه في المقام الأول كعلاج طبي. على الرغم من أن الإمبراطور شينونغ استمتع بطعمه ورائحته المنعشة، إلا أن قيمته الحقيقية تأكدت عندما استخدمه كترياق للسموم التي كان يتعرض لها أثناء تذوقه للأعشاب. هذه الرواية تضع الشاي منذ البداية في فئة المواد الطبية الفعالة. دوره كمشروب اجتماعي وترفيهي تطور لاحقاً، ولكن أصله الأسطوري، المرتبط مباشرة برائد الطب الإمبراطور شينونغ، يرسخ مكانته العلاجية كخاصية أساسية له.



